الثقافة

قراءة في أطروحة عبد الله غازي.. من ترافع الإمكان إلى رهانات التنزيل واقتصاد المعرفة

  • بقلم: الحبيب نونو * //

مدخل: الأرض والهوية.. اللبنة الأولى لأطروحة التنمية

لا يمكن قراءة المسار الترافعي والتنموي للفاعل السياسي والترابي الحاج عبد الله غازي بمعزل عن “جغرافية الانتماء” وعمق التربة المحلية؛ فالأرض هنا ليست مجرد حيز جغرافي مجرد، بل هي “حاملة للهوية”، ومستودع عريق لقيم التضامن، ومدار للوجود الإنساني.

فمن قلب جماعة أملن القروية بتافراوت الممتدة بين أحضان جبال الأطلس الصغير، وصولاً إلى حاضرة تيزنيت العريقة، تبنت هذه الأطروحة خطاً فكرياً واضحاً: إن الثقافة الأمازيغية ليست هامشاً في معركة التنمية، بل هي المحرك الأساس والعمود الفقري لبناء نموذج تنموي ترابي أصيل.

لقد استطاع هذا الترافع الممتد عبر المجال والزمان أن يستوعب مبكراً بأن الهوية الأمازيغية تحتاج إلى ما هو أبعد من العاطفة أو الاختزال الفلكلوري؛ كانت الحاجة ماسة إلى “عقلنة الترافع” ونقله من الحراك الرمزي إلى المؤسسة، ومن الخطاب الشفهي إلى الوثيقة والتخطيط والاستثمار.

أولاً: الأمازيغية من الترافع التشريعي إلى المعمار المؤسساتي

إن تاريخ الترافع الأمازيغي مرَّ بمرحلة مفصلية انتقالاً من “مطلب الاعتراف” إلى “لحظة الدسترة والتشريع”.

وهنا تجلت أطروحة عبد الله غازي من داخل قبة البرلمان خلال النقاشات الحاسمة حول القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية سنة 2019.

لم يقف الترافع في أدبيات هذا المسار عند حدود التصويت المبدئي، بل أدرك مبكراً أن “القانون هو نقطة البداية وليس النهاية”. لهذا انتقلت الأسئلة البرلمانية والترافعية إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن:

* حقوق المواطنة اللغوية: من خلال الترافع عن إدماج الأمازيغية في نظام الحالة المدنية.

* مرفق العدالة: عبر المطالبة العملية بأجرأة وتفعيل اللغة الأمازيغية داخل محاكم المملكة ضماناً لحق التقاضي باللغة الأم.

إن هذا الانتقال من “النص” إلى “المرفق العمومي” هو الذي أرسى أولى قواعد الحكامة اللغوية، ونقل الأمازيغية من خانة “المطلب الفئوي” إلى “واجب الدولة والمؤسسات”.
ثانياً: تزنيت كمختبر ترابي.. من “تيفلوين” و”تانامورت” إلى منظومة اقتصاد المعرفة

إذا كانت الدولة قد أصلت للإطار الدستوري والقانوني، فإن التجربة الميدانية بإقليم تيزنيت — بقيادة وتوجيه من عبد الله غازي رفقة النسيج المدني والمؤسساتي — تحولت إلى “مختبر ترابي حقيقي” لتنزيل المخططات الإقليمية والمحلية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

ثانيا : لقد تجسد هذا المنظور العلمي في تظاهرات ومبادرات هيكلية فارقة:

* تظاهرة “تيفلوين”: لم تكن مجرد احتفالية بالرمز، بل كانت محاولة لإعادة الاعتبار للمجال، ورسم جغرافية ثقافية تجعل من القرية والمداشر بؤرة للإشعاع الحضاري.

* منتدى تيزنيت تانامورت (ولاسيما دورته الـ 16): شكل المحطة الأبرز في الربط المباشر بين “الثقافة، الرقمنة، واقتصاد المعرفة”.

حيث رُسِّخ التوجه المنهجي القائل بأن الأمازيغية والتراث المحلي (كصياغة الفضة المعترف بها بالرعاية السامية في مهرجان تيميزار) هما عناصر جلب استثماري وعلائم للتميز التنافسي الذكي (Smart Tourism).

* الفضاء الثالث “Tiers-Lieu Souk@” (لو تيفليو): الامتداد العملي لتوصيات المنتدى، حيث تتحول اللغة والتراث الأمازيغي إلى “محتوى رقمي”، وإلى مشاتل للمقاولات الإبداعية الناشئة التي تتيح للشباب فرص العمل والابتكار.

إن هذا التلاحم ينسجم مع المحطات الوطنية التاريخية، وعلى رأسها القرار الملكي السامي بترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية مؤدى عنها، وهو القرار الذي اعتبرته أطروحة غازي والفاعلون بتيزنيت اعترافاً بحقيقة أن السياسة الثقافية هي البنية التحتية الصلبة التي تُبنى عليها كافة السياسات التنموية والدولة الاجتماعية.

ثالثاً: الانتقال الحاسم.. من “المخطط” إلى “المؤشر” وقياس الأثر

من موقعي كمنشط ثقافي ومخرج مسرحي يعيش التفاصيل الميدانية للإبداع، فإن التحدي الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم يتلخص في سؤال: “ماذا بعد القانون والمخطط؟”

لقد حان الوقت للقطع مع الترافع الانفعالي، والعبور نحو “جيل جديد من الترافع الترابي والمؤسساتي” يستند إلى أدوات اقتصاد المعرفة والتخطيط الاستراتيجي. لم يعد السؤال: هل نملك مخططاً للأمازيغية؟ بل أصبح السؤال الرقمي والعملي:

* كم نسبة الإنجاز والاعتمادات المالية المنفذة فعلياً؟
* كم عدد المؤسسات والإدارات الترابية التي تقدم خدماتها بالأمازيغية بمرونة؟

* كم مقاولة ثقافية شبابية تم دعمها لتستثمر في الموروث الأمازيغي؟

* ما حجم المحتوى الرقمي والأكاديمي الأمازيغي المُنتج داخل المنصات والتطبيقات الحديثة؟

هنا يتحدد الدور المحوري للفنان والفاعل المسرحي والمبدع؛ إذ لا ينبغي للثقافة الأمازيغية أن تتشرنق داخل مجلات الذاكرة، بل يجب أن تحيا في المسرح المعاصر، السينما، الوسائط الرقمية، برمجيات الذكاء الاصطناعي، وفي المناهج العلمية. إن اللغة التي لا تخترق أفق التكنولوجيا والرقمنة مهددة بجمود الوظيفة.

رابعاً: نحو إعادة إطلاق الترافع من البرلمان إلى أفق 2026
مع اقتراب المحطات الاستحقاقية والتشريعية المقبلة (2026)، وفي ضوء المبادرات الأكاديمية والمدنية (مثل وثائق وقراءات مجلة “نبض المجتمع”)، يبرز سؤال المستقبل: هل نحتاج إلى إعادة إطلاق الترافع الأمازيغي من داخل البرلمان والمجالس الترابية بأسئلة جديدة؟

الجواب يقدمه المسار الممتد من “أملن بتافراوت” إلى “تيزنيت”: نعم، وبشدة. لكنه ترافع من نوع جديد:

* ترافع التقييم والأرقام: يسائل القطاعات الحكومية عن نسب تنفيذ المخططات القطاعية لتفعيل الأمازيغية.

* ترافع العدالة المجالية: يضمن تقليص الفوارق بين الأقاليم والجهات، وتعميم النماذج الترابية الناجحة (كتجربة إقليم تيزنيت) لتصبح نماذج وطنية يُستفاد منها.

* ترافع الميزنة والتكوين: جعل الاعتمادات المالية المرصودة مقترنة بمؤشرات قياس الأثر على حياة المواطن اليومية.
خاتمة: الأمازيغية حيةٌ بالتنفيذ والاستثمار

إن الحصيلة الفكرية والتنموية التي تراكمت في تيزنيت وتافراوت، والتي تعبر عن أطروحة متكاملة يتداخل فيها السياسي (عبد الله غازي) بالثقافي (الفنانون والفاعلون المدنيون)، تؤكد أن الأرض والهوية هما مصدر الطاقة التنموية لا العائق أمامها.

إن الأمازيغية ليست مجرد قضية لغوية، بل هي مشروع مجتمعي متكامل، ورصيد لامادي يغذي اقتصاد المعرفة، وسلاح ناعم لترسيخ التميز السياحي والثقافي للمغرب. والمطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو مواصلة تحويل “الترافع التشريعي” إلى “حقيقة ترابية رقمية ملموسة”، تراها العين في الخدمة الإدارية، وتسمعها الأذن في القضاء والإعلام، وتعيشها الناشئة في المدرسة وفضاءات الابتكار الرقمي والخشبة المسرحية.

هكذا فقط، تتحول الأمازيغية من “مطلب للتنفيذ” إلى “رافعة للتنمية الوطنية الجامعة”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto