
تشريعيات 2026: الحملة تدخل أيامها الأخيرة بين معركة الشارع وقوة الإعلام واختبار البرامج
أكادير اليوم – تدخل الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية المغربية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 أيامها الأخيرة، بعدما انطلقت رسميا في 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليلة الثلاثاء 22 شتنبر، وسط تنافس بين 27 حزبا سياسيا على 395 مقعدا بمجلس النواب. وتفيد المعطيات الرسمية بتقديم حوالي 1850 لائحة تضم 7288 ترشيحا، بمعدل يفوق 18 ترشيحا عن كل مقعد، وهو ما يعكس اتساع دائرة المنافسة وتعدد الفاعلين داخل مختلف الدوائر.
ومع اقتراب نهاية الحملة، تبدو انتخابات 2026 مختلفة نسبيا عن محطات سابقة، ليس فقط بسبب حجم التنافس، ولكن أيضا لأن المعركة الانتخابية باتت تتحرك في فضاءات متعددة في الوقت نفسه: الشارع والتجمعات، الإعلام التقليدي، والمنصات الرقمية، فيما تحاول الأحزاب تحويل البرامج والوعود الاقتصادية والاجتماعية إلى رسائل مباشرة قادرة على إقناع ناخب يواجه أسئلة مرتبطة أساسا بالشغل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم ومستقبل الشباب.
من الشارع إلى الهاتف المحمول
على المستوى الميداني، حافظت الأحزاب على الأساليب التقليدية للحملات، من جولات الأحياء والأسواق والتجمعات واللقاءات التواصلية، غير أن الجزء الأكبر من المنافسة أصبح يمر أيضا عبر الهواتف المحمولة وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
الفيديو القصير، والبث المباشر، ومقاطع خطب قادة الأحزاب، والصور القادمة من التجمعات المحلية، أصبحت جزءا مركزيا من صناعة الصورة السياسية خلال الحملة. ولم يعد نجاح النشاط الانتخابي يقاس فقط بعدد الحاضرين في القاعة أو المسيرة، وإنما أيضا بقدرته على الانتقال إلى الفضاء الرقمي وإثارة النقاش والتفاعل.
وتضع هذه التحولات الأحزاب أمام تحدّ مزدوج: تعبئة قواعدها التقليدية في الميدان، والوصول في الوقت نفسه إلى فئات شبابية لا تتلقى خطابها السياسي بالضرورة عبر الاجتماعات الحزبية أو التلفزيون.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في ظل النقاش المتزايد حول علاقة الشباب بالمؤسسات السياسية. وقد أبرزت تقارير صحفية دولية حديثة أن استعادة الثقة وجذب الشباب إلى المشاركة يمثلان أحد أبرز تحديات انتخابات 2026، في سياق ترتفع فيه حساسية قضايا التشغيل والفرص الاقتصادية والخدمات العامة.
حضور حزبي متعدد.. لكن بأدوات مختلفة
لا تسمح المعطيات المتاحة حتى الآن بقياس موضوعي موحد يحدد أي حزب يمتلك “الحضور الأقوى” في الحملة كلها، لأن الحضور يختلف بحسب الجهة والدائرة الانتخابية وبحسب المؤشر المعتمد: عدد التجمعات، التعبئة التنظيمية، التغطية الإعلامية أو الانتشار الرقمي.
لكن يمكن رصد ديناميات واضحة لعدد من الأحزاب الرئيسية.
فـالتجمع الوطني للأحرار يخوض الحملة من موقع الحزب الذي قاد الحكومة خلال الولاية المنتهية، ويركز خطابه على الدفاع عن الحصيلة وربطها ببرنامج 2026-2031 الذي قدمه تحت شعار «كرامة وفرص للجميع»، مع إبراز ملفات الصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية.
في المقابل، يقدم حزب الأصالة والمعاصرة برنامجا يقوم على خمسة “مواثيق”، تشمل القدرة الشرائية وإدماج الشباب والمواطنة والأمن الاستراتيجي والنمو والاستدامة، ويعلن الحزب أن برنامجه يتضمن 20 التزاما بكلفة إجمالية مقدرة بـ350 مليار درهم خلال خمس سنوات، مع هدف معلن يتمثل في خلق مليون منصب شغل صاف.
أما حزب الاستقلال فيضع التشغيل والتنمية وتحسين الأوضاع الاجتماعية ضمن أولويات خطابه الانتخابي، مع حضور متواصل لقياداته في اللقاءات والتجمعات بمختلف الجهات.
ومن موقع المعارضة، عاد حزب العدالة والتنمية إلى الاستحقاق ببرنامج انتخابي مستقل ومحاولة استعادة حضوره السياسي والتنظيمي بعد نتائج انتخابات 2021، بينما يقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية برنامجه تحت عنوان “التنمية العادلة”، مركزا على الإنصاف والشغل والكرامة وربط الإصلاح المؤسساتي بتحسين الأوضاع الاجتماعية.
كما تحضر الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية وأحزاب أخرى في عدد من الدوائر بمرشحين ذوي امتداد محلي، الأمر الذي يجعل قراءة الحملة وطنيا مختلفة أحيانا عن التوازنات الفعلية داخل الأقاليم والدوائر.
البرامج حاضرة.. لكن هل وصلت إلى الناخب؟
من أبرز سمات حملة 2026 أن معظم الأحزاب الكبرى دخلت المنافسة بوثائق وبرامج انتخابية أكثر تفصيلا مقارنة بالشعارات العامة وحدها.
وتتقاطع هذه البرامج، رغم اختلاف المرجعيات، حول ملفات تكاد تكون مشتركة: خلق فرص الشغل، تحسين الدخل، حماية القدرة الشرائية، تطوير الصحة والتعليم، توسيع الحماية الاجتماعية، السكن، الاستثمار ودعم الشباب.
غير أن الملاحظة الأساسية خلال الحملة هي أن تفاصيل هذه البرامج لم تتحول دائما إلى الموضوع الرئيسي للنقاش الجماهيري.
فالجدل حول المرشحين، والانتقالات بين الأحزاب، والصدامات السياسية والتصريحات المتبادلة، كثيرا ما حظي بانتشار إعلامي ورقمي أكبر من النقاش المتعلق بكيفية تمويل الوعود الانتخابية أو قياس قابليتها للتنفيذ.
ويظهر هذا التحدي حتى في ملفات محددة مثل محاربة الفساد. فقد قالت “ترانسبرانسي المغرب”، وفق معطيات منشورة يوم 17 شتنبر، إن أربعة أحزاب فقط كانت قد تفاعلت حتى 15 شتنبر مع أسئلتها الموجهة إلى الأحزاب البرلمانية بشأن سياسات مكافحة الفساد، بينما لم تتوصل بأجوبة من ثمانية أحزاب أخرى.
وهنا يبرز أحد الأسئلة الجوهرية لهذه الحملة: هل يختار الناخب على أساس البرنامج، أم على أساس المرشح المحلي وشبكة العلاقات وصورة الحزب وقيادته؟
الإعلام بدوره في قلب المنافسة
يحضر الإعلام بقوة في انتخابات 2026، غير أن المنافسة الإعلامية تجري داخل إطار تنظيمي وضعته الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.
فقرار “الهاكا” المنظم للفترة الانتخابية حدد المرحلة الممتدة من 15 غشت إلى 22 شتنبر 2026، ونص على قواعد تتعلق بتعددية التعبير السياسي والإنصاف في الولوج إلى وسائل الإعلام والحياد التحريري، إلى جانب مقتضيات جديدة تتعلق بمواجهة الأخبار الزائفة والمحتويات الانتخابية المضللة المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، أصبحت الانتخابات تجري في بيئة إعلامية مركبة: التلفزيون والإذاعة والصحافة الإلكترونية من جهة، والمنصات الاجتماعية والمؤثرون والحسابات الحزبية من جهة ثانية.
وهذا الوضع يمنح الأحزاب الأكثر قدرة على إنتاج المحتوى الرقمي وتكرار رسائلها مساحة إضافية للوصول إلى الجمهور، لكنه يرفع أيضا مخاطر التضليل واقتطاع التصريحات من سياقها أو انتشار مواد غير موثقة.
المغاربة بين الوعود والحصيلة
وبعيدا عن الصراع بين الأحزاب، تكشف الحملة أن اهتمام جزء واسع من الناخبين يتركز على قضايا ملموسة تمس حياتهم اليومية.
فالقدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، والسكن، وأوضاع الشباب، أصبحت محاور مركزية في خطابات مختلف الأحزاب.
وهذا التقارب في الأولويات يجعل السؤال الانتخابي يتحول تدريجيا من “ماذا تعد الأحزاب؟” إلى “كيف ستنفذ ما تعد به؟”.
كما تواجه أحزاب الأغلبية السابقة تحديا إضافيا، لأنها لا تقدم وعودا للمستقبل فقط، بل تجد نفسها مطالبة أيضا بالدفاع عن حصيلتها الحكومية خلال الفترة 2021-2026. أما أحزاب المعارضة فتسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها بديلا، مع ضرورة إثبات قابلية مقترحاتها للتحول إلى سياسات حكومية قابلة للتمويل والتنفيذ.
الأيام الأخيرة.. ارتفاع منسوب التعبئة
ومع دخول الحملة مرحلتها الأخيرة، يرجح أن يرتفع منسوب التعبئة الميدانية والرقمية، خاصة في الدوائر التي تعرف تنافسا شديدا بين مرشحين يمتلكون قواعد محلية متقاربة.
وتكتسب الأيام الأخيرة أهمية خاصة لأن جزءا من الناخبين لا يحسم اختياره في بداية الحملة، بينما تعمل الأحزاب على تعبئة المترددين وضمان مشاركة مؤيديها في يوم الاقتراع.
إلا أن الاختبار الأكبر يوم 23 شتنبر لن يكون فقط عدد المقاعد التي ستحصل عليها كل قوة سياسية، بل أيضا حجم المشاركة ومدى قدرة الحملة على إعادة جزء من الثقة في العملية السياسية.
فبعد أسبوع من التجمعات والخطب والوعود والصور والفيديوهات، يبقى السؤال الذي سيحسمه الناخب المغربي داخل صندوق الاقتراع هو مدى اقتناعه بأن البرامج والأسماء المعروضة أمامه قادرة فعلا على تحويل الخطاب الانتخابي إلى نتائج محسوسة خلال السنوات الخمس المقبلة.
وبين قوة التنظيم في الشارع، والانتشار في الإعلام والمنصات الرقمية، وثقل المرشحين محليا، وجودة البرامج، تبدو انتخابات 2026 اختبارا متعدد الأبعاد؛ ليس فقط للأحزاب المتنافسة، وإنما أيضا لعلاقة المواطن المغربي بالفعل السياسي وقدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة لانتظاراته.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



