
على هامش لقائه بأكادير : بنكيران.. حين يصبح الزعيم أكبر من الحزب
- عبد السلام البستاني //
في الحملة الانتخابية الجارية، يبدو عبد الإله بنكيران في كثير من اللحظات أكبر حضورًا من حزب العدالة والتنمية نفسه. ليس المقصود هنا إصدار حكم على قيمة الحزب أو زعيمه، بقدر ما يتعلق الأمر بملاحظة ظاهرة سياسية واضحة: حين يُذكر «البيجيدي»، يتقدم بنكيران إلى الصورة قبل البرنامج، وقبل المرشحين، وأحيانًا قبل المؤسسات الحزبية نفسها.
هذه الظاهرة ليست مجرد انطباع إعلامي. دراسة حديثة حول «الشهرة السياسية» في الحالة المغربية تناولت بنكيران باعتباره نموذجًا للسياسي الذي تحولت شخصيته وحضوره الإعلامي وقدرته على التواصل إلى رأسمال سياسي مستقل نسبيًا عن التنظيم الحزبي. وبعد الهزيمة الكبيرة التي مني بها العدالة والتنمية في انتخابات 2021، أصبحت عودة بنكيران إلى الواجهة جزءًا أساسيًا من محاولة الحزب استعادة حضوره السياسي.
المفارقة أن العدالة والتنمية دخل انتخابات 2026 ببرنامج انتخابي منشور ومفصل، ما يعني أن الحزب لا يخوض المنافسة بلا عرض سياسي. لكن ما يصل إلى الجمهور في كثير من الأحيان ليس تفاصيل هذا البرنامج، وإنما تصريحات بنكيران، وسجالاته، وقفشاته، ومواجهاته المفتوحة مع خصومه.
وهنا تكمن قوة الرجل ومشكلته في الوقت نفسه.
بنكيران يعرف كيف يصنع الحدث. يستطيع أن يحول مهرجانًا حزبيًا عاديًا إلى مادة تتداولها المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي. لغته مباشرة، دارجته قريبة من الجمهور، وطريقته في السرد تجعل السياسة أقرب إلى الحكاية منها إلى العرض التقني الجاف. لكنه كلما اتسعت دائرة الضوء حول شخصه، ضاقت المساحة التي يظهر فيها الحزب كمؤسسة سياسية متعددة الأصوات والكفاءات.
وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل العدالة والتنمية اليوم حزب يقوده بنكيران، أم أن بنكيران أصبح هو الذي يحمل الحزب على كتفيه؟
السؤال ليس اعتباطيًا. المرشحون يخوضون حملاتهم في دوائرهم، بينما يتحرك بنكيران باعتباره وجهًا وطنيًا للحملة؛ وهو ما دفع الدراسة المشار إليها إلى الحديث عن زعيم يستطيع أن يصبح «النجم» الذي يقود الفريق الحزبي برمته.
لكن الزعامة حين تتجاوز المؤسسة تتحول من قوة إلى مخاطرة.
الحزب السياسي الذي ترتبط قدرته التعبوية بشخص واحد يربح حضورًا آنيًا، لكنه قد يخسر شيئًا من استقلاليته المؤسساتية. فالزعماء يرحلون، بينما يفترض في الأحزاب أن تستمر. والسؤال الذي سيواجه العدالة والتنمية عاجلًا أو آجلًا ليس فقط: ماذا يستطيع بنكيران أن يفعل للحزب؟ بل أيضًا: ماذا سيكون الحزب من دون بنكيران؟
ثم هناك إشكال آخر أكثر وضوحًا في الحملة الحالية: السجال يلتهم البرنامج.
بنكيران لا يكتفي بانتقاد حصيلة الحكومة، بل يدخل في مواجهات مباشرة وحادة مع خصومه السياسيين. وفي أحد تجمعاته الانتخابية الأخيرة، وجه اتهامات قوية إلى منافسين، في الوقت الذي قدم فيه حزبه باعتباره حزب «المعقول».
ومن حق أي معارض أن ينتقد الحكومة، بل إن ذلك من صميم وظيفته السياسية. غير أن كثافة اللغة الصدامية تجعل النقاش أحيانًا يدور حول بنكيران وما قاله بنكيران ومن رد على بنكيران، بدل أن يدور حول التشغيل، والمدرسة العمومية، والصحة، والقدرة الشرائية، والضرائب، والمديونية، والاستثمار.
وهنا تصبح الشخصية السياسية نفسها موضوع الانتخابات.
حتى بنكيران، عندما يتحدث عن حزبه، يعود باستمرار إلى مفردات «المعقول» و«الاستقامة» والإصلاح، وقد دعا أعضاء حزبه في أبريل الماضي إلى التمسك بهذه القيم وعدم الانجرار إلى الخطاب الشعبوي. وهذه مفارقة تستحق التوقف: فالرجل يحذر من الشعبوية، بينما يقوم جزء مهم من جاذبية خطابه تحديدًا على تبسيط الصراع السياسي وتحويله إلى مواجهة أخلاقية سهلة الفهم بين «المعقول» ونقيضه.
لقد سبق لبنكيران أن ترأس الحكومة، ولذلك لا يمكن التعامل معه كما لو كان معارضًا لم يختبر السلطة. فعندما ينتقد اليوم أداء الحكومة، يصبح من المشروع سياسيًا وإعلاميًا إخضاع تجربته هو أيضًا للمساءلة: ماذا أنجز حين كان رئيسًا للحكومة؟ ماذا تعثر؟ وما القرارات التي دافع عنها آنذاك والتي قد لا تنسجم بالكامل مع الصورة الاحتجاجية التي يقدمها اليوم؟
وهذا هو الاختبار الأصعب للزعيم العائد من الحكم إلى المعارضة: أن يقنع الجمهور بأنه يستطيع مساءلة الآخرين، وفي الوقت ذاته يقبل مساءلة حصيلته هو.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال بنكيران في مجرد ظاهرة خطابية. فالحزب أعد برنامجًا لانتخابات 23 شتنبر، بنكيران نفسه شارك في مسار إعداده، كما أن القيادة الحزبية تقدم الانتخابات باعتبارها مناسبة لاستعادة موقع سياسي فقده الحزب بعد 2021.
لكن صورة الحملة حتى الآن تكشف حقيقة يصعب تجاهلها: بنكيران لم يعد مجرد أمين عام للعدالة والتنمية. لقد أصبح علامة سياسية قائمة بذاتها.
وهنا تكمن قوة العدالة والتنمية الحالية، وهنا أيضًا توجد إحدى أكبر نقاط هشاشته.
فإذا كان الحزب يحتاج إلى بنكيران لكي يستعيد الجمهور، فالسؤال الأعمق ليس كم صوتًا يستطيع الزعيم أن يجلب، بل ما إذا كان التنظيم قادرًا على تحويل جاذبية الزعيم إلى قوة مؤسساتية وبرنامجية مستدامة.
لأن الحزب الذي يصبح زعيمه أكبر منه قد يربح معركة سياسية بفضل الزعيم، لكنه سيظل مؤجلًا أمامه سؤال المستقبل: من يبقى عندما يغادر الزعيم المنصة؟
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



