الرأيالعالم اليوم

البرلمان الأوروبي يواجه تاريخه الاستعماري في سبتة المحتلة

أكادير اليوم – لم يكن البيان الصادر عن البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ مجرد جولة جديدة في السجال الدبلوماسي بين بلدنا وإسبانيا بقدر ما كان لحظة كاشفة عن أزمة البنية المفاهيمية التي تُدير بها أوروبا علاقتها بجوارها الجنوبي.

فقد نجحت الدبلوماسية الإسبانية بأسلوبها التقليدي في انتزاع صياغات تحاول من خلالها تحصين (السيادة الإسبانية) باصوات اليمين الأوروبي وتغليف النزاع في غلاف أمني براغماتي عنوانه ضبط الحدود ومكافحة الهجرة.

غير أن القراءة العميقة لما جرى داخل القاعة تضعنا أمام واقع آخر مختلف تماماً عن الصورة الشكليّة التي أريدَ ترويجها

إن الصورة الحقيقية لما شهدته ستراسبورغ لا تُقرأ في منطق البيان الختامي وحدَه بل في الحجم غير المسبوق للمعارضين والممتنعين عن التصويت..فتقارب الأصوات يكشف عن حقيقة ساطعة: أسطورة الإجماع الأوروبي حول أسبنة الثغرين المحتلين قد تهاوت.

فلم تعد القناعة الإسبانية عقيدة راسخة لدى النخب التشريعية الأوروبي بل أضحت موضوعاً للشك وسؤالاً ينفذ من شقوق الجغرافيا والتاريخ ليربك الرواية الرسمية لمدريد.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي التوقف عندها بكثير من التأمل.

قد تملك التوازنات الحزبية داخل البرلمان القاري القدرة على حشد أغلبية عددية ضئيلة لإصدار بيان سياسي لكن البيانات – مهما بلغت درجة صياغتها الصارمة – لا تملك سلطة محو الجغرافيا ولا إعادة كتابة التاريخ ولا تكميم الأسئلة الصعبة التي تتفجر داخل القاعة كلما عادت أزمات الحدود إلى الواجهة.

لقد أرادت مدريد أن يجعل البرلمان الأوروبي من “الهجرة” هي القصة الرئيسية والوحيدة معتقدة أنها تؤمن بذلك حدودها لكن الجلسة خرجت عن النص المسطور وحضرت السياسة بأوزانها الثقيلة واستدعى النقاش سؤال الاستعمار والإرث الإمبراطوري من مكانه

إن سبتة ومليلية ليستا مجرد جزر أو نقاط تماس أمنية على خريطة “قلعة أوروبا” بل هما جرح تاريخي مفتوح وشهادة حية على اختلال توازن غير طبيعي في حوض المتوسط.
إنهما نموذج صارخ للنزاع بين منطقين: منطق الخريطة السياسية التي تسعى لفرض الأمر الواقع بقوة النصوص غير الملزمة.. ومنطق الجغرافيا التاريخية التي ترفض الشلل وتأبى النسيان.

إن ما جرى في ستراسبورغ ليس سوى التمهيد لتحول أعمق في النظرة الأوروبية فالبيان المذكور ليس فقط غير ملزم قانونياً وسياسياً للمغرب بل إنه مفتقد للشرعية الأخلاقية والسياسية داخل القبة الأوروبية نفسها بسبب حالة الانقسام الحاد التي رافقته.

لقد دخلت سبتة إلى ستراسبورغ من باب الهجرة والأمن لكنها خرجت منها وهي تحمل سؤالاً أقدم بكثير: هل يمكن لبيان سياسي مُحتَضر أن يُغلق صفحة استعمارية لم تُستكمل تسويتها بعد…! ؟

فالبيانات البرلمانية قد تُسَكّن أزمات السياسة العابرة لكنها لا تملك مطلقا أن تُغيِّرُ حقيقة الجغرافيا.

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto