المجتمع

أتاي الأحد: يوميات ناخب

  • عبد الرفيع حمضي //

أمس، في آخر النهار، كنت أجلس مع صديق بمقهى الحي. تعودنا أن نلتقي هناك لنحتسي اللويزة بالماء، وهي من العادات التي يكتسبها المرء حين يتقدم به العمر، ويصبح الشاي والقهوة موضوع تفاوض مع الصحة.
كان الشباب يمرون أمامنا، جماعات وأفرادا، يوزعون منشورات المرشحين. توقف أمامنا شاب لا يتجاوز السادسة والعشرين، وفي يده رزمة من الأوراق. مد إلي واحدة، فتسلمتها دون أن أنظر إليها.
كانت ورقة مرشح ينتمي إلى أحد الأحزاب التي كنا نسميها، أيام زمان، الأحزاب الإدارية. أما اليوم فقد اختلطت الأوراق، ولم تعد التسميات القديمة تساعد كثيرا على فهم المشهد الجديد.
وقبل أن ينصرف الشاب، اقترب مني وقال:
«عمو، إياك تصوت على هذا!»
نظرت إليه مستغربا. أليس هو من يوزع منشوراته؟
أضاف، وكأنه يريد أن يريح ضميره:
«أنا كنعرفو مزيان. ما صالح لوالو!»
ثم مضى يوزع بقية الأوراق.
في اليوم الموالي، الأحد، كنت عند حلاقي الذي أزوره منذ ما يقارب عشرين سنة. رجل في الخمسينات من عمره، لا تكاد تجلس على كرسيه حتى يفتح معك نقاشا في السياسة، من المغرب إلى الشرق الأوسط، ومن الحكومة إلى أسعار الخضر. حتى إنه يذكرني بحكاية «الحلاق الثرثار» لأحمد بوكماخ.
هذه المرة، كانت الانتخابات موضوع الحديث.
حكيت له قصة الشاب الذي يوزع المنشورات. ضحك، ثم قال لي إنه لم يعد يستغرب مثل هذه الأمور.
«راه كيدوزو علي هنا كل نهار عشرات ديال الدراري كيوزعو الوراق. كنسول الواحد فيهم: واش نتا مع هاد الحزب؟ كيقول لي: لا، أنا غير خدام باليومية!»
ثم أضاف أن الأمر لا يقتصر على حزب واحد، وأن بعض الشباب ينتقلون بين الحملات بحسب ما يتاح لهم من عمل.
لكن الحلاق استدرك، وكأنه لا يريد أن يظلم الجميع.
قال إنه فوجئ، قبل أيام، بموكب انتخابي لأحد الأحزاب مر أمام محله. كان المرشح يتقدم مجموعة من الشباب، يحيطون به ويتحدثون مع المارة.
«هاد المرة حسيت بشي حاجة مختلفة. الدراري اللي معاه بان ليا فيهم الصدق. ماشي غير جايين يوزعو الوراق ويمشيو. كانوا كيهضرو مع الناس، وباين عليهم مقتنعين باللي كيديرو».
سألته إن كان يعرف المرشح أو الحزب، فأجابني بأنه يعرف بعض الوجوه، لكنه لم يسبق له أن اهتم كثيرا بهذا التنظيم.
كانت ملاحظة تستحق الانتباه. فالحلاق، الذي تمر أمامه يوميا عشرات المنشورات، لم يتوقف عند لون الورقة أو صورة المرشح، بل عند وجوه الشباب الذين كانوا يرافقونه.
واصل حديثه، وانتقل من انتخابات الحي إلى ما يجري على المستوى الوطني.
تحدث عن أخنوش ولقجع وبنكيران، وعن الاتهامات المتبادلة بين الزعماء، وعن الحملة التي أصبحت، في نظره، أقرب إلى مباراة يتبادل فيها اللاعبون الضربات، فيما يتابع الجمهور من المدرجات.
سألته عن تصريحات بنكيران بشأن فاطمة الزهراء المنصوري، وما أثارته من سجال بعد حديثه عن إسرائيل.
هز رأسه وقال بالدارجة:
«الله يهديه، مرة مرة كيبقى غير كيشير فين ما جات. علاه شكون اللي وقع مع إسرائيل؟”
ثم عاد إلى الحديث عن المرشحين.
كنت أستمع إليه، وألاحظ أنه يتابع التفاصيل أكثر مما كنت أتصور. يعرف الأحزاب، ويتذكر بعض الوعود القديمة، ويميز بين المرشحين، بل ويبدو أن له تعاطفا حزبيا، وإن لم يصرح به.
وفي نهاية الحلاقة، سألته:
«دابا، واش استقر رأيك على من غادي تصوت؟»
أجابني دون تردد:
«الله يهديك آسي عبد الرفيع ، واش أنا بلا شغل؟ أنا أصلا ما مسجلش فاللوائح الانتخابية!»
نظرت إليه مستغربا. رجل يتابع الحملة بكل تفاصيلها، يناقش الزعماء، ويقيم المرشحين، بل ويميز بين من يوزع المنشورات مقابل يومية ومن يفعل ذلك عن اقتناع، لكنه غير مسجل في اللوائح الانتخابية!
ابتسمت لمرارة الموقف وأديت ثمن الحلاقة، وخرجت.
وبين ما يقال وما لا يقال، قلت في نفسي: لعل حلاقي يعرف عن الانتخابات أكثر مما تعرف الأحزاب عنه!

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto