
سوس ماسة: الصناديق قالت كلمتها.. ولكن هل وصلت الرسالة؟
- حسن كرياط //
لم تكن ليلة 23 شتنبر 2026 في سوس ماسة مجرد ليلة انتخابية أخرى تُضاف إلى أرشيف الاستحقاقات الديمقراطية، ولم تكن صناديق الاقتراع مجرد صناديق تُفتح صباحاً وتُغلق مساءً لتعلن بعدها أسماء الفائزين والخاسرين. كان المشهد، بما حمله من أرقام وتفاوتات، يستحق أن يُقرأ بما هو أبعد من الحساب الانتخابي المباشر، لأن وراء الأرقام سؤالاً أكبر يتعلق بعلاقة المواطن بالسياسة، وبمدى قدرة الوساطة الحزبية والانتخابية على مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع السوسي.
على المستوى الوطني، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية 38.02%، وفق ما أعلنت عنه وزارة الداخلية عقب إغلاق مكاتب التصويت. أما في جهة سوس ماسة، فقد كشفت المعطيات المتداولة خلال يوم الاقتراع عن مستوى مشاركة أقل، إذ بلغت 26.98% عند الخامسة مساءً، مع تفاوت واضح بين أقاليم وعمالات الجهة. وهذه الأرقام، في حد ذاتها، لا تقدم تفسيراً جاهزاً لسلوك الناخبين، لكنها تفتح باباً واسعاً أمام سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: ماذا يحدث عندما تصبح المسافة بين المواطن وصندوق الاقتراع أكبر من المسافة التي تفصل المواطن عن المشاريع والبرامج التي تُنجز باسمه؟
السؤال يصبح أكثر إلحاحاً في سوس ماسة تحديداً، لأن الجهة ليست منطقة تفتقر إلى المشاريع أو إلى الأوراش الكبرى. على العكس من ذلك، فقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة فضاءً لمجموعة من المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى، من تأهيل مدينة أكادير إلى الاستثمار السياحي والفلاحي، ومن تحلية مياه البحر إلى تدبير تحديات الأمن المائي، ومن تطوير البنيات التحتية إلى إعادة تشكيل المجال الحضري والاقتصادي للجهة.
لكن التنمية، في النهاية، لا تُقاس فقط بحجم الاستثمار، ولا بعدد المشاريع التي تُعلن عنها المؤسسات، ولا بالصور التي تُلتقط أثناء تدشين الأوراش. التنمية الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن بأن المشروع العمومي وصل إلى حياته اليومية، وأن الطريق التي أنجزت اختصرت معاناته، وأن المستشفى أصبح أكثر قدرة على الاستجابة لحاجته، وأن المدرسة تمنح أبناءه فرصة أفضل، وأن سوق الشغل يفتح أمام الشباب أبواباً حقيقية، وأن الخدمات العمومية أصبحت أكثر جودة وعدالة وفعالية.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أكثر مفارقات سوس ماسة إثارة للتأمل: جهة تتحرك فيها عجلة التنمية بسرعة، بينما تبدو عجلة الثقة السياسية في حاجة إلى دفعة جديدة.
فالشاب الذي يقف أمام طابور الباحثين عن العمل لا يرى المشروع التنموي من خلال قيمته المالية، وإنما من خلال السؤال البسيط: ماذا أضاف هذا المشروع إلى مستقبلي؟ والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة لا تقيس التنمية بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما بما بقي في جيبها في نهاية الشهر. والمواطن في المناطق القروية لا ينظر إلى التنمية من زاوية البيانات الرسمية، وإنما من خلال قرب المدرسة والمركز الصحي والطريق والماء والنقل والخدمات الأساسية.
ومن هنا، فإن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب التنمية، وإنما ربما في الفجوة بين لغة التنمية ولغة الحياة اليومية.
وهي فجوة لا يمكن تحميل مسؤوليتها لطرف واحد، ولا يجوز اختزالها في تفسير سياسي جاهز. فالعزوف الانتخابي ظاهرة مركبة، وقد يكون وراءه ضعف الاقتناع بالعرض السياسي، أو فتور التعبئة الحزبية، أو ظروف اجتماعية واقتصادية، أو عدم اهتمام بالاستحقاق، أو شعور بالمسافة عن المؤسسات، أو أسباب أخرى تختلف من منطقة إلى أخرى ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.
لكن السياسة لا تستطيع أن تتجاهل السؤال الذي تطرحه الأرقام، حتى لو لم تقدم هذه الأرقام وحدها جواباً نهائياً.
فالوساطة السياسية التي تكتفي بالظهور في موسم الانتخابات سرعان ما تفقد جزءاً من معناها. والمنتخب الذي لا يظهر إلا خلال الحملة الانتخابية يجد نفسه أمام مجتمع تغير كثيراً منذ زمن الوسائط التقليدية. المواطن اليوم أكثر اطلاعاً، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر سرعة في مساءلة المنتخب والمؤسسة، ولم يعد مستعداً بالضرورة للاكتفاء بالخطاب العام أو بالوعود الانتخابية.
لقد تغيرت سوس ماسة، لكن السؤال هو: هل تغيرت معها السياسة بالسرعة نفسها؟
هذه هي المسألة التي ينبغي أن تفتحها انتخابات 23 شتنبر أمام الأحزاب والمنتخبين والنخب المحلية والجهوية. فالمطلوب ليس فقط تجديد الوجوه، وإنما تجديد طريقة التفكير في السياسة نفسها؛ الانتقال من منطق التعبئة الانتخابية إلى منطق التواصل الدائم، ومن منطق تقديم الوعود إلى منطق تقديم الحصيلة، ومن منطق التمثيل الشكلي إلى منطق الدفاع الفعلي عن مصالح المواطنين.
إن سوس ماسة لا تحتاج إلى سياسيين يتحدثون عن التنمية فقط، بل إلى وسطاء قادرين على ترجمة التنمية إلى لغة يفهمها المواطن في حياته اليومية. تحتاج إلى من يربط بين الاستثمار والتشغيل، وبين المشاريع الكبرى والخدمات الأساسية، وبين الأمن المائي والعدالة المجالية، وبين النمو الاقتصادي والفرص المتاحة للشباب.
وتحتاج، قبل كل شيء، إلى إعادة بناء الثقة في أن صوت المواطن لا ينتهي بمجرد وضع الورقة في صندوق الاقتراع.
فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لإنتاج تمثيلية سياسية قادرة على نقل المجتمع إلى المؤسسات، ونقل انتظارات المواطنين إلى مراكز القرار. وإذا أصبحت العلاقة بين الطرفين موسمية، فإن الديمقراطية قد تحافظ على شكلها المؤسساتي، بينما تتراجع وظيفتها التواصلية والتمثيلية في نظر جزء من المجتمع.
ومن الخطأ أيضاً أن يُنظر إلى المواطن الذي لا يصوت باعتباره وحده المسؤول عن ضعف المشاركة. صحيح أن المشاركة تمنح المواطن فرصة للتأثير في تشكيل المؤسسات، لكن الثقة لا تُطلب من طرف واحد؛ إنها تُبنى من خلال علاقة متبادلة بين المواطن والمؤسسة، وبين الناخب والمنتخب، وبين الوعود والنتائج.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل سوس ماسة بعد الانتخابات ليس فقط: من تصدر؟ ومن فاز؟ ومن دخل البرلمان؟ بل سؤال أعمق بكثير: كيف نعيد السياسة إلى موقعها الطبيعي باعتبارها جسراً بين المواطن والمؤسسة؟
إن مستقبل الجهة لن يُحسم فقط داخل قاعة البرلمان، وإنما أيضاً في قدرتها على إنتاج نموذج جديد من الوساطة السياسية، نموذج يجعل المنتخب حاضراً بين الانتخابات لا في الانتخابات فقط، ويجعل الحزب مدرسة للكفاءات لا مجرد آلة انتخابية، ويجعل التنمية مشروعاً مجتمعياً يشعر المواطن بأنه شريك فيه وليس مجرد متلقٍ لنتائجه.
ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله النخب السياسية هو أن تقرأ نتائج الانتخابات بعين المقاعد وحدها. فالمقاعد تحكي قصة انتخابية، أما المشاركة فتحكي قصة أخرى تحتاج إلى قراءة أعمق. وبين القصتين توجد مساحة واسعة من الأسئلة حول الثقة والتمثيل والتواصل والإنصات والإنجاز.
سوس ماسة ليست جهة عادية في المعادلة الوطنية؛ إنها إحدى واجهات المغرب الاقتصادية والتنموية، ومجال ترابي يحمل تاريخاً سياسياً ومدنياً عريقاً، ويضم طاقات بشرية واقتصادية وثقافية كبيرة. ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبلها لا ينبغي أن يتوقف عند نتائج اقتراع واحد، بل يجب أن يمتد إلى سؤال نموذج التنمية ونموذج الوساطة السياسية معاً.
لقد قالت الصناديق كلمتها في 23 شتنبر، وستُحسم المقاعد وفق النتائج والإجراءات القانونية المعتمدة. لكن ما لم تحسمه الصناديق هو السؤال الذي سيظل مفتوحاً أمام الجميع: هل تستطيع السياسة أن تلحق بالتنمية؟
ذلك هو التحدي الحقيقي أمام سوس ماسة.
فالمواطن لا يريد فقط أن يرى مدينة تتغير، أو طريقاً تُنجز، أو مشروعاً يُدشن؛ إنه يريد أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن ممثله قريب، وأن المؤسسة تستمع، وأن التنمية التي تُنجز فوق أرضه تجد طريقها إلى حياته.
وحين تصبح التنمية قادرة على إنتاج الثقة، والسياسة قادرة على إنتاج الأمل، والمنتخب قادراً على إنتاج الوساطة الحقيقية، عندها فقط لن تكون صناديق الاقتراع مجرد محطة انتخابية، بل ستصبح موعداً متجدداً بين المواطن والمؤسسة.
أما اليوم، فإن أرقام 23 شتنبر تضع أمام سوس ماسة مرآة تستحق أن تنظر إليها النخب السياسية طويلاً، لا للبحث عن فائز وخاسر، وإنما للبحث عن ذلك الخيط المفقود بين مشروع تنموي كبير ومواطن يريد أن يشعر بأن هذا المشروع يعنيه شخصياً.
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



