الجهة اليوم

اشتُوكة أيت باها: من المدارس العلمية العتيقة إلى قطب المعرفة

  • د.خالد ألعيوض //

حضرت اليوم، بفرح كبير واعتزاز عميق حفل افتتاح المدرسة الوطنية العليا للصناعات الغذائية والبيوتكنولوجيا، وكان فرحي مزدوجًا؛ فرحًا بهذا الصرح الجامعي الجديد، وفرحًا أكبر لأن هذه المؤسسة اختارت أن تفتح أبوابها في إقليمي العزيز، اشتوكة أيت باها.
لقد كان أبناء الإقليم، لعقود طويلة، مضطرين إلى مغادرته طلبًا للعلم والتكوين العالي؛ إلى مراكش والدار البيضاء والرباط وفاس، ثم إلى أكادير مع تأسيس جامعة ابن زهر. أما اليوم، فإن اشتوكة أيت باها تستقبل أول مؤسسة من هذا النوع، وكأن دائرة تاريخية تعود لتكتمل: إقليم كان، منذ قرون، أرضًا للمدارس العلمية العتيقة، وها هو اليوم يستقبل مدرسة عليا حديثة تفتح أبوابها للعلم والمعرفة والابتكار.
فاشتُوكة أيت باها لم تكن يومًا بعيدة عن العلم. فقد احتضن أهلها المدارس العلمية العتيقة، وبنوها ومولوها، وشجعوا أبناءهم وأبناء المناطق المجاورة على طلب العلم. واليوم، تأتي هذه المؤسسة الجديدة لتمنح هذا الإرث امتدادًا معاصرًا، ولتقول إن العلم لا ينقطع، وإنما تتغير مؤسساته وأدواته ومجالاته.
والجميل في هذه التجربة أنها جاءت في وقت وجيز، وبإرادة هادئة وواضحة، وفي مقدمتها السيد عامل الإقليم الذي تبنى المشروع منذ وصوله إلى اشتوكة أيت باها، وعمل على إخراجه إلى أرض الواقع في أقل من سنة. كما وجد المشروع الدعم والتشجيع من السيد الوالي، ومن مختلف المتدخلين، وصولًا إلى رئاسة الجامعة، حتى يرى هذا الحلم النور في الإقليم.
وأعتقد أن هذه المؤسسة ليست سوى بداية لمشروع أكبر: مشروع قطب المعرفة باشتوكة أيت باها.

اشتُوكة أيت باها: من المدارس العلمية العتيقة إلى قطب المعرفة - اكادير اليوم
ستتبعها مدرسة متخصصة في العمل الاجتماعي، وهي بالفعل ضمن المشاريع المرتقبة، ولماذا لا نفكر، في المستقبل، في تكوينات دقيقة مرتبطة بالماء ومعالجته وإعادة استعمال المياه العادمة، خصوصًا ونحن أمام إقليم سيحتضن محطتين لتحلية مياه البحر، ويحتاج إلى أطر وتقنيين وخبراء قادرين على مواكبة هذا الورش الكبير؟ نحن في زمن أصبحت فيه كل قطرة ماء ذات قيمة، وبالتالي فإن المعرفة المرتبطة بالماء أصبحت جزءًا من أمننا ومستقبلنا.
ولماذا لا نوسع هذا القطب ليشمل تثمين المنتجات المحلية، والابتكار، والبيئة، والاقتصاد الأخضر، ثم التراث باعتباره رافعة للتنمية السياحية والثقافية؟
وأنا شخصيًا أرى أن اشتوكة أيت باها مؤهلة أيضًا لاحتضان مشروع وطني لحفظ المخطوطات، باعتبار أن الإقليم يزخر بذاكرة علمية وتراثية غنية، وبمخطوطات بدأت، للأسف، تتعرض للتلف والضياع. نحتاج أولًا إلى فضاء يجمع هذه الكنوز ويحفظها، ثم إلى تخصصات دقيقة تُكوّن الباحثين والخبراء القادرين على قراءتها وترميمها ورقمنتها ودراستها، لأنها ليست مجرد وثائق قديمة، بل جزء من التاريخ الاجتماعي والعلمي للمغرب.
إننا نتحدث عن تخصصات دقيقة، ذات استقطاب محدود، تستقطب المتفوقين من مختلف جهات المملكة. وهذا بالذات ما سيمنح الإقليم فرصة لصناعة نخبة جديدة، ليس فقط على المستوى المحلي، وإنما على المستوى الوطني أيضًا. فاستقبال طلبة من خارج الإقليم، إلى جانب أبناء اشتوكة أيت باها، سيخلق دينامية علمية وثقافية جديدة، وسيجعل من المؤسسة فضاءً للتنافس والتفاعل وتبادل التجارب.
وفي هذا السياق، لا بد من التنويه بكل من ساهم في إنجاح هذا المشروع. فإلى جانب السلطات الإقليمية والجهوية، والجامعة، والمديريات والمصالح المختلفة، هناك أيضًا البعد الرمزي للمكان الذي يحتضن المدرسة اليوم، بما يحمله من ذاكرة مرتبطة بالمركب الثقافي سعيد أشتوك، والرايس سعيد أشتوك فنان وفلاح يحمل اسم الإقليم وتغنى بالفلاحة والأرض.
كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي قام به المستثمر والمقاول السيد الحسين مخلص، الذي وضع رهن إشارة المشروع عقارًا بمساحة ثمانية هكتارات، في موقع مهم بقلب بيوكرى، لاحتضان البنايات المستقبلية للمدرسة ومختلف مكونات قطب المعرفة.

اشتُوكة أيت باها: من المدارس العلمية العتيقة إلى قطب المعرفة - اكادير اليوم
وأقولها دون حرج: من لم يشكر الناس لم يشكر الله.
إن مبادرة الحسين مخلص تستحق التنويه، لأنها تقدم نموذجًا لما يمكن أن يقدمه رجال المال والأعمال للمجتمع. وإذا كانت المدارس العلمية العتيقة قد قامت تاريخيًا بفضل المحسنين وأهل الخير الذين آمنوا بأن بناء مدرسة هو بناء للإنسان، فإن المؤسسات الجامعية والمدارس العليا اليوم ليست بعيدة عن هذا المعنى. ولذلك فإنني أدعو رجال المال والأعمال والمستثمرين إلى النظر إلى التعليم باعتباره استثمارًا في المستقبل، وليس مجرد مساهمة ظرفية.
لكن المشروع يحتاج، بالتوازي مع بناء المؤسسة، إلى التفكير في إقامة جامعية تستقبل الطلبة والطالبات القادمين من مختلف مناطق المغرب، خصوصًا مع تطور قطب المعرفة واحتضانه لمؤسسات وتخصصات متعددة.
نحن بحاجة إلى إقامة جامعية بالمواصفات الحديثة: ملاعب رياضية، فضاءات للتنشيط الثقافي، قاعات للمحاضرات، فضاءات للقراءة، ومرافق للفنون والسينما وعرض الأفلام. فالطالب لا يحتاج فقط إلى المدرج والمختبر، وإنما يحتاج أيضًا إلى فضاء متكامل يعيش فيه تجربة جامعية حقيقية.
ومن هنا، أوجه دعوة صريحة إلى المستثمرين للمساهمة في هذه البنيات المستقبلية. فالثمانية هكتارات التي وضعت رهن إشارة المشروع يمكن أن تشكل نواة لقطب جامعي متكامل، خصوصًا ونحن نعرف قيمة العقار وصعوبة توفير مساحات بهذا الحجم داخل المراكز الحضرية.
لكن البناء وحده لا يكفي. الرهان الحقيقي هو جودة التكوين.
وهنا أحيي بحرارة الشراكات التي تم توقيعها مع مؤسسات فرنسية لها خبرة وتجربة في مجالات التكوين المرتبطة بالصناعة الغذائية والبيوتكنولوجيا. غير أن التكوين الجيد، في نظري، يجب ألا يكون منفصلًا عن الواقع المحلي.
المهندس الذي سيتخرج من هذه المدرسة لا ينبغي أن يكون فقط متخصصًا في المختبر والتقنيات، بل ينبغي أن يكون قادرًا على فهم الضيعة بكل مكوناتها، وعلى معرفة مسارات الإنتاج والتثمين والتسويق، وعلى فهم البيئة التي تنتج فيها هذه المنتجات.
نحن في اشتوكة أيت باها أمام منظومة اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة: عاملات زراعيات، أسر، أطفال، قرى ومراكز ناشئة، هجرة، تحولات اجتماعية، وإكراهات بيئية ومائية ومهنية. ولذلك ينبغي أن ينفتح الطالب والباحث على هذا المحيط، وأن يصبح البحث العلمي وسيلة لفهمه واقتراح حلول مستدامة لمشكلاته.
نحن بحاجة إلى هندسة تجمع بين المجال السوسيو-ثقافي والمجال السوسيو-مهني والمجال الاقتصادي والبيئي، وبين حاجات الضيعة وحاجات المجتمع المحيط بها.
كما أنني أوجه دعوة إلى القطاع الخاص والمستثمرين الكبار لاحتضان هذه المؤسسات الجديدة، لأن العلاقة بين الجامعة والمقاولة يجب ألا تكون علاقة منفصلة. هذه المؤسسات قادرة على تقديم حلول عملية للإكراهات التي يعيشها القطاع: تدبير المياه، معالجة النفايات، تثمين المواد الأولية، حماية البيئة، تحسين الإنتاج، الابتكار، والبحث عن أساليب جديدة للتسويق والتثمين.
فالجامعة ليست فقط مكانًا لتخريج الشهادات؛ إنها يمكن أن تكون مختبرًا لحل مشكلات المجال.
لهذا كله، فإن فرحتي اليوم ليست فقط بافتتاح مؤسسة جامعية جديدة، وإنما بما تحمله من أفق أوسع.
إنني أتمنى أن تكون هذه المدرسة بداية لمسار يجعل من اشتوكة أيت باها إقليمًا للمعرفة؛ معرفة مرتبطة بالأرض، وبالإنسان، وبالاقتصاد، وبالماء، وبالتراث، وبالثقافة، وبالمستقبل.
من المدارس العلمية العتيقة إلى المدارس العليا الحديثة، هناك خيط واحد لا ينقطع: الإيمان بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان والعلم.
ولذلك، فإن الرهان الذي أمامنا اليوم هو أن نخلق تناغمًا حقيقيًا بين العلم والإنتاج، وبين الجامعة والمجتمع، وبين البحث العلمي والتنمية، حتى تصبح المعرفة قوة دافعة لتحويل اشتوكة أيت باها إلى نموذج في التكوين والابتكار والتنمية المستدامة.
وأتمنى أن تكون هذه مجرد بداية، وأن نحتفل غدًا بمؤسسات أخرى، وتخصصات أخرى، وأجيال جديدة من أبناء اشتوكة أيت باها، وهي تدرس وتبحث وتبتكر على أرضها، بعدما كان أبناؤها بالأمس يضطرون إلى مغادرتها طلبًا للعلم.
اليوم يعود العلم إلى أرضه، وتبدأ اشتوكة أيت باها في بناء مستقبلها من بوابة المعرفة.

  • الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث، ايت ميمون ، أشتوكة أيت باها

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto