
الحكومة الجديدة ستكون أمام اختبار «المونديال» والبطالة والقدرة الشرائية وامتحان قانون المالية 2027
أكادير اليوم – لن تجد الحكومة التي ستفرزها الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 وقتاً طويلاً لالتقاط الأنفاس، إذ ستجد نفسها منذ الأيام الأولى أمام أجندة وطنية مزدحمة، تتداخل فيها الأوراش الكبرى المرتبطة بكأس العالم 2030 مع تحديات البطالة، وغلاء المعيشة، وتمويل الدولة الاجتماعية، وتسريع الإصلاحات المؤجلة.
وسيكون إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول اختبار حقيقي لقدرة الحكومة الجديدة على ترتيب الأولويات، وتحقيق التوازن بين مواصلة الاستثمار العمومي، وتمويل البرامج الاجتماعية، والحفاظ على استدامة المالية العمومية.
380 مليار درهم من الاستثمارات العمومية
تزداد صعوبة هذه المعادلة بالنظر إلى حجم الاستثمارات العمومية المبرمجة. فقد اقتربت قيمة الاستثمارات العمومية خلال سنة 2026 من 380 مليار درهم، مقابل 340 مليار درهم سنة 2025، بزيادة تناهز 40 مليار درهم، أي حوالي 11,8 في المائة.
وتستحوذ المؤسسات والمقاولات العمومية على نحو 179,7 مليار درهم من هذه الاستثمارات، فيما تبلغ حصة الميزانية العامة والحسابات الخصوصية للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة حوالي 132,8 مليار درهم، بعد تحييد التحويلات.
وتفرض هذه الأرقام على الحكومة المقبلة الانتقال من مرحلة إطلاق المشاريع إلى مرحلة ضمان تنفيذها في آجالها، والتحكم في كلفتها، وربطها بمردودية اقتصادية واجتماعية واضحة.
كما ستكون مطالبة بالحفاظ على أهداف تقليص عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع مواصلة خفض مديونية الخزينة، في سياق قد تفرض فيه تقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية ضغوطاً إضافية على المالية العمومية.
«حكومة المونديال».. رهان الإنجاز والإرث المستدام
ستتولى الحكومة المقبلة مواصلة أوراش ضخمة مرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، من بينها تطوير شبكة السكك الحديدية والطرق السيارة، وتمديد الخط فائق السرعة، ورفع الطاقة الاستيعابية للمطارات، وتأهيل الملاعب، وتطوير النقل الحضري والتجهيزات السياحية.
غير أن نجاح هذه الأوراش لن يقاس فقط بمدى جاهزيتها قبل انطلاق المنافسات، بل بقدرتها على خلق قيمة مضافة مستدامة بعد سنة 2030. فالمطلوب هو أن تتحول الاستثمارات الرياضية واللوجستية إلى رافعة للنمو، وتحسين جاذبية المدن، ودعم السياحة، وخلق فرص شغل دائمة، وتقليص الفوارق بين الجهات.
ومن هنا، سيكون على الحكومة الجديدة اعتماد حكامة دقيقة للمشاريع الكبرى، تقوم على الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقييم النتائج، حتى لا تتحول كلفة المونديال إلى ضغط طويل الأمد على الميزانية.
الدولة الاجتماعية.. التزامات لا تحتمل التراجع
ستجد الحكومة المقبلة نفسها أيضاً أمام التزامات اجتماعية متزايدة. فقد بلغت الاعتمادات المرصودة لقطاع الصحة والحماية الاجتماعية خلال سنة 2026 حوالي 42,4 مليار درهم، مع إحداث آلاف المناصب المالية، إلى جانب توسيع التعليم الأولي ومدارس الريادة.
كما أصبحت منظومة الدعم الاجتماعي المباشر التزاماً دائماً داخل الميزانية، بعدما رُصد لها حوالي 29 مليار درهم واستفادت منها ملايين الأسر. لذلك سيكون التحدي الأساسي هو ضمان استدامة تمويل هذه البرامج، وتحسين استهدافها، وربطها بجودة الخدمات العمومية، خصوصاً في مجالات الصحة والتعليم والسكن.
فالمواطن لا يقيس الدولة الاجتماعية بحجم الاعتمادات فقط، وإنما بمدى توفر مستشفى قريب، ومدرسة جيدة، وإدارة فعالة، وخدمات تحفظ كرامته.
البطالة.. الرقم الذي سيطارد الحكومة
رغم تراجع معدل البطالة إلى 9,5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، فإن سوق الشغل لا يزال يطرح تحديات كبيرة، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والنساء وحاملي الشهادات العليا.
وحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ عدد العاطلين حوالي مليون و121 ألف شخص، فيما سجل معدل البطالة 11,9 في المائة بالوسط الحضري و5,4 في المائة بالوسط القروي. وبلغ المعدل 27,2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، و14,8 في المائة لدى النساء، و16,7 في المائة في صفوف حاملي الشهادات العليا.
وتحتاج الحكومة المقبلة إلى سياسة تشغيل تتجاوز البرامج الظرفية، عبر دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحسين التكوين المهني، وربط التعليم بحاجيات الاقتصاد، وتحويل أوراش البنيات التحتية والاستثمار إلى وظائف مستقرة، لا إلى فرص عمل مؤقتة فقط.
القدرة الشرائية.. انخفاض التضخم لا يعني تراجع الأسعار
سيظل ملف القدرة الشرائية من أكثر الملفات حساسية، لأن تراجع التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
وقد سجل مؤشر أسعار الاستهلاك خلال يوليوز 2026 انخفاضاً بنسبة 1 في المائة مقارنة بالشهر السابق، وبنسبة 0,6 في المائة على أساس سنوي، نتيجة تراجع أسعار المواد الغذائية، مقابل استمرار ارتفاع عدد من المواد والخدمات غير الغذائية، خاصة النقل.
وبالتالي، ستكون الحكومة مطالبة بحماية الدخل الحقيقي للأسر، ومحاربة المضاربة والاحتكار، وتوسيع المنافسة، ومراجعة فعالية الدعم، إلى جانب مواصلة الحوار الاجتماعي وتحسين الأجور والمعاشات، دون تحميل الطبقات المتوسطة والفقيرة أعباء مالية جديدة.
إصلاحات مؤجلة واختبار سياسي صعب
إلى جانب الملفات الاقتصادية والاجتماعية، تنتظر الحكومة المقبلة أوراش تشريعية وسياسية حساسة، من بينها مراجعة مدونة الأسرة، وإصلاح أنظمة التقاعد، ومراجعة القانون الجنائي، فضلاً عن تنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة.
وتحتاج هذه الملفات إلى حوار واسع، وقرارات مسؤولة، وقدرة على بناء التوافقات، بدل تأجيل القضايا الصعبة أو الاكتفاء بإدارتها بشكل مؤقت.
وفي النهاية، لن يقاس نجاح الحكومة المقبلة بعدد المشاريع التي ستعلن عنها أو بعدد الملاعب التي ستجهزها، بل بقدرتها على تحويل الاستثمار إلى فرص شغل، وتحسين الخدمات العمومية، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فانتخابات 23 شتنبر لن تفرز أغلبية حكومية فقط، بل ستضع على عاتق الحكومة الجديدة مسؤولية تدبير مرحلة دقيقة، عنوانها الأبرز: كيف يمكن تحقيق طموح «المغرب 2030» دون أن يدفع المواطن ثمنه اجتماعياً واقتصادياً؟
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



