
سي الهاشمي..الحكم الذي خلّف مدرجات من المحبّة
رحل محمد خرضيض..
ذلك الاسم المسجل بمداد بارد في سجلات الحالة المدنية وشواهد الميلاد والذي لو ناديت به بين أزقّة إنزكان ومقاهيها ماالتفت إليك أحد…
لكن ما إن ترفع صورته بين الناس حتى تنطلق من غير اتفاق ولا ترتيب صيحة جماعية يتردد صداها في أرجاء جهة سوس وما بعدها :
( آه السي الهاشمي الحكم.. الله إعمرها دار)
هي لازمة على كل الألسن وعبر الأجيال
كان الراحل حكماً للمباريات داخل المستطيل الأخضر بعصبة الجنوب ومن جيل الرعيل الأول ممن مارسوا الرياضة بشغف وشرف.
غير أن ميزته الاستثنائية والتي نادر أن تجد لها نظيراً في عالم الكرة أنه كان من القلائل الذين امتلكوا جمهورهم الخاص
جمهوراً كان يتوافد إلى المدرجات لا لمعرفة من سينتصر ومن سينهزم ولا لمتابعة خطط المدربين ومهارات اللاعبين وإنما لمشاهدة «السي الهاشمي» وهو يدير المقابلة بروح ساخرة يطوع بها صرامة القانون وينسج من أخطاء اللاعبين وانفعالات الجماهير نكاتاً ومستملحات تُلطّف ألياف الواقع القاسي.
ولم تكن حكاياته تنتهي بصافرة النهاية فحياته نفسها كانت عبارة عن حِكم ومواقف تختزل فلسفة عميقة في العيش ببساطة ومواجهة ثقل الأيام بخفة الروح والدعابة.
في المساء..كان مقهى المدينة يتحول إلى ما يشبه قاعة حشد. ينتظر فيها المريدون قدومه بشغف… وما إن يترجل بينهم حتى تنطلق شرارة السمر بالسؤال الأيقوني الذي صار مفتاحاً لكل جلسة: (شنو الجديد آ با هاشوم..!)
عندها يوزّع الضحك والدفء الإنساني على الجميع بلا استثناء وبالمجان يغوص في السخرية السوداء ويطلق العنان لسرعة بديهته فيجعل من أبسط تفاصيل الحياة مادة للضحك ومن أثقل المواقف فسحة عابرة للفرح.
ولعل حكاياته المأثورة أصبحت اليوم جزءاً من ذلك الموروث الشفهي المتداول في الشارع والمقهى تتناقلها الألسن كما تتناقل العائلات الحكايات القديمة.
من بينها حكايته الشهيرة مع شرطي المرور الذي أوقفه ذات يوم بسبب عدم إضاءة «السينيال» أي مؤشر الاتجاه. فما كان من السي الهاشمي ببرود ونباهة شقية إلا أن مدّ يده إلى جيبه وأخرج له معجون الأسنان الشهير بـ «السينيال»!
وفي امتحان شفوي لنيل شهادة التحكيم باغتوه بسؤال بدا لهم تعجيزياً:
ماذا تفعل إذا استقرت الكرة فوق العارضة
فأجابهم، دون أن يرف له جفن:
غادي نأكل الصفارة
هكذا كان السي الهاشمي حتى في لحظات الامتحان كان يجد منفذاً للضحك وحتى أمام أكثر الأسئلة جدية كان يصر على أن يترك للحياة هامشاً للمزاح.
ولم يكن ذلك مجرد أسلوب في الكلام أو حرفة في إضحاك الناس بل كان جزءاً من شخصيته ومن طريقته في العيش.
عاش رحمه الله دون أن يحمل في قلبه غلاً لأحد ودون أن يترك خلفه خصومات أو ضغائن… لم يعلُ يوماً على الناس ولم يتعامل مع أحد من برج عاجي ولم يجالس شخصاً إلا وترك في نفسه شيئاً من ذلك الفرح الذي كان يحمله معه أينما حل وارتحل
واليوم وبعد صلاة الجمعة شيعته المدينة في جنازة مهيبة حزينة…
مشى فيها رفاقه وأصدقاؤه بخطى خفيفة يتهامسون حول خصاله، وحسن طيبته وكرم روحه ويعيدون اجترار مستملحاته التي يحفظونها عن ظهر قلب.
كان الحزن حاضراًطبعاً
لكن حتى في تلك اللحظة الثقيلة كان اسمه يستدعي الحكاية..والحكاية تستدعي الضحكة والضحكة تستدعي رجلاً لم يكن يريد من الدنيا أكثر من أن يجعلها أخف على من حوله.
غادر السي الهاشمي الحكم دنيانا لكن صورته لن تبقى حبيسة الأوراق الرسمية ولا اسمه مجرد حروف باردة في سجل الحالة المدنية.
فمحمد خرضيض، ذلك الاسم الذي قد لا يلتفت إليه أحد في الأزقة صار في ذاكرة الناس اسماً آخر لا يحتاج إلى بطاقة تعريف:
السي الهاشمي الحكم.: رحل تاركاً وراءه جمهوراً لا يبحث عن نتيجة مباراة ولا ينتظر صافرة حكم وإنما يتذكر رجلاً كان يعرف كيف يحكم على قسوة الحياة بالضحكة وكيف يرد على عبوسها بخفة الروح.
رحم الله السي الهاشمي وأسكنه فسيح جناته. غادر دنيانا متدثراً بحب الناس الخالص دون ضجيج ولا خصومة لكنه ترك أثراً عميقاً يثبت أن بعض الناس لا يحتاجون إلى مال كثير ولا إلى شهرة واسعة حتى يخلدوا في الذاكرة يكفيهم قلب طيب وروح مرحة وشيء من ذلك السحر النادر الذي يجعل الناس بعد رحيلهم يبتسمون وهم يبكون.
لقد صفّر للناس طويلاً في ملاعب الحياة.. وحين حانت صافرة رحيله خرج من الملعب منتصراً في الشيء الوحيد الذي لا تنفع معه النتائج :
خرج محمولاً في قلوب الناس..
وهي رحمة من رحماته الواسعة..
إنا لله وإنا إليه راجعون
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



