الرأيالسياسة

انتخابات بسائق جديد… لإكمال الرحلة نفسها

هناك انتخابات تغيّر موازين القوى و أخرى لا تغيّر سوى ترتيب الكراسي.
وبين الأمرين مسافة شاسعة تفصل بين ربيع التغيير وخريف الوهم..
هكذا يبدو المشهد الانتخابي التي أعلنت نتائجها أول أمس وكأن زلزالاً ضرب الخريطة السياسية برمتها… فالسياسيون يتسابقون إلى رفع شعار «الاستماع إلى رسالة الشعب»، والأحزاب تسارع إلى قراءة الأرقام على مقاس أطماعها وكأنها أمام تفويض جديد فيما ينشغل الإعلام بصيحات المنتصر ودموع المنهزم…
لكن خلف ضجيج الشاشات وفي عتمة الكواليس يبرز سؤال أكثر إلحاحاً من كل الأسئلة الأخرى:
هل تغيّر الاتجاه العام للبلاد؟
فالمشهد الراهن يحمل مفارقة سياسية واضحة:
الأحزاب الثلاثة التي تصدرت نتائج الانتخابات هي نفسها أضلاع الأغلبية الحكومية السابقة وهي أيضاً القوى التي تملك بحكم موقعها العددي والسياسي إمكانية إعادة إنتاج التحالف نفسه مع تعديلات في توزيع المقاعد والكراسي الأمامية والخلفية رغم أن المشاورات الرسمية لم تبدأ بعد
وهنا يصبح السؤال مشروعاً بل ضرورياً:
هل يعني هذا الترتيب الجديد أن الناخبين أعادوا الثقة في التدبير السابق وفي الوجوه نفسها؟أم أن الأمر يعكس في جانب منه عزوفاً أو يأساً من وجود بديل قادر على تقديم عرض سياسي مختلف.. ؟
الجواب لا يمكن أن يُستخرج من الأرقام وحدها.
فقراءة الخريطة الانتخابية بعيداً عن سياقها الاجتماعي والسياسي ورهانات المرحلة القادمة ليست سوى قراءة مبتورة.
فالناخب المغربي لم يكن بالضرورة يمنح صك غفران مفتوحاً كما أنه لم يكن بالضرورة يعلن قطيعة مع النموذج التدبيري القائم…
فقد يعاقب الناخب الحزب الأول لصالح شريك الأمس لكنه لايعلن بالضرورة رفضه للعقيدة التدبيرية التي حكمت المرحلة السابقة.
وقد يغيّر الواجهة من دون أن يطالب بتغيير جوهري في طريقة إدارة الملفات الكبرى.
بمعنى آخر ربما كانت الرسالة الانتخابية أقرب إلى تعديلالجرعة وتجميل الواجهةمنها إلى إعلان ثورة في السياسات العمومية.
ومن هنا تعود إلى الواجهة العبارة الشهيرة في رواية «الفهد» للامبيدوزا:
(كل شيء يتغير.. لكي لا يتغير شيء)
لكن إسقاط هذه العبارة حرفياً على الواقع المغربي سيكون تبسيطاً مخلاً.
فشيء ما تغير بالفعل.
تبدلت مواقع النفوذ وتراجعت زعامات وصعدت أخرى واختلت توازنات وأعيد توزيع أوراق القوة داخل المشهد السياسي.
وهذه التحولات مهما بدت محدودة في ظاهرها قد تكون لها امتدادات لاحقة.
غير أن كل ذلك يظل في مرتبة التفاصيل إذا لم ينعكس على حياة الناس.
فالمحك الحقيقي ليس في من جلس على كرسي الوزارة الأولى ولا في عدد الحقائب التي انتقلت من حزب إلى آخر بل في السياسات التي ستُنتجها الحكومة المقبلة.
هل نحن أمام محاولة فعلية لكسر روتين الجمود الاقتصادي والاجتماعي؟
هل ستظهر إجابات جديدة عن الأسئلة القديمة؟
هل ستجرؤ الحكومة على الاقتراب من الملفات التي ظلت مؤجلة أو معلقة؟
أم أننا سنكون أمام دورة جديدة من تدوير الأزمات وتجريب المجرب؟
فالانتخابات لا تنتهي لحظة إعلان النتائج ولا تكتمل بتوزيع حقائب الترضية الحزبية…
المعنى الحقيقي للسياسة يبدأ بعد ذلك بكثير يوم تجد الحكومة نفسها وجهاً لوجه أمام قضايا الناس وأمام ارتفاع كلفة المعيشة وفرص الشغل والخدمات العمومية وانتظارات الشباب وأسئلة العدالة المجالية
هنا فقط سيظهر حجم التغيير الحقيقي.
فالسؤال ليس من تصدّر المشهد الانتخابي
بل:
ماذا سيتغير في حياة المواطن بعد أن تتصدر القوى نفسها المشهد من جديد؟
فانتخاباتنا قد غيّرت السائق وأعادت ترتيب القيادة داخل نفس الحافلة ومنحت لبعضهم المقاعد الأمامية بعد أن كانوا في الخلف.
لكن هذه الانتخابات نفسها لم تثبت أنها غيّرت وجهة الحافلة.
وإذا عادت النخب نفسها إلى تسيير المركبة بالسرعة والوجهة والذهنية ذاتها فقد لا يكون ما شاهدناه سوى تغيير للسائقين…
لا تغييراً للوجهة.

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto