
انتخابات المجلس الوطني للصحافة 15 و16 شتنبر 2026.. سوسيولوجيا مهنة تواجه ذاتها ( مذكرة تحليلية)..
حسن بنطالب * //
- مقدمة
في 15 و16 شتنبر 2026، انتخب الصحافيون المغاربة أعضاء المجلس الوطني للصحافة في اقتراع يكشف عن أكثر من مجرد تجديد لهيئات مهنية. فمع نسبة مشاركة بلغت 49,14% — أي أن نصف الجسم الصحافي امتنع عن التصويت — ونتائج توزعت وفق شبكات الشهرة والتحالفات النقابية لا وفق برامج متمايزة، تشكل هذه الانتخابات مرآة سوسيولوجية لمهنة متوترة مع ذاتها. والمفارقة صارخة: أولئك الذين يجعلون يوميًّا من الشفافية والمحاسبة ونقد ممارسات الزبونية مطالبَ يوجهونها للآخرين، يجدون أنفسهم، عند انتخاباتهم المهنية الخاصة، خاضعين لنفس الآليات الاجتماعية. وهذا ليس اتهامًا، بل إشكالية بحث. لأن ما تكشفه بيانات الاقتراع — النتيجة الاستثنائية لمتصدر حصل على ضعف أصوات الآخرين، البنية المكونة من ثلاث كتل، المشاركة التحفظية للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، الانتقادات التنظيمية — هو خريطة التسلسلات الداخلية لمهنة شرعيتها المؤسسية لا تزال هشة، متنازعًا عليها، وقيد البناء في الأشهر المقبلة.
I. المفارقة التأسيسية: حراس الديمقراطية يخضعون للمنطق نفسه الذي ينتقدونه
يجب أن يبدأ كل تحليل سوسيولوجي للانتخابات المهنية للصحافة بتسمية المفارقة التي تقوم عليها: فالصحافيون — الذين تتمثل مهمتهم المهنية المعلنة في مراقبة السلطة، وضمان شفافية العمليات الانتخابية، وفضح الممارسات الزبونية — يجدون أنفسهم، أثناء انتخاباتهم المهنية، خاضعين للآليات الاجتماعية نفسها التي يوثقونها وينتقدونها عندما يرصدونها لدى الآخرين.
هذه المفارقة ليست اتهاماً. إنها إشكالية بحث أساسية تسمح بالكشف عما توثقه فعلياً انتخابات المجلس الوطني للصحافة يومي 15 و16 شتنبر 2026: ليس فقط اقتراعاً مهنياً تقنياً، بل مرآة تكشف البنيات العميقة للمهنة الصحافية المغربية — تراتبياتها الداخلية، ومنطق الرأسمال فيها، وتوتراتها الهوياتية، وتناقضاتها المؤسساتية.
والصياغة الأكثر دقة من الناحية التحليلية لهذه المفارقة هي كالتالي: انتخابات المجلس الوطني للصحافة تشكل مرآة ترى فيها المهنة الصحافية المغربية نفسها كما هي، وليس كما تدّعي أنها تكون. وهذه المرآة غير مريحة — وهذا بالضبط ما يجعلها ذات قيمة تحليلية.
II. المعطيات الخام كنقطة انطلاق: قراءة سوسيولوجية للأرقام
2.1 المشاركة — 49.14%: عدم المشاركة هو أيضاً قرار
من أصل 3,421 صحافياً مسجلاً، شارك 1,681 في التصويت، أي بنسبة مشاركة بلغت 49.14%. ومن السهل أن يُقرأ هذا الرقم باعتباره تعبيراً عن اللامبالاة أو اللامشاركة المهنية. غير أن هذه القراءة تظل غير كافية.
في علم الاجتماع الانتخابي، تعتبر عدم المشاركة في حد ذاتها فعلاً سياسياً. ويمكن أن تعكس في الوقت نفسه عدة مواقف اجتماعية مختلفة: رفض المؤسسة المعنية، أو الاعتقاد بأن المشاركة لن تغيّر شيئاً، أو شكلاً من أشكال الاحتجاج الفعلي، أو ببساطة عدم ملاءمة الطرق العملية للتصويت مع الظروف الواقعية للناخبين، مثل مكان العمل، والجغرافيا، ونقص المعلومات.
وفي حالة المجلس الوطني للصحافة المغربي، يبدو أن منطقين على الأقل من هذه المنطقين تؤكدهما المعطيات المتاحة. فمن جهة، عبّرت النقابة الوطنية للصحافة المغربية (SNPM) صراحة عن مشاركتها باعتبارها «حضوراً نضالياً مع التحفظات»، وهو ما يشكل، من الناحية التحليلية، مشاركة مشروطة، أي انخراطاً يحافظ في الوقت نفسه على مسافة نقدية تجاه المؤسسة ذاتها. ومن جهة أخرى، ترفض فئات كاملة من الجسم الصحافي المغربي الاعتراف بشرعية المجلس الوطني للصحافة بصيغته التي أقرها القانون 09.26.
لذلك، فإن نسبة المشاركة البالغة 49.14% لا تقيس اهتمام الصحافيين بمهنتهم، بقدر ما تقيس عمق الانقسام المؤسساتي بين تصورين للمجلس: أداة للتنظيم الذاتي المستقل للمهنة بالنسبة للبعض، وبنية للوصاية المقنّعة بالنسبة للبعض الآخر.
2.2 بنية الأصوات الصحيحة: 91% من أوراق التصويت المعبر عنها — إشارة قوية
إن كون 91% من أوراق التصويت المودعة صحيحة، أي 1,529 من أصل 1,681، له دلالة تحليلية مهمة. ففي اقتراع متعدد الأصوات — حيث يختار الناخب ما يصل إلى 7 مرشحين من أصل 39 — فإن ارتفاع نسبة الأوراق الملغاة سيكون أمراً طبيعياً، نتيجة للأخطاء التقنية في ملء ورقة التصويت. أما انخفاض نسبة الأوراق الملغاة إلى 9%، فيكشف أن الذين شاركوا في التصويت كانوا قد حضّروا اختياراتهم مسبقاً — كانت لديهم لوائح، وأسماء، وتوجهات. إنهم ناخبون منخرطون، وليسوا ناخبين عرضيين.
وتسمح هذه الملاحظة بصياغة فرضية سوسيولوجية مهمة: انتخابات المجلس الوطني للصحافة حشدت جزءاً من الجسم الصحافي يتميز بالنشاط والانخراط، ومنظماً حول شبكات موجودة مسبقاً — نقابية وإعلامية وجغرافية — بينما تركت الأغلبية من الصحافيين الذين لا ينتمون إلى هذه الشبكات، أو الذين اختاروا عدم تفعيلها، خارج دائرة المشاركة.
III. سوسيولوجيا النتائج: رأسمال الشهرة، ورأسمال الشبكات، والرأسمال الرمزي
3.1 هيمنة حنان الرحاب: تشريح لنتيجة استثنائية
تُعد نتيجة حنان الرحاب — 703 أصوات، أي 46% من الأصوات الصحيحة — أبرز معطى تجريبي في هذا الاقتراع. فهي تمثل تقريباً ضعف نتيجة المرشح الثاني، الذي حصل على 481 صوتاً، وتتجاوز بفارق كبير عتبة 31% التي كان يمكن لأي تحليل عقلاني لتوزيع المقاعد السبعة أن يتوقعها لو تم توزيع الأصوات بشكل متساوٍ.
ولا يمكن تفسير مثل هذه النتيجة، في انتخابات مهنية تعتمد التصويت المتعدد، بالصدفة. فهي تفترض وجود واحد على الأقل من الشروط الثلاثة التالية، التي يمكن أن تجتمع فيما بينها:
الأول هو رأسمال مرتفع جداً من الشهرة داخل القطاع — أي حضور عام أو إعلامي أو مؤسساتي يجعل اسم المرشحة معروفاً لدى الغالبية العظمى من المصوتين، بمن فيهم أولئك الذين لا ينتمون إلى شبكاتها الأولية. وفي السياق الصحافي المغربي، حيث تشكل الرؤية الإعلامية والحضور في النقاشات المهنية موارد نادرة وموزعة بشكل غير متساوٍ، يمثل هذا الرأسمال امتيازاً بنيوياً مهماً.
الثاني هو دعم منظم من طرف بنية جماعية أو أكثر — نقابة، أو جمعية صحافية، أو مجموعة إعلامية، أو ائتلاف غير رسمي أوصى صراحة بالتصويت لهذا الاسم. وهنا تكشف الانتخابات المهنية عن بعدها السياسي: فالتصويت لمرشح منظمة ما يعني أيضاً التصويت للمنظمة نفسها.
الثالث هو تحويل الرأسمال العلاقاتي الفردي إلى رأسمال انتخابي — وهو ما أطلق عليه بورديو قابلية تحويل الرأسمالات. فالصحافي الذي راكم خلال مسيرته المهنية علاقات داخل وسائل إعلام مختلفة، ومع أجيال ومناطق وحساسيات متعددة، يستطيع تعبئة هذه الشبكة أثناء الانتخابات المهنية بطريقة لا تكون متاحة لمرشحين آخرين، تكون شبكاتهم أكثر كثافة ولكن أكثر تجزؤاً أو قطاعية.
3.2 البنية المكونة من ثلاث كتل: خريطة القوى داخل المهنة
يكشف توزيع النتائج عن بنية مكونة من ثلاث كتل، يحددها بوضوح التحليل الإحصائي للوثيقة المصدر.
الكتلة المهيمنة، بـ703 أصوات، يشغلها مرشح واحد، مع فارق كبير عن المرشحين الذين يليه. وتكشف هذه الكتلة عن وجود شهرة مهنية تتجاوز الانقسامات المعتادة داخل المهنة.
الكتلة الوسطى، التي تتراوح بين 437 و481 صوتاً، تضم ثلاثة مرشحين جاءت نتائجهم متقاربة بشكل لافت — بفارق 44 صوتاً فقط بين الثاني والرابع في الترتيب. وهذا التقارب الإحصائي ليس عرضياً. فهو يكشف عن منطق تصويت منظم حول كتل متقاربة في الحجم — ربما هياكل نقابية أو إعلامية ذات قواعد انتخابية متقاربة الوزن، عبّرت كل منها عن خياراتها بشكل مستقل نسبياً عن الأخرى.
كتلة المعارضة، التي تضم المراتب الثلاث الأخيرة، تتراوح نتائجها بين 253 و281 صوتاً، بفارق لا يتجاوز 28 صوتاً بين المرشح الخامس والسابع. ويكشف هذا التقارب الشديد عن منافسة كانت فيها التوازنات الدقيقة — بضع عشرات من الأصوات في كل اتجاه — قادرة على إنتاج تركيبة مختلفة للمجلس. وفي هذه الكتلة تحديداً، تبدو سوسيولوجيا الشبكات الدقيقة أكثر قابلية للقراءة تحليلياً: تحالفات اللحظة الأخيرة، والدعم الجغرافي المحدد، والتضامنات المرتبطة بالجيل أو التخصص الإعلامي، ربما كانت حاسمة في تحديد النتيجة.
3.3 التمثيلية النسائية: 4 نساء من أصل 7 — بين تقدم بنيوي وتساؤل تحليلي
أفرزت النتائج تركيبة ذات أغلبية نسائية — 4 صحافيات من أصل 7. وتستحق هذه الملاحظة قراءة مزدوجة.
من جهة، تمثل هذه النتيجة تقدماً حقيقياً داخل بيئة مهنية اتسمت تاريخياً بتمثيل مفرط للرجال في مواقع القيادة. وهي تؤكد أن الصحافيات تمكنّ من بناء رأسمال من الشهرة والشبكات يكفي لفرض حضورهن في اقتراع مفتوح.
ومن جهة أخرى، تدعو سوسيولوجيا النوع الاجتماعي داخل المهن إلى التساؤل حول الشروط البنيوية التي أنتجت هذه النتيجة. هل يتضمن القانون 09.26 آليات رسمية أو غير رسمية تشجع على المناصفة، وقد أثرت في استراتيجيات الترشح؟ هل كانت الترشيحات النسائية ترشيحات من الصف الأول، مدعومة من طرف منظمات قوية، أم ترشيحات مكملة تحكمها اعتبارات التمثيلية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى معطيات إضافية — لكن السؤال نفسه مهم من الناحية التحليلية، لأن المناصفة العددية يمكن أن تتعايش مع عدم تماثل حقيقي في السلطة، إذا لم تكن مصحوبة بمناصفة في مواقع القيادة، مثل الرئاسة واللجان الأساسية، التي سيتم تحديدها خلال الأسابيع المقبلة.
IV. الزبونية باعتبارها آلية اجتماعية: قراءة غير أخلاقوية
4.1 ما هي الزبونية وما ليست عليه
غالباً ما يتم استعمال مصطلح «الزبونية» بطريقة معيارية، باعتباره اتهاماً. غير أن التحليل السوسيولوجي يفرض قراءة مختلفة: فالزبونية هي آلية اجتماعية تصف الطريقة التي يمكن من خلالها للعلاقات الشخصية أن تنظم الوصول إلى الموارد في سياقات تكون فيها القواعد غير الشخصية غير كافية أو غامضة أو تفتقر إلى الشرعية.
وفي سياق انتخابات المجلس الوطني للصحافة، يمكن من الناحية التحليلية افتراض عدة أشكال من الزبونية الناعمة، من دون أن يكون أي منها مستوجباً للإدانة الأخلاقية في حد ذاته. فقد يصوت صحافي لزميل يعرفه شخصياً — وهذا يعني تعبئة رأسمال من الثقة تم بناؤه في الممارسة اليومية. وقد يصوت صحافي للمرشح الذي أوصت به نقابته — وهذا تعبير عن تضامن تنظيمي. وقد يصوت صحافي لشخص ينتمي إلى منطقته أو تخصصه — وهذا تعبير عن مصلحة جماعية مشروعة.
وتبدأ المشكلة التحليلية عندما تحل هذه المنطق العلاقاتي محل المنطق البرنامجي بشكل كامل — عندما يصبح السؤال: «من سيدافع بشكل أفضل عن حرية الصحافة والتنظيم الذاتي المهني؟» محجوباً بالكامل بالسؤال: «من ينتمي إلى شبكتي؟». ويصعب قياس هذا الاستبدال بشكل تجريبي، لكن آثاره يمكن توثيقها: فمجلس ينتخب أعضاؤه أساساً على قواعد علاقاتية سيكون أقل ميلاً إلى اتخاذ مواقف قد تزعج الشبكات التي أوصلتهم إلى مواقعهم.
4.2 الرأسمال العلاقاتي باعتباره رأسمالاً انتخابياً: قابلية تحويل الموارد
تسمح سوسيولوجيا بورديو بتحليل انتخابات المجلس الوطني للصحافة باعتبارها فضاءً تتحول فيه أشكال متعددة من الرأسمال إلى رأسمال انتخابي.
الرأسمال الاقتصادي — أي الموارد المالية — يلعب دوراً محدوداً في الانتخابات المهنية، لكنه ليس منعدماً: فالقدرة على التواصل مع الناخبين، والحضور في مناطق مختلفة، وتنظيم اللقاءات، تتطلب موارد مادية لا يمتلكها جميع المرشحين بشكل متساوٍ.
الرأسمال الثقافي — الشهادات، والمنشورات، والتكوينات المهنية — تأثيره التمييزي ضعيف في هذا السياق، حيث ينتمي جميع المرشحين إلى المهنة نفسها.
الرأسمال الاجتماعي — أي اتساع الشبكات العلاقاتیة وجودتها — هو الشكل الأكثر قابلية للتحول مباشرة إلى أصوات. فالمرشح الذي تمتد علاقاته إلى عدة نقابات، وأنواع مختلفة من وسائل الإعلام — الصحافة المكتوبة، والسمعي البصري، والرقمية — وإلى مناطق وأجيال مهنية متعددة، يتوفر على امتياز بنيوي مهم مقارنة بمرشح تكون شبكته أكثر كثافة ولكن أكثر قطاعية.
الرأسمال الرمزي — السمعة، والاعتراف المهني، والشرعية المتصورة — قد يكون المورد الأكثر حسماً في انتخابات لا تقدم للناخبين برامج متمايزة بوضوح. وفي غياب برنامج سياسي بالمعنى القوي للكلمة، يصبح الاسم — بما يحمله من صدى وتاريخ وارتباطات ذهنية — الوسيلة الأساسية للتمييز بين المرشحين.
V. القانون 09.26 باعتباره متغيراً سوسيولوجياً: مؤسسة بين الشرعية وإنتاج الشرعية
5.1 القانون باعتباره رهاناً وليس مجرد إطار
القانون 09.26 ليس مجرد الإطار القانوني الذي تجري في ظله الانتخابات — بل هو في حد ذاته رهان سوسيولوجي أساسي. فقد تم اعتماده رغم معارضة غالبية التنظيمات النقابية والمهنية للصحافة، وأنتج وضعاً يتسم بمفارقة مؤسساتية: فالبنية التي يفترض أن تعزز التنظيم الذاتي للمهنة ينظر إليها جزء مهم من المهنة نفسها باعتبارها أداة لتنظيم خارجي مقنّع.
وينتج هذا التوتر مفارقة يمكن ملاحظتها في النتائج: منظمات ترفض رسمياً شرعية القانون، تشارك مع ذلك في الانتخابات التي ينظمها — ليس من منطلق القبول، وإنما بدافع حسابات استراتيجية. وتوضح النقابة الوطنية للصحافة المغربية هذا المنطق: فالمشاركة هي «حضور نضالي»، وطريقة لشغل المجال ومنع مرشحين لا يمثلون المهنة بشكل كافٍ من الاستحواذ عليه.
وهذا النوع من المشاركة المتناقضة — الرفض والانخراط في الوقت نفسه — يتميز تحليلياً بما نظّر له هيرشمان (1970) تحت مفهوم الصوت (Voice): عندما لا يكون الخروج (Exit) الكامل من النظام ممكناً، أو عندما لا يُعتبر استراتيجياً الخيار الأمثل، يختار بعض الفاعلين البقاء داخل النظام للتأثير فيه من الداخل، مع الاستمرار في التعبير عن اعتراضهم. وهذا بالضبط ما فعلته النقابة الوطنية للصحافة المغربية.
5.2 الشرعية باعتبارها رهانا ما بعد الانتخابات
تطرح نسبة المشاركة البالغة 49.14% سؤالاً لا تستطيع النتائج نفسها الإجابة عنه: هل سيتوفر المجلس الوطني للصحافة المنبثق عن هذه الانتخابات على قدر كافٍ من الشرعية لممارسة وظائفه في مجال التنظيم الذاتي؟
إن شرعية مؤسسة مهنية لا تنتج تلقائياً بمجرد وجودها القانوني — بل يجب بناؤها في الممارسة، من خلال القرارات المتخذة، والنزاعات التي يتم الفصل فيها، والحماية التي يتم توفيرها، والعقوبات التي يتم إصدارها. فمجلس انتخبه أقل من نصف الجسم المهني، في سياق يشهد نزاعاً حول أساسه القانوني، سيتعين عليه أن يثبت من خلال أفعاله استقلاليته وتمثيليته، وهي أمور لا تضمنها له شروط نشأته.
VI. الجغرافيا غير المرئية للتصويت: ما لا تقوله المعطيات لكنها توحي به
6.1 التركّز الحضري المفترض
إن غياب معطيات جغرافية مفصلة في النتائج المنشورة يحمل في حد ذاته دلالة تحليلية — فهو يكشف أن جغرافية التصويت ليست بعداً اعتبر منظمو الانتخابات أنه من المهم نشره للعموم. لكن الإشارة في المصادر إلى «انتقادات تنظيمية» في الرباط، و«الاكتظاظ في مكاتب التصويت»، وغياب «تمثيلية جهوية متوازنة» في النتائج، توحي بوجود تركّز للقضايا والتعبئة في المراكز الحضرية الكبرى — الرباط والدار البيضاء بالأساس.
وهذا التركّز الجغرافي المفترض مهم تحليلياً: فهو يعني أن المجلس المنتخب يعكس على الأرجح موازين القوى داخل الصحافة في المدن الكبرى، وربما بدرجة أقل واقع الصحافة الجهوية، والصحافة الرقمية المحلية، والصحافيين الذين يعملون خارج فضاءات تمركز وسائل الإعلام الوطنية.
6.2 عدم ظهور الصحافيين الهشّين والصحافيين المستقلين
هناك بُعد بنيوي غائب عن المعطيات المتوفرة، وهو بُعد الصحافيين الذين يعيشون أوضاعاً مهنية هشة — الصحافيون المستقلون، والصحافيون العاملون بعقود محددة المدة، وصحافيو وسائل الإعلام الرقمية الناشئة التي لم تترسخ أوضاعها المهنية بعد. ومن المرجح أن تكون نسبة هذه الفئات داخل مجموع الجسم الصحافي المغربي قد ارتفعت مع التحول الرقمي لوسائل الإعلام، كما يُحتمل أن تختلف معدلات مشاركتها في الاقتراع عن معدلات الصحافيين العاملين في وسائل إعلام راسخة، وأن تكون لها مصالح مهنية مختلفة عن مصالح الصحافيين الأكثر استقراراً الذين يهيمنون على الترشيحات.
وتتمثل إحدى الوظائف التي يفترض أن يؤديها المجلس الوطني للصحافة تحديداً في تمثيل وحماية هذه الفئات الهشة. أما مدى عكس المنتخبين يومي 15 و16 شتنبر لمصالح هذه الفئات، فهو سؤال لا تسمح المعطيات المتاحة بالحسم فيه — لكنه ينبغي أن يكون في صلب تقييم شرعية المجلس خلال الأشهر الأولى من عمله.
VII. ماذا تكشف هذه الانتخابات عن سوسيولوجيا المهنة الصحافية المغربية؟
تكشف انتخابات المجلس الوطني للصحافة لسنة 2026، عند تحليلها في ضوء الأطر النظرية لسوسيولوجيا المهن، عن عدة خصائص بنيوية للمهنة الصحافية المغربية.
أولاً، تمر المهنة بانقسام عميق بين تصورين للتنظيم الذاتي — تصور يركز على الاستقلالية المهنية الجماعية، وآخر يتوجس من أي مؤسسة يمكن أن تتحول إلى أداة للسيطرة الخارجية. وهذا الانقسام ليس ظرفياً، بل يعكس تاريخ مهنة تطورت طويلاً في علاقة معقدة مع السلطة الحكومية والمصالح الاقتصادية لمجموعات الصحافة.
ثانياً، تنتظم المهنة حول شبكات من الرأسمال الاجتماعي التي تنظم الحركية المهنية والتضامنات الانتخابية. وهذه الشبكات ليست شفافة، ولا يمكن لجميع أعضاء المهنة الوصول إليها بشكل متساوٍ، وتميل إلى إعادة إنتاج التراتبيات المهنية القائمة أكثر مما تميل إلى مساءلتها.
ثالثاً، تظل مسألة التمثيلية الجغرافية — بين الصحافة الوطنية والصحافة الجهوية، وبين المدن الكبرى والمجالات الهامشية — نقطة عمياء بنيوية في طريقة التنظيم المؤسساتي للمهنة.
رابعاً، تشكل زيادة حضور النساء في النتائج مؤشراً إيجابياً، لكن ينبغي تقييمها في ضوء مواقع السلطة التي ستشغلها النساء المنتخبات فعلياً خلال الأشهر المقبلة — إذ إن المناصفة العددية في عدد المنتخبين لا تضمن المناصفة في مواقع صنع القرار.
الخلاصة: مجلس تحت الاختبار
لم تحسم انتخابات المجلس الوطني للصحافة يومي 15 و16 شتنبر 2026 مسألة شرعية المؤسسة — بل طرحتها بحدة متجددة. فمجلس انتخبته نصف المهنة، في سياق يشهد نزاعاً حول أساسه القانوني، وفي ظل نتائج تعكس منطق الشبكات أكثر مما تعكس مشاريع مهنية متمايزة بوضوح، هو مجلس يبدأ ولايته في وضعية من الهشاشة البنيوية.
وهذا لا يعني بالضرورة علامة على الفشل — بل هو دعوة إلى الحذر التحليلي. فالشرعية المؤسساتية لا تُفرض بقانون ولا تُقاس بنسبة المشاركة فقط: إنها تُبنى من خلال الممارسة، عبر القدرة على الدفاع عن الصحافيين الموجودين في أوضاع هشة، والفصل في النزاعات المهنية بسلطة وحياد، وتمثيل تنوع مهنة أكثر تجانساً مما يمكن للأسماء السبعة داخل المجلس أن توحي به.
والاختبار الحقيقي للمجلس الوطني للصحافة لن يكون في هذه النتائج — بل في القرارات التي سيتخذها أعضاؤه عندما تتعارض مصالح شبكات الانتماء الخاصة بهم مع مصالح المهنة ككل. ففي تلك اللحظة تحديداً، ستجد المفارقة التأسيسية التي جرى تحليلها في بداية هذه المذكرة — أي مفارقة حراس الشفافية في مواجهة ممارساتهم الخاصة — حلاً لها، أو لن تجد.
*حسن بنطالب صحفي وباحث مغربي متخصص في قضايا الهجرة واللجوء والسياسات الهجرية. راكم خبرة مهنية وبحثية في دراسة تحركات المهاجرين، والعلاقات المغربية الأوروبية، وحوكمة الهجرة، إضافة إلى تحليل الخطاب الإعلامي وتمثلات الهجرة في المجتمع. وهو مدير مركز MigraPress للدراسات والأبحاث حول الهجرة، ويجمع في عمله بين البحث الميداني والصحافة والتحليل العلمي، مع اهتمام خاص بإنتاج معرفة حول الهجرة من منظور مغربي وجنوبي.
* مذكرة تحليلية – مركز MigraPress شتنبر 2026
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




