
عقلانية الدولة وأوهام النضال: قراءة في الهندسة المتناقضة لبلاغ «العدالة والتنمية»..
- بقلم: حسن كرياط //
تضعنا الوثيقة السياسية الصادرة عن الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، المؤرخة في 17 شتنبر 2026م والموقعة باسم أمينه العام عبد الإله ابن كيران، أمام لحظة مكشوفة تعكس أزمة البناء المفهومي والوظيفي للخطاب السياسي لدى حزب يتردد دائماً بين طهارة المبدأ المرفوع وعذرية الممارسة الواقعية.
ففي وقت تعيش فيه البلاد أوج مناخها الانتخابي المشحون قبيل أيام قليلة من اقتراع 23 شتنبر التشريعي، وفي غمار تنافس مادي ضارٍ على المقاعد والتمثيلية النيابية أمام باقي القوى السياسية، يأتي هذا البلاغ الاستثنائي الصادر عقب تداول أنباء رفع مستوى التمثيلية الدبلوماسية مع إسرائيل إلى مستوى السفارات، ليعيد رسم حدود اللعبة الداخلية للحزب ويضعها تحت تشريح نقدي مستحق.
يبدأ البلاغ في بند أُعد بعناية فائقة لاستدعاء البطولة الرمزية وإرضاء المشاعر القواعدية والمجتمعية، حيث يعلن الحزب تمسكه بموقفه «الثابت والراسخ» الرافض والمناهض لكل أشكال التطبيع والاتفاقيات، مستحضراً مرجعيته الأدبية وبرنامجه الانتخابي ليصنع سياجاً أخلاقياً يُميزه ظاهرياً عن خصومه في المشهد السياسي.
لكن العقل السياسي النقدي لا ينخدع ببدايات النصوص؛ فالفقرة الثانية الموالية مباشرة تنسخ الحماس النضالي للأولى، حين تنتقل القيادة فجأة من لغة الرفض والاحتجاج إلى لغة الضبط والتكميم التنظيمي عبر إصدار “أمر حزبي” صريح لعموم المناضلين بـ«عدم الخوض» فيما ينشر حول الموضوع داخلياً وخارجياً، والتفرغ الكامل لما اعتبره البلاغ «واجب الوقت»، والمتمثل حصراً في الانخراط في الحملة الانتخابية والبحث عن كسب أصوات الناخبين.
إن هذه الصياغة تنطوي على إشكال تحليلي عميق يطال صدقية الممارسة المعارضة للحزب؛ إذ كيف يمكن لقضية يُفترض أنها تمس المبادئ والتوازنات الأخلاقية الكبرى للحزب أن تُؤجَّل بقرار إداري لمنع الإرباك، لمجرد أن الموعد الانتخابي أضحى داهماً؟
إن الحزب هنا لا يمارس مجرد ترتيب للأولويات، بل يمارس عملية تفكيك ممنهجة لشرط الانسجام بين القول والعمل. لقد أظهر البلاغ أن المبدأ لدى القيادة هو ورقة تسويق لفضيلة الخطاب، بينما السلوك الميداني محكوم ببراغماتية حذرة تخشى أداء أي كلفة سياسية أو الدخول في صدام مع المحددات السيادية للدولة قد يربك وضعيته في خريطة التوازنات القادمة.
يمتد هذا الانفصام السياسي ليلقي بظلال مباشرة على الحملة الانتخابية للحزب؛ فهو يقدم خصومه الفرقاء هدية مجانية عبر إظهار ضعفه الهيكلي وتخليه عن القضايا التي طالما رفعها كشعارات مركزية بمجرد اقتراب الاستحقاق الانتخابي.
كما أن تعليمات فرض الصمت تُربك المناضلين والقواعد وتفرغهم من الشحنة النضالية والتعبوية، لسيما عندما يتحول المناضل بموجب القرار التنظيمي من حامل لقضية إلى مجرد منفذ تقني لحملة انتخابية تبحث عن المقاعد والنتائج الرقمية.
إن هذا البلاغ يثبت مرة أخرى أن الحزب يُجيد رفع السقف النظري للمواجهة، لكنه عند أول محك حقيقي يختار المدارس الآمنة، مغلّفاً التراجع بذريعة «واجب الوقت»، ليظل السؤال معلقاً بوجه الرأي العام: هل الانتخابات مجرد آلية للدفاع عن المبادئ، أم أن المبادئ مجرد شعارات تُنسى عند أعتاب صناديق الاقتراع؟
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



