المجتمع

جميلة رمزي..المرشحة التي استقام في روحها.. ما تعثّر في جسدها

ليست الحكاية هنا مجرد سباق انتخابي نحو مقعد تحت قبة البرلمان ولا هي محاولة لحجز موطئ قدم في خريطة التدافع السياسي. ثمة ما هو أعمق من ذلك بكثير..

حكاية إنسانة اختارت أن تخوض معركتها الخاصة وأن تجعل من إرادتها جسرًا تعبر به من حدود الجسد إلى رحابة الممكن.

قبل ثلاث سنوات.. وفي ساعة متأخرة من الليل أغلقت الغلاف الأخير لكتاب ( رحلة البازل) . كانت ساعتان ونصف الساعة كافيتين لأن تعيد هذه الشابة ترتيب كثير من الأشياء في داخلي.. وأن تجعلني أكتشف كيف يمكن للكتابة أن تتحول حين يضيق الجسد إلى وطنٍ رحب وملاذٍ آمن.. ومساحة لا تعترف بالقيود.

كتبت يومها مقالًا بدافع من انفعال صادق ولم تكن تربطني بالكاتبة آنذاك معرفة سابقة…لكن حجم التأثر بما قرأت جعلني في اليوم الموالي أقف أمام عائلتها وأساتذتها حاملًا شهادتي في حق شابة اختارت أن تتحدث بلسان التحدي وأن تجعل من تجربتها الشخصية رسالة إلى الآخرين.
وقلت لها يومها بمعنى لم يتغير حتى الآن:
أنتِ أجمل وأقوى مما كنتِ.

واليوم.. تعيدنا الأقدار إلى فصل جديد من هذه الحكاية وربما إلى أكثر فصولها إثارة وتأثيرًا.
أتابع جميلة رمزي الحاصلة على ماستر في الاقتصاد التطبيقي والموظفة بقطاع الشبيبة والرياضية وهي تخطو بثبات نحو الناخبين مرشحةً للاستحقاقات البرلمانية… أتابعها عبر وصلة تواصلية مسجلة بالصوت والصورة موجهة خطابها بثقة ويقين شابة تعرف جيدًا لماذا جاءت وماذا تريد أن تقول.

قد يلاحظ البعض منا تعثرًا في نطق بعض الكلمات أو بطئًا في الخطى والمشي لكن ما يستحيل ألا تراه هو ذلك الفيض من الشجاعة الذي يملأ صوتها وتلك العزيمة التي تمنح حضورها قوة تتجاوز الكلمات.

المرشحة جميلة رمزي في هذه التجربة لا تخوض معركة على مقعد فقط بل معركة أوسع ضد تلك الأحكام الجاهزة التي تختزل الإنسان في جسده وتقيس قدرته بسلامة أعضائه وتنسى أن أعظم طاقات البشر قد تسكن أحيانًا خلف جسدٍ يبدو للوهلة الأولى مثقلًا بالقيود.والعوائق الخلقية
ولهذا.. فإنها لا تنتظر من صندوق الاقتراع أن يمنحها قيمة.. ولا تحتاج إلى عدد الأصوات كي تثبت أنها انتصرت.
لقد انتصرت قبل أن تبدأ الحملة وقبل أن تفتح الصناديق وقبل أن تُعلن النتائج.

انتصرت يوم قررت ألا تسمح لظروفها أن تكتب نهايتها بالنيابة عنها.
وانتصرت يوم اختارت أن تكون فاعلةً في مجتمعه لا مجرد موضوع للتعاطف.

وانتصرت يوم وقفت أمام الناس لتقول بالفعل قبل القول إن المواطنة ليست امتيازًا يمنح للأجساد الكاملة وإنما حق تمارسه الإرادة الحرة والقدرة على المشاركة.

لعل أجمل ما علمتنا إياه جميلة هو أن الإعاقة الحقيقية لا تكمن في تعثر خطوة أو بطء كلمة وإنما في عقل يستسلم وإرادة تنكسر وروح تقبل أن يحدد الآخرون سقف أحلامها.
أما الجسد.. مهما كانت حدوده فلا يستطيع وحده أن يهزم إنسانًا قرر أن يمضي إلى الأمام.

جميلة لا تطلب من أحد شفقة ولا تقدم نفسها باعتبارها استثناءً يستحق المجاملة. إنها تطلب شيئًا أبسط وأعظم:
أن تُرى باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق وكفاءة أكاديمية، وفاعلةً في الشأن العام وإنسانة اختارت أن تدخل غمار التجربة مثلها مثل أي مواطن آخر.

ومن هنا تحديدًا تكمن قيمة هذه المغامرة.
فالوصول إلى البرلمان سيكون بلا شك محطة مهمة في مسارها إن تحقق.
لكن عدم الوصول إليه لن يلغي شيئًا من قيمة ما فعلته لأن الرهان الأكبر قد كُسب بالفعل.
لقد حجزت جميلة موقعها في ضمير كل من رأى في تجربتها انتصارًا للإنسان على الصورة النمطية وللإرادة على العجز وللمشاركة على التهميش.
إلى شابتنا الكبيرة والجميلة :

قد تحمل صناديق الاقتراع جوابًا ايّاً كان
لكن هناك جوابًا حسمته أنتِ قبل الجميع:
لقد أثبتِّ أن الإنسان لا يُقاس بما يعجز جسده عن فعله وإنما بما تستطيع إرادته أن تصنعه.
وأثبتِّ أن الطريق إلى التغيير لا يبدأ دائمًا من المنابر الكبرى بل قد يبدأ من شخص قرر رغم كل العوائق أن يتقدم خطوة إلى الأمام.

أما صوتك اليوم فقد صار أكثر حضورًا من أي وقت مضى ليس لأنه ارتفع وإنما لأن وراءه قصة تستحق أن تُسمع.
فوزك الحقيقي ليس يوم تُعلن النتائج بل يوم قررتِ أن تدخلي السباق أصلًا.

وهذا في حد ذاته انتصار لا يحتاج إلى صندوق اقتراع…

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto