الرأيالمغرب اليوم

سيادتنا لا تُباع في سوق مشايخ الشرق

لم يعد الأمر يتعلق بنقد سياسي ولا باختلاف مشروع في تقييم الخيارات الدبلوماسية…ما نعيشه اليوم يتجاوز ذلك بكثير :
إنه ممارسة فجة لسياسة المكيالين،.. واستعادة وقحة لسوق توزيع صكوك الخيانة والوطنية.. ذلك السوق الذي يُراد له أن يظل مفتوحاً كلما تعلق الأمر ببلدنا ومغلقاً بإحكام كلما تعلق الأمر بغيره.

تأملوا معي هذه المفارقة ومن دون مساحيق ولا انتقائية:
في لحظة تكشف فيها التقارير عن اجتماع عسكري وأمني رفيع المستوى في ألمانيا ضم قيادات عسكرية من إسرائيل وسبع دول عربية هي السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر وبرعاية القيادة المركزية الأمريكية مرّ الخبر في فضاء الخطاب السياسي والديني العربي بقدر لافت من الصمت.
لم نسمع يومها تلك المواعظ الصاخبة عن الخيانة ولم تُفتح محاكم النيات ولم تُرفع لافتات الدفاع عن الأمة ولم تتحول القنوات والمنابر إلى غرف اتهام مفتوحة.
كان التفسير جاهزاً وسريعاً: أمن قومي ضرورات استراتيجية وتنسيق تفرضه مقتضيات المرحلة.
قد يكون الأمر مفهوما

لكن المفارقة تبدأ بعد ذلك مباشرة..
فبعد يوم واحد فقط عن هذا اللقاء السرّي أُعلن عن اجتماع ثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل ترتب عنه تثبيت موقف أمريكي داعم لمغربية الصحراء وتعزيز التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل بصورة علنية فإذا بحالة الاستنفار تبدأ وإذا بسيوف التخوين تُشهر وإذا بالنيات المغربية تصبح فجأة موضوعاً مفتوحاً للتفتيش الأخلاقي والديني.
وهنا يحق لنا أن نسأل، من دون خوف ومن دون حاجة إلى إذن من أحد:
كيف تصبح السرية خلف الأبواب المغلقة فضيلة سياسية ودهاءً استراتيجياً حين يتعلق الأمر بسبع دول عربية بينما تتحول العلنية والوضوح في القرار المغربي إلى خيانة وطعن في الأمة؟
أين اختفى أولئك الذين يصابون بالصمت أمام اجتماعات الغرف المغلقة ثم يستعيدون حناجرهم كاملة بمجرد أن يعلن المغرب خياراته الوطنية فوق الطاولة.. ؟ وليس تحتها؟
هل أصبحت السرية شهادة غفران وأصبحت الشفافية جريمة.. ؟
لقد خاض المغرب معاركه السيادية منفرداً في محطات كثيرة وتعلم من تجربته أن حماية مصالحه لا تكون بدبلجة الشعارات ولا باستجداء الرضا ولا بالارتهان للعاطفة السياسية والدينية وإنما ببناء القوة وتراكم التحالفات والدبلوماسية الصلبة والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت وتحمل تبعاته.
ومن يعتقد أن للمغرب واجباً في طلب الإذن قبل أن يدير مصالحه.. فليُراجع حساباته.
فالسيادة ليست امتيازاً يُمنح لسبع دول ويُصادر من الثامنة.
والوطنية ليست بطاقة عضوية في نادٍ يوزعها بعضهم متى شاء ويسحبها متى شاء.
والقضية الفلسطينية لا ينبغي أن تكون مطية لابتزاز المغرب أخلاقياً وسياسياً.
لقد سقط كثير من الأقنعة وأصبح السؤال أكبر من اجتماع هنا أو تصريح هناك :
لماذا يُسمح للآخرين بأن يمارسوا براجماتيتهم باسم الأمن القومي بينما يُطلب من المغرب أن يتخلى عن براجماتيته باسم الشعارات.. ؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
ومن يحسب أن التكتم في الغرف المغلقة يمنحه حق محاكمة القرار المغربي المعلن فليحتفظ بأوهامه لنفسه.
المغرب لا يدين في قراره السيادي إلا لمصالحه الوطنية العليا.
وسيادته ليست سلعة في سوق المزايدات ولا صكاً يحتاج إلى ختم أحد
سيادتنا.. وبصوت مرتفع
لا تُباع في سوق مشايخ الشرق

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto