
مهرجان «أكبار».. حين تتحول الفنون الشعبية إلى رافعة للإشعاع الثقافي بأكادير
ليست المهرجانات الثقافية مجرد منصات للفرجة أو مناسبات عابرة للاحتفال، بل هي تعبير عن قدرة المدن على استثمار ذاكرتها الجماعية وتحويل موروثها الثقافي إلى رصيد حي يخدم المجتمع والتنمية. ومن هذا المنطلق، يكتسي مهرجان «أغبار» للفنون الشعبية، الذي نظمت جمعية الأفق الجديد للشباب والتنمية الاجتماعية دورته الثانية أهمية تتجاوز حدود العرض الفني، لتطرح سؤالاً أعمق حول مكانة الثقافة الشعبية في مشروع الإشعاع المحلي والجهوي لمدينة أكادير.
ففي زمن تتسارع فيه التحولات العمرانية والاقتصادية، وتتنافس المدن على استقطاب الزوار والاستثمارات والفعاليات الكبرى، تظل الثقافة إحدى أهم الأدوات التي تمنح المكان خصوصيته وهويته. وأكادير، بما تختزنه من تنوع ثقافي وفني، تحتاج إلى مهرجانات لا تكتفي باستحضار التراث، بل تجعل منه لغة للتواصل بين الأجيال، ووسيلة للتعريف بالخصوصية المغربية أمام الزوار.
من فرجة موسمية إلى موعد ثقافي
إن تنظيم مهرجان «أكبار» بساحة لاغورا بكورنيش أكادير، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، وبمشاركة فرق فلكلورية من قبيل فرقة كناوة بلال، وعواد مسكينة، وفرقة الكدرة، يعكس اختياراً موفقاً لربط الفن الشعبي بالفضاء العمومي. فالموروث الثقافي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في المناسبات المغلقة أو العروض المتخصصة، بل يستحق أن يكون حاضراً في الأماكن التي يلتقي فيها المواطنون والزوار.
والأهم من ذلك أن هذه التظاهرة تفتح نقاشاً حول ضرورة الانتقال من التعامل مع الفنون الشعبية باعتبارها مجرد فقرات تنشيطية إلى اعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات التنمية الثقافية والسياحية. فحين تقدم الفنون التقليدية في فضاء مفتوح، فإنها لا تمنح الجمهور لحظة ترفيه فحسب، بل تتيح له اكتشاف أشكال تعبير فنية تحمل تاريخاً وذاكرة وقيمًا اجتماعية.
الإمكانيات المحدودة لا تلغي قيمة المبادرة
من اللافت في تجربة «أغبار» أن مدير المهرجان سعيد افكيريش تحدث عن تنظيم الدورة الثانية رغم ضعف الإمكانيات المادية، معتبراً أن الجمعية تمكنت من إخراجها في أحسن حلة. وهذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن المشهد الثقافي المحلي كثيراً ما يصطدم بمحدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تظاهرات ذات مضمون ثقافي واضح.
لكن الإشادة بالمجهود الجمعوي لا ينبغي أن تعني التطبيع مع ضعف التمويل. فالمهرجانات الجادة تحتاج إلى موارد تضمن استمراريتها، وتحسن ظروف اشتغال الفنانين، وتطوير البرمجة والتنظيم والتواصل. وإذا كان مهرجان «أغبار» قد استطاع تجاوز صعوبات الدورة الثانية، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذا النجاح إلى مشروع مستدام، لا يرتبط فقط بحماس المنظمين أو دعم ظرفي من الشركاء.

الشراكة المؤسساتية.. من الدعم إلى بناء مشروع ثقافي
إن مساهمة مركز سوس ماسة للثقافة وجماعة أكادير في هذه التظاهرة تبرز أهمية الشراكة بين المجتمع المدني والمؤسسات المنتخبة والفاعلين الثقافيين. غير أن قيمة هذه الشراكة تقاس، في تقديري، بقدرتها على الانتقال من دعم مناسبة واحدة إلى بلورة رؤية متكاملة للمهرجانات الثقافية بالمدينة.
فأكادير لا تحتاج فقط إلى كثرة الفعاليات، بل إلى تنوعها وجودتها واستمراريتها. كما أن جهة سوس ماسة تزخر بألوان فنية وتراثية متعددة، من أحواش إلى كناوة والكدرة وغيرها، ما يجعلها مؤهلة لاحتضان تظاهرات تبرز هذا التنوع وتمنح الفنانين المحليين والجهويين فضاءات منتظمة للتعبير.
ومن هنا، فإن مهرجان «أغبار» يمكن أن يشكل نواة لمشروع ثقافي أكبر، يستفيد من التجارب السابقة، ويطور برمجته، ويعزز حضور الفرق التراثية، ويخلق فرصاً للتعاون بين الجمعيات والمؤسسات والمهنيين في القطاع الثقافي والسياحي.
الثقافة والسياحة.. علاقة تحتاج إلى رؤية
لا شك أن اختيار كورنيش أكادير فضاءً للمهرجان يمنح التظاهرة فرصة للتواصل مع جمهور واسع من السكان والزوار. غير أن تنشيط السياحة الثقافية لا يتحقق بمجرد تنظيم عرض فني، بل يحتاج إلى ربط الفعالية بمسارات للتعريف بالتراث، وبالمواقع الثقافية، وبالمنتوجات المحلية، وبالحرف التقليدية، وبالاقتصاد الإبداعي.
وإذا كانت الفنون الشعبية قادرة على استقطاب الجمهور، فإن الاستثمار الحقيقي في هذا الرصيد يكمن في تحويله إلى تجربة ثقافية متكاملة، تجعل الزائر يكتشف المدينة من خلال فنونها وذاكرتها وتنوعها، وليس فقط من خلال فضاءاتها السياحية

نحو مهرجان يليق بمكانة أكادير
إن الدورة الثانية من مهرجان «اكبار» تؤكد أن المبادرات الجمعوية قادرة على صناعة مواعيد ثقافية ذات قيمة، حتى في ظل محدودية الإمكانيات. غير أن الحفاظ على هذا المسار يقتضي تضافر الجهود، ورفع مستوى التنظيم، وتوسيع قاعدة الشركاء، ووضع تصور واضح للدورات المقبلة.
فالمهرجان الناجح ليس الذي ينتهي بانتهاء عروضه، بل الذي يترك أثراً في الذاكرة الثقافية للمدينة، ويمنح الفنانين اعترافاً مستحقاً، ويشجع الأجيال الجديدة على الاهتمام بموروثها، ويساهم في جعل الثقافة جزءاً من التنمية.
وفي هذا السياق، يستحق مهرجان «أكبار» أن يُنظر إليه باعتباره تجربة قابلة للتطور، لا مجرد مناسبة احتفالية. فحين تتحول الإرادة الجمعوية إلى مشروع ثقافي مستمر، يصبح التراث الشعبي أكثر من ذاكرة للماضي؛ يصبح رافعة للحاضر وأفقاً للمستقبل.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



