
المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية في المغرب
أكادير اليوم / بقلم مراد علوي*
لا يمكن الحديث عن المشاركة السياسية في الأنظمة الديمقراطية دون استحضار الانتخابات باعتبارها واحدة من بين أهم الآليات التي تسمح للمواطنين بالتعبير عن إرادتهم السياسية واختيار ممثليهم داخل المؤسسات المنتخب ، غير أن الانتخابات، في حد ذاتها، لا تشكل سوى حلقة ضمن منظومة سياسية ومؤسساتية أكثر اتساعاً، تتداخل فيها مجموعة من العناصر، من أبرزها التعددية السياسية والحزبية القائمة على التنوع في المشاريع والبرامج، وتداول النخب، وطبيعة العلاقة بين الناخب والمنتخب، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على تأطير المواطنين وتحويل انتظاراتهم إلى اختيارات وبرامج قابلة للتنفيذ.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في التجربة المغربية، بالنظر إلى أن المغرب مقبل في الأيام القادمة على استحقاقات تشريعية جديدة، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول المشاركة السياسية والانتخابية، وطبيعة التعددية الحزبية والسياسية، ومدى قدرة الأحزاب على تقديم بدائل وبرامج واضحة، وتجديد النخب السياسية، وبناء تحالفات قادرة على تشكيل أغلبية منسجمة، فضلا عن العلاقة بين الوعود الانتخابية والسياسات العمومية ومدى قدرة المواطن على مساءلة الفاعلين السياسيين الذين منحهم ثقته.
ولا يمكن فهم هذه الدينامية خارج الإطار الدستوري الذي وضعه دستور 2011، والذي شكل محطة مهمة في تطور البناء المؤسساتي والسياسي المغربي ، فقد جعل الدستور من الديمقراطية التشاركية أحد المبادئ المؤسسة للنظام السياسي، إلى جانب التعددية والتناوب وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يعني أن المشاركة السياسية لم تعد مجرد ممارسة انتخابية دورية، وإنما أصبحت جزءا من تصور دستوري أوسع للعلاقة بين المواطن والمؤسسات.
و تشكل الوثيقة الدستورية من خلال أولى الفصول : ” يربط نظام الحكم بمبادئ الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية، وفصل السلط وتوازنها وتعاونها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما يؤكد على الديمقراطية المواطنة والتشاركية. ويعكس هذا المقتضى توجهاً دستوريا نحو توسيع دائرة المشاركة، بحيث لا يبقى المواطن خارج المجال السياسي إلا في لحظة الاقتراع، وإنما يصبح طرفاً في الحياة العامة ومساهمًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج القرار العمومي ومراقبته وتقييمه.
وفي الإطار ذاته، منح دستور 2011 الأحزاب السياسية مكانة دستورية أساسية، إذ جعلها من المؤسسات التي تضطلع بتأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، كما تساهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب وبالوسائل الديمقراطية. ومن هنا، فإن الحزب السياسي في التصور الدستوري المغربي لا ينبغي أن ينحصر دوره في خوض الانتخابات والحصول على المقاعد، وإنما يفترض أن يؤدي وظيفة سياسية ومجتمعية تتعلق بالتأطير والتكوين وإنتاج الأفكار والبرامج وتكوين النخب والمساهمة في ممارسة السلطة.
ويحيلنا ذلك مباشرة إلى مفهوم التعددية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للممارسة الديمقراطية. غير أن التعددية تطرح في الحالة المغربية إشكالاً يتعلق بالتمييز بين التعددية الحزبية والتعددية السياسية. فالتعددية الحزبية تعني تعدد التنظيمات والأحزاب المتنافسة على تمثيل المواطنين والوصول إلى المؤسسات، بينما تتجاوز التعددية السياسية هذا المعنى العددي لتشير إلى وجود اختلاف حقيقي في الأفكار والتصورات والمشاريع والبرامج والاختيارات.
ومن ثم، فإن وجود عدد كبير من الأحزاب لا يكفي وحده لإثبات وجود تعددية سياسية فعالة، ما لم يكن هذا التعدد التنظيمي مصحوباً بتنوع واضح في البرامج والتصورات والبدائل. فالمعيار الحقيقي للتعددية لا يكمن فقط في عدد الأحزاب الموجودة في الساحة، وإنما في قدرتها على التعبير عن اختلافات سياسية واجتماعية وفكرية، وتقديم مشاريع متباينة بشأن تدبير الشأن العام والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، بما يسمح للناخب بالمفاضلة بينها على أساس الاختيار السياسي الواعي.
ومن هذه الزاوية، تشكل الانتخابات إحدى أهم الآليات التي تختبر من خلالها التعددية السياسية والحزبية. فالانتخابات لا تقتصر على تحديد الأشخاص الذين سيشغلون المقاعد داخل المؤسسات المنتخبة، وإنما تضع أمام المواطن مجموعة من الخيارات والبرامج والمرشحين، وتمنحه إمكانية المشاركة في تحديد موازين القوى السياسية. ولذلك، فإن المشاركة الانتخابية تمثل، من منظور علم السياسة، إحدى أهم صور المشاركة السياسية، لأنها تمنح المواطن إمكانية الانتقال من موقع المتلقي للقرار إلى موقع المساهم في تحديد الجهات التي ستتولى تمثيله وممارسة السلطة باسمه.
غير أن أهمية المشاركة الانتخابية لا تعني أنها تستنفد مضمون المشاركة السياسية. فالمواطن يمكن أن يكون فاعلاً سياسياً خارج العملية الانتخابية، من خلال الانخراط في الأحزاب والجمعيات، والمشاركة في النقاش العمومي، وتقديم العرائض والملتمسات، ومراقبة أداء المؤسسات، والمساهمة في تقييم السياسات العمومية. ولذلك، فإن الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج، وإنما يفترض أن تكون المشاركة السياسية عملية مستمرة ترافق مختلف مراحل العمل المؤسساتي.
وفي هذا السياق، تبرز الأحزاب السياسية باعتبارها حلقة الوصل الأساسية بين المجتمع والدولة، وبين المواطن والمؤسسات. فالحزب يفترض أن ينقل المطالب الاجتماعية إلى المجال السياسي، وأن يقدم تصورات وبرامج لمعالجتها، وأن يساهم في تكوين النخب القادرة على تحمل المسؤولية، ثم أن يدافع عن اختياراته داخل المؤسسات، سواء كان في الحكومة أو في المعارضة.
ومن هنا، تصبح البرامج الانتخابية عنصراً أساسياً في العلاقة بين المشاركة الانتخابية والمشاركة السياسية. فالناخب، من الناحية النظرية، لا يصوت فقط على شخص، وإنما يختار أيضاً مشروعاً سياسياً وتصوراً لتدبير الشأن العام. ولهذا يفترض أن تشكل البرامج الانتخابية أساساً للمنافسة بين الأحزاب، وأن تسمح للمواطن بالمقارنة بين الاختيارات المختلفة في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية والتنمية الترابية والحكامة وغيرها.
غير أن العلاقة بين الناخب والبرنامج الانتخابي تظل أكثر تعقيداً في الواقع السياسي، لأن الاختيار الانتخابي لا يتحدد دائماً على أساس البرامج وحدها، وإنما يمكن أن تتداخل فيه شخصية المرشح، والانتماءات الترابية والاجتماعية، والثقة في الحزب، والحصيلة السابقة، وطبيعة الخطاب السياسي، ومدى حضور الحزب داخل المجتمع. ولذلك، فإن أحد التحديات الأساسية التي تواجه المشاركة السياسية يتمثل في الانتقال من التصويت على الأشخاص أو الاعتبارات الظرفية إلى التصويت على البرامج والمشاريع والاختيارات.
كما أن البرامج الانتخابية تطرح مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي مسألة الوعود السياسية. فخلال الحملات الانتخابية تقدم الأحزاب والمرشحون مجموعة من الالتزامات والوعود التي تتعلق بالقضايا التي تشغل المواطنين. غير أن القيمة السياسية لهذه الوعود لا تظهر فقط أثناء الحملة الانتخابية، وإنما تبدأ أساساً بعد الوصول إلى المؤسسات، حيث يصبح السؤال المطروح هو مدى القدرة على تحويل تلك الوعود إلى سياسات وقرارات ونتائج قابلة للقياس.
وهنا تتحول الانتخابات من مجرد وسيلة لاختيار النخب إلى آلية للمساءلة السياسية. فالناخب الذي يمنح صوته لحزب أو مرشح بناءً على برنامج معين يستطيع، في الاستحقاقات اللاحقة، أن يقارن بين ما تم الالتزام به وما تحقق فعلياً. ومن ثم، فإن الانتخابات تؤدي وظيفتين متكاملتين: وظيفة الاختيار، ووظيفة المحاسبة. فالناخب يختار من سيحكم أو يمثله، ثم يعود في نهاية الولاية ليقيم التجربة ويقرر ما إذا كان سيجدد ثقته في الجهة نفسها أو يمنحها لبديل سياسي آخر.
وتتضح هذه العلاقة بشكل أكبر في الانتخابات التشريعية، بالنظر إلى مكانتها داخل النظام الدستوري المغربي. فنتائج انتخابات مجلس النواب لا تقتصر على تحديد تركيبة المؤسسة التشريعية، وإنما ترتبط أيضاً بتشكيل الحكومة، إذ ينص الفصل 47 من دستور 2011 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. وبالتالي، فإن مشاركة المواطن في الانتخابات التشريعية يمكن أن يكون لها أثر مباشر في تحديد موازين القوى التي ستؤثر في تشكيل الأغلبية الحكومية وفي اتجاه السياسات العمومية خلال الولاية التشريعية.
وهنا تبرز مسألة التحالفات الحزبية، التي تشكل إحدى النتائج الطبيعية للتعددية السياسية عندما لا يحصل حزب واحد على الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده. فالتحالفات، من الناحية الديمقراطية، ليست في حد ذاتها ظاهرة سلبية، بل يمكن أن تكون آلية ضرورية لترجمة نتائج الانتخابات إلى أغلبية قادرة على ممارسة السلطة. غير أن أهمية التحالف لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يجمعها، وإنما بمدى انسجامه السياسي والبرنامجي وقدرته على إنتاج رؤية حكومية مشتركة.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام التحالفات الحزبية يتمثل في الانتقال من التحالف العددي إلى التحالف البرنامجي. فالمواطن الذي صوت لحزب على أساس برنامج معين قد يجد نفسه، بعد الانتخابات، أمام حكومة ائتلافية تضم أحزاباً متعددة ذات تصورات مختلفة. ولذلك تصبح الشفافية في تحديد أسس التحالف وأولوياته وبرنامجه المشترك عاملاً أساسياً للحفاظ على وضوح المسؤولية السياسية أمام المواطنين.
فإذا كان الحزب يدخل الانتخابات ببرنامج، فإن دخوله إلى الحكومة في إطار تحالف يقتضي التوفيق بين برنامجه وبين برامج الأحزاب الأخرى. ومن هنا يتشكل البرنامج الحكومي باعتباره أرضية مشتركة للأغلبية، وهو ما يطرح ضرورة التمييز بين الوعود التي يقدمها كل حزب أثناء الحملة الانتخابية وبين الالتزامات التي تصبح جزءاً من البرنامج الحكومي بعد تشكيل الأغلبية.
وتكتسي هذه المسألة أهمية كبيرة بالنسبة إلى مساءلة الحكومة، لأن المواطن لا يستطيع أن يحاسب جميع الأحزاب بنفس الطريقة عن كل السياسات والقرارات، بل يتعين تحديد المسؤولية السياسية لكل طرف بحسب موقعه داخل الأغلبية أو المعارضة، وبحسب ما التزم به ضمن البرنامج الحكومي. ومن هنا تبرز أهمية وضوح التحالفات والبرامج والالتزامات، حتى لا تتحول المسؤولية السياسية إلى مسؤولية مبهمة موزعة بين مختلف الفاعلين.
وفي مقابل ذلك، يظل البرلمان أحد أهم الفضاءات التي تختبر فيها فعالية النخب السياسية التي أنتجتها الانتخابات. فالنائب البرلماني لا يكتفي بتمثيل المواطنين، وإنما يمارس اختصاصات تشريعية ورقابية، ويساهم في مناقشة السياسات العمومية ومراقبة العمل الحكومي. وبالتالي، فإن اختيار المواطن لنائبه يمثل بداية علاقة مؤسساتية تستمر طوال الولاية التشريعية، ولا تنتهي بمجرد إعلان النتائج.
ومن هنا تظهر أهمية النخب السياسية باعتبارها مكوناً أساسياً للمشاركة السياسية. فالانتخابات لا تنتج فقط أرقاماً ومقاعد، وإنما تنتج نخباً تتولى مسؤولية التمثيل والتشريع والرقابة والحكومة والمعارضة. ولذلك فإن جودة المشاركة السياسية ترتبط أيضاً بجودة النخب التي تنتجها المؤسسات الانتخابية، وبمدى قدرتها على الجمع بين الشرعية الانتخابية والكفاءة السياسية والمؤسساتية.
كما أن مسألة تجديد النخب تظل مرتبطة بقدرة الأحزاب على استقطاب الشباب والنساء والكفاءات الجديدة، وفتح المجال أمام أجيال جديدة من الفاعلين السياسيين، بما يسمح بتجديد الحياة الحزبية وتوسيع قاعدة المشاركة. فالتعددية لا تعني فقط تعدد الأحزاب، وإنما تتطلب كذلك تعدد الأجيال والتيارات والنخب والأفكار داخل المجال السياسي.
ومن هذه الزاوية، تصبح الاستحقاقات التشريعية المقبلة مناسبة لإعادة اختبار العلاقة بين الناخب والأحزاب والنخب السياسية. فالناخب سيكون أمام مجموعة من الخيارات الحزبية والبرامجية، والأحزاب ستكون أمام اختبار قدرتها على تقديم بدائل واضحة وقابلة للتنفيذ، بينما ستخضع النخب التي ستفرزها الانتخابات لاختبار التمثيل والتشريع والرقابة والمساءلة.
غير أن أهمية هذه الاستحقاقات لا تتوقف عند يوم الاقتراع، وإنما تمتد إلى ما بعد إعلان النتائج. فبعد تشكيل المؤسسات والأغلبية الحكومية، تبدأ مرحلة أكثر أهمية تتمثل في ترجمة الاختيارات الانتخابية إلى سياسات عمومية. وهنا يظهر جوهر العلاقة بين المشاركة الانتخابية والمشاركة السياسية؛ فإذا كان المواطن يشارك في اختيار من سيتولى السلطة، فإنه يفترض كذلك أن يمتلك الوسائل التي تمكنه من متابعة كيفية استعمال هذه السلطة.
وهذا ما ينسجم مع فلسفة دستور 2011 الذي لم يحصر المشاركة في الديمقراطية التمثيلية، وإنما أقر كذلك آليات الديمقراطية التشاركية. فالمواطنون والمجتمع المدني لا يقتصر دورهم على اختيار المؤسسات، وإنما يمكنهم، وفق الشروط والكيفيات التي يحددها القانون، المساهمة في الحياة العامة وفي إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها.
وبذلك، فإن المشاركة السياسية في التصور الدستوري المغربي تقوم على مستويين متكاملين: مستوى تمثيلي يتمثل أساساً في الانتخابات واختيار الممثلين، ومستوى تشاركي يسمح للمواطنين والمجتمع المدني بالمساهمة في النقاش والسياسات العمومية خارج لحظة الاقتراع.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين المشاركة الانتخابية والمشاركة السياسية باعتبارها علاقة جزء بكل. فالمشاركة الانتخابية هي إحدى أهم صور المشاركة السياسية، لكنها لا تختزلها. فالانتخاب يحدد من يمثل المواطنين، بينما المشاركة السياسية المستمرة تسمح للمواطنين بمتابعة هؤلاء الممثلين ومساءلتهم والتأثير في السياسات التي تساهم المؤسسات في إنتاجها.
وعلى هذا الأساس، فإن النقاش حول الاستحقاقات التشريعية المقبلة ينبغي ألا يقتصر على سؤال نسبة المشاركة، رغم أهمية هذا المؤشر، وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال نوعية المشاركة. فالمطلوب ليس فقط أن يصوت المواطن، وإنما أن يكون اختياره مبنياً على معرفة بالبرامج والمرشحين والأحزاب، وأن يكون قادراً بعد ذلك على تقييم الحصيلة ومساءلة من اختارهم.
كما أن النقاش ينبغي أن يتجه إلى طبيعة التنافس الحزبي نفسه. فالمطلوب من التعددية الحزبية أن تنتج تعددية سياسية حقيقية، ومن البرامج الانتخابية أن تقدم بدائل واضحة، ومن النخب أن تكون قادرة على التمثيل والتدبير، ومن التحالفات أن تقوم على أسس سياسية وبرنامجية واضحة، ومن الحكومة أن تكون قابلة للمساءلة، ومن البرلمان أن يمارس أدواره الدستورية في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
وبذلك، فإن الاستحقاقات التشريعية المقبلة تمثل أكثر من مجرد موعد انتخابي؛ فهي محطة لاختبار حيوية النظام الحزبي والسياسي، ومدى قدرة التعددية على إنتاج بدائل حقيقية، وقدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطن، وقدرة النخب على تجديد نفسها، ومدى وضوح التحالفات التي ستفرزها نتائج الاقتراع، والأهم من ذلك مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل الإرادة الشعبية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة.
وفي المحصلة، فإن المشاركة السياسية والانتخابية في المغرب لا يمكن فهمها خارج المنظومة التي تجمع بين الدستور والأحزاب والانتخابات والنخب والبرامج والتحالفات والسياسات العمومية. فالتعددية الحزبية توفر تعدد الفاعلين، والتعددية السياسية يفترض أن توفر تعدد الاختيارات، والانتخابات تمنح المواطن إمكانية المفاضلة، والأحزاب تقدم البرامج وتنتج النخب، والنتائج الانتخابية تعيد تشكيل موازين القوى، والتحالفات تترجم هذه الموازين إلى أغلبية، والحكومة تحول جزءاً من الاختيارات إلى سياسات عمومية، بينما يظل البرلمان فضاءً للتشريع والرقابة، ويظل المواطن في نهاية المطاف طرفاً أساسياً في عملية التقييم والمساءلة.
ومن ثم، فإن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بوجود الانتخابات أو بتعدد الأحزاب، وإنما بقدرة هذه العناصر مجتمعة على إنتاج مشاركة سياسية فعلية ومستمرة. فالديمقراطية الحقيقية لا تجعل من المواطن مجرد ناخب يظهر في المشهد السياسي يوم الاقتراع، وإنما تجعله مواطناً فاعلاً يختار على أساس البرامج، ويتابع أداء المؤسسات، ويشارك في النقاش العمومي، ويمارس آليات الديمقراطية التشاركية، ويقيّم السياسات العمومية، ثم يعود إلى صناديق الاقتراع ليجدد الثقة أو يسحبها.
وبهذا المعنى، فإن الرهان الحقيقي للاستحقاقات التشريعية المقبلة لا يتمثل فقط في معرفة الحزب أو التحالف الذي سيتصدر النتائج، وإنما في معرفة ما إذا كانت هذه الانتخابات ستنجح في تعزيز العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وفي تجديد النخب السياسية، وفي إعطاء معنى فعلي للتعددية الحزبية والسياسية، وفي جعل البرامج الانتخابية أساساً للاختيار والمساءلة، وفي الانتقال من التحالفات القائمة على الحسابات العددية إلى تحالفات تستند إلى توافقات سياسية وبرنامجية واضحة.
إن جوهر المسألة، في النهاية، لا يكمن فقط في أن يشارك المواطن في الانتخابات، وإنما في أن يشعر بأن مشاركته ذات معنى، وأن صوته قادر على التأثير، وأن البرنامج الذي اختاره يمكن أن يتحول إلى سياسة عمومية، وأن النخبة التي انتخبها مسؤولة أمامه، وأن المؤسسات التي أفرزتها الانتخابات قابلة للمراقبة والمساءلة. وعند هذه النقطة تحديداً تنتقل المشاركة الانتخابية من مجرد فعل اقتراع إلى ممارسة سياسية ودستورية متكاملة، وتتحول التعددية من مجرد تعدد حزبي إلى تعددية حقيقية في الأفكار والبرامج والبدائل، وهو ما يشكل أحد أهم رهانات الديمقراطية المغربية في المرحلة المقبلة.
*مراد علوي باحث في الدراسات السياسية و المؤسساتية – رئيس المركز المغربي للدراسات القانونية و الإجتماعية و تحليل السياسات .
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



