الثقافة

فيلم هشام لعسري «كازا X غزا».. الشعرية كفعل ارباك

  • محمد بكريم

موازاة مع اللحظة الانتخابية قمت بمراجعة بعض المساهمات النظرية – الفلسفية حول علاقة السينما بالسياسة. وكان مرجعي في ذلك نص قد اثارني من زمان للفيلسوف الان باديو حول “السينما كرمز ديموقراطي” ومنه انتقلت الى جيل دولوز واساسا الى جاك رانسيير…

أنطلق من الفرضية ان جوهر الفكر الجمالي والسياسي عند جاك رانسيير يتجلى في مفهوم مركزي مفيد جدا في مقاربة السينما المغربية الجديدة يتمحور حول «الشقاق/الانزياح» (Dissensus). رانسيير يرى أن السينما (والفن عموماً) لا تمارس السياسة حين تبث شعارات أو تُعطي دروساً أخلاقية للمتلقي لتوعيته، بل عندما تخلّ بالنظام الملموس والمعتاد للمحسوس (Le partage du sensible)، أي سينما تُعيد توزيع الأدوار والمساحات والأصوات. وانا بصدد تأمل هذه الأفكار والاطروحات توصلت بالفيلم القصير الجديد لهشام لعسري «كازا X غزا».  فيلم يُظهر هذا الانزياح على عدة مستويات مما يساهم في تفكك الطرح المباشر والابتعاد عن خطاب الوعظ.

أول ما أثارني وانا افتتح الفيلم، مع شيء من “الرهبة” كعادتي مع كل عمل جديد لهشام، هي علامة الضرب () في العنوان، كيف يمكن قراءتها وفي أي اتجاه تأويلها. هي دعوة أولى للتفكير وطرح فرضية أننا امام رابطة التركيب لا تعني المماثلة. العلامة الحسابية بين “كازا” و”غزا” أظن أنها لا تحضر كمجرد أداة ربط أو واو عطف (كما هو مشاع)؛ إنها علامة تضاعف ومقاطعة (référence croisée). لا تعني أن كازا هي غزة أو العكس، بل تضع المدينتين في مصفوفة (matrice) واحدة تجعل إحداهما تنعكس في الأخرى.

ومع/بعد مشاهدة الفيلم اعود الى هذه “العتبة” لأقول بانها تطرح سؤالاً جمالياً: كيف يتفاعل الخراب “المادي/العسكري” في غزة مع الخراب “الرمزي/المجتمعي/النفسي” في فضاء اللجوء (الدار البيضاء؟)… العلامة تخلط الأوراق وتجبر المشاهد على البحث عن المعنى في المساحة المتقاطعة بينهما بدلاً من قراءة كل فضاء بشكل منفصل.

ومنذ اللقطات الأولى – بعد المشاهد المرجعية حول القصف واثاره – نكتشف فتاة في مسار غير واضح ويبدو انها تتبادل رسائل نصية مع والدتها التي بقيت هناك. الانزياح يتجلى بوضوح في الفجوة (Décalage) بين النص والمشهد: الفتاة تتحدث في بيئة افتراضية/رسائل هاتفية عن “وضعية مريحة” بينما تقول الصور واقعاً آخر من الدمار والتيه. هذا التعارض يكسر التلقي السلبي؛ السينما هنا فعل محفز، لا تُملي على المشاهد ما يجب أن يشعر به، تركيب الصور وتوين اللقطة يضعه أمام حقيقة مزدوجة ويجبره على التفكير في الإغفال الإرادي أو الهروب النفسي الذي يمارسه الإنسان المعاصر مواجهة الفجيعة.

في هذا المشروع لإشراك المتلقي في “صناعة المعنى” يوظف الفيلم عناصر موازية ليست اكسسوار بل مفاتيح قراءة: ذاكرة الصورة والقلب الأحمر المرافق للفتاة كأنه طائرة ورقية (ضدا على الطائرات التي تتفتح المشهد والتي تزرع الموت هناك) عناصر وسط أجواء الخراب يكسر حضورها “المنشق” الرتابة التراجيدية التقليدية. إنها تمنح السرد بُعداً حلمياً يتجاوز الخطاب السياسي المباشر، ليحل محله إعادة ترتيب للمشاعر: الحب والذاكرة كفعل مقاَومَة أو كبقايا هشة وسط الخراب.

السينما هنا تمارس ديمقراطيتها بتجريد المنطق التقليدي للواقع، ومنح الصوت لشخصية تائهة عبر الوسيط الأكثر معاصرة (الهاتف/الرسائل)، لتعيد صياغة العلاقة بين المكان (كازا/غزة)، والزمان (الذاكرة/الواقع)، والإنسان.

تقنية الوسيط (الفيلم/الهاتف/العالم الافتراضي) تتجاوز كونها مجرد أداة لنقل الحكاية؛ إنها تتجذر كبنية أساسية تُشكّل تجربتنا مع الواقع والذاكرة والغياب. في الفيلم، الفتاة التي تتجول في “الخراب” وتكتب لوالدتها أنها في “وضعية مريحة”، تمارس نوعاً من التخدير التكنولوجي الذاتي. الوسيط الافتراضي (العلبة النصية) يتحول إلى درع يحميها من مواجهة جحيم الشارع، ولكنه في الوقت نفسه يُعزز عزلتها واستلابها؛ هي حاضرة ببصرها في الخراب، لكنها غائبة كلياً في خطابها الافتراضي.

الفيلسوف المتميز برنار شتيغلر يصف التقنية بـ “الفارماكون” (Pharmakon): فهي الدواء والسمّ في آن واحد. إنها السم: شاشة الهاتف التي تعزل الفتاة وتجعلها تحرف حقيقة ما حولها. وهي أيضا الدواء: الصورة القديمة التي التقاطها خطيبها والقلب الأحمر الطائر.

هذه الصورة المُخزنة (أرشيف خاص) رقمياً هي السند الأخير للذاكرة والأنوثة والإنسانية وسط الخراب المادي. التقنية هنا تسمح بربط الأمل بالذاكرة، لكنها ذاكرة هشة معلقة في “سحابة افتراضية” كالأوراق الطائرة.

وهنا يحضر سِؤال استراتيجي حارق: الهاتف في الفيلم / الوسيط الرقمي هل هو الجسر الوحيد المتبقي للتواصل والتضامن بين الخرابين (كازا وغزة)، أم أنه الجدار الأخير الذي يمنعنا من التفاعل الحيّ والحرّ؟ الشاشات والوسائط تُفقد المجتمعات قدرتها على التمييز والتضامن المادي، وتحول القضايا الكبرى (مثل غزة) إلى مجرد تدفق صور (le flux) نستهلكه عبر هواتفنا في مدننا المتهالكة (كازا).

لكن الفيلم عمل “مفتوح (œuvre ouverte) ويمنح افقا قابل لكل الاحتمالات انطلاقا من طبيعة الشخصية الرئيسية (جنسها كفتاة جميلة، لباسها، اناقتها، نظرتها..). فحين تكون الشخصية الرئيسية فتاة مفعمة بالحياة، تنظر بوعي وتحدٍّ، وتتحرك في فضاءات مفتوحة وسط الركام، فإن “العالم الافتراضي” والاستحضار البصري للخطيب الشهيد لا يعودان مجرد هروب وهمي، بل يتحولان إلى فعل صمود إرادي.

في لحظات الخراب الشامل، يُصبح الحفاظ على الجمال، والشغف، والذاكرة العاطفية، هو أقصى أشكال الانزياح السياسي؛ لأن القوة الظالمة (سواء كانت حرباً أو استبداداً أو دماراً عمرانياً) تسعى أولاً إلى محو الإنسانية، وتشييد الفراغ، وتنميط الضحايا كأرقام. حضور الفتاة بنظراتها الواعية وجمالها الحاضر وسط الركام يقطع مع صورة “الضحية المنكسرة”. من خلال قولها للأم إنها في “وضعية مريحة”، لا تُمارس الفتاة الكذب بقدر ما تُمارس الكبرياء والشفق الحنون. إنه الرفض الوجداني لإهداء الخراب انتصاراً مجانياً على روحها.

بهذا المعنى، يُصبح الفن عند لعسري كشكل من أشكال “الجماليات المقاومة”: الفتاة لا تنتظر انتهاء الخراب لكي تعيش وتتذكر وتحب، بل تمارس كل ذلك داخل الخراب ورغماً عنه. وهنا بالتحديد تكمن قوة الفيلم وتأثيره العميق؛ فهو لا يقدّم “أقصوصة أمل مجانية” أو خروجاً وردياً من المأساة، بل يُبقي على تلك البقعة الشعرية متقدة كشعلة صغيرة في مهب عتمة قاسية. فيلم يرفض الأمل الزائف السينما السياسية المعاصرة، حين تسقط في التفاؤل المفتعل، تُفقد القضية ثقلها الواقعي. العتمة المكثفة في الفيلم (الخراب، القصف، التيه) هي الاعتراف الصريح بشراسة الواقع ومأساويته

إن الشعرية تحضر في هذا الفيلم القصير كفعل إرباك، بقعة الضوء هذه — النظرة الحية، القلب الطائر، الذاكرة المتمسكة بالحب — لا تقدم حلاً للسياسة، على العكس اقرأها كتحدٍّ لها. إنها تُربك العتمة ولا تمحوها، وتُذكر المشاهد بأن ما يُدمَّر ليس مجرد حيطان وأبنية، بل أرواح تملك الحق في الحب والجمال حتى في أحلك اللحظات (الاخبار تقدم لنا أطفال غزة ينظمون دوريات رياضية وعروض سينمائية…).

لو منحنا الفيلم نهاية سعيدة – اللقاء بالأم مثلا- أو أملاً كاملاً ومريحاً، لخدرنا وتركنا نخرج بضمير مرتاح. لكن إبقاء بقعة الضوء هشة ومحاطة بغموض النهاية يتركنا، نحن المشاهدين، في حالة عدم يقين وارتباك ذهني، ويجبرنا على أن نسأل أنفسنا: كيف نحمي هذه البقعة الشعرية من أن تطغى عليها العتمة الشاملة؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto