
الفصل 47 أمام اختبار انتخابات 2026..
- الحسين أبليح //
جرى، منذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ، نوع من العرف الدستوري والسياسي في تفسير الفصل 47، مؤداه أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، على أساس أن يكون المعين هو زعيم الحزب الفائز وأمينه العام. وقد ترسخ هذا الفهم تدريجيا إلى درجة بدا معها الأمر، في الممارسة السياسية، وكأنه قاعدة دستورية مستقرة، رغم أن نص الفصل 47 لا يقول بذلك صراحة.
فالدستور يقول إن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ولا يقول إن هذا التعيين يجب أن ينصب بالضرورة على الأمين العام للحزب أو على رئيسه.
ولم يكن هذا التفصيل يطرح إشكالا حقيقيا في التجارب الانتخابية السابقة، لأن الزعامة الحزبية كانت، في الغالب، هي نفسها الزعامة الانتخابية. كان الرجل الأول في الحزب هو أيضا مرشح الحزب الطبيعي لقيادة الحكومة، وكان الفوز الانتخابي يضع الحزب وزعيمه في مسار واحد. ولذلك، بدا تعيين الملك لرئيس الحكومة، بعد انتخابات 2011 ثم 2016، أقرب إلى تكريس نتيجة انتخابية واضحة: الحزب يتصدر، وزعيمه يتقدم لتشكيل الحكومة.
غير أن انتخابات 2026 تضع هذا الفهم التقليدي أمام اختبار جديد.
للمرة الأولى، تتجه المنافسة على صدارة المشهد الانتخابي بين أحزاب كبرى، فيما لا تختزل القيادة الانتخابية بالضرورة في شخص الأمين العام أو رئيس الحزب. فقد أصبح عضوان في المكتب السياسي في قلب الطموح الانتخابي لحزبهما، وهو مستجد سياسي لا يمكن المرور عليه وكأنه مجرد تفصيل تنظيمي داخلي.
وهنا تطرح انتخابات 2026 سؤالا دستوريا وسياسيا بالغ الأهمية: هل فوز الحزب يعني، بالضرورة، انتخاب أمينه العام لتولي رئاسة الحكومة؟
الجواب، من الناحية الدستورية الصرفة، ليس بهذه الحتمية.
فالناخب لا يصوت مباشرة لرئيس الحكومة، وإنما يصوت للائحة حزبية في دائرة انتخابية، وتحدد النتائج الحزب الذي تصدر الانتخابات. أما تحديد الشخص الذي سيقود الحكومة، فهو اختصاص دستوري يمارسه الملك في إطار الفصل 47. ومن ثم، فإن تحويل العرف السياسي السابق إلى قاعدة دستورية ملزمة للملك يتجاوز منطوق النص الدستوري نفسه.
بل إن التطور الذي تعرفه المنافسة الحزبية في 2026 يجعل التمييز بين الحزب الفائز والشخص الذي قاد الحملة الانتخابية أكثر ضرورة. فقد ينجح حزب في تصدر الانتخابات دون أن يكون أمينه العام هو الشخصية التي قادت عملياالمعركة الانتخابية أو التي حصلت على التفويض السياسي من الناخبين لقيادة المرحلة المقبلة.
وهنا تحديدا تبرز حالة حزب الأصالة والمعاصرة باعتبارها حالة سياسية تستحق المتابعة. فإذا كان الطموح الانتخابي للحزب قد قاده عضو في المكتب السياسي، فإن تصدر الحزب للانتخابات لا يجعل من الضروري، دستوريا، أن يكون الأمين العام هو الشخص الوحيد الممكن تعيينه رئيسا للحكومة.
بل يمكن تصور تسوية سياسية داخل الحزب، يتم بموجبها اختيار شخصية أخرى لتكون رئيسة للحكومة، سواء قبل إعلان النتائج أو في أعقابها، على أن تقدم باعتبارها الشخصية التي تمثل الحزب الفائز في مرحلة تشكيل الحكومة. ولا يتعارض هذا الاحتمال، من حيث المبدأ، مع الفصل 47، ما دام الملك هو صاحب الاختصاص الدستوري في التعيين، وما دام الشخص المعين ينتمي إلى الحزب الذي تصدر الانتخابات.
وهذا ليس غريبا تماما عن التجارب المقارنة. فقد شهدت فرنسا، عقب الانتخابات التشريعية التي جرت بعد قرار إيمانويل ماكرون حل الجمعية الوطنية، نقاشا مماثلا داخل التحالف اليساري حول الشخصية التي يمكن تقديمها لتولي رئاسة الحكومة، رغم أن التحالف الذي تصدر النتائج لم يكن يملك شخصية واحدة تحظى بإجماع مكوناته.
غير أن هذه الإمكانية لم تتحول في فرنسا إلى ممارسة مكتملة، بفعل التطورات السياسية التي أعقبت الانتخابات، وبسبب موقف الرئيس ماكرون من ائتلاف «الجبهة الشعبية الجديدة» وضغوط التوازنات البرلمانية والسياسية، ولا سيما موقف اليمين المتطرف.
لكن المقارنة، رغم اختلاف النظامين السياسيين والدستوريين، تظل مفيدة في نقطة أساسية: الفوز الانتخابي لا ينتج بالضرورة، وبصورة آلية، اسما واحدا لرئاسة الحكومة.
وهذا بالضبط ما يمكن أن تكشفه انتخابات المغرب لسنة 2026.
فإذا أفرزت صناديق الاقتراع حزبا متصدرا، وكان الشخص الذي قاد طموحه الانتخابي عضوا في المكتب السياسي وليس أمينه العام، فإننا سنكون أمام لحظة اختبار حقيقية للفصل 47: هل يستمر العرف السياسي الذي يجعل أمين عام الحزب هو المرشح التلقائي لرئاسة الحكومة؟ أم نعود إلى النص الدستوري نفسه، الذي يمنح الملك سلطة التعيين من الحزب الذي تصدر الانتخابات دون أن يحدد في شخص أمينه العام؟
إن أهمية هذه المسألة لا تكمن في الأسماء، ولا في حسابات حزب بعينه، وإنما في حدود العرف الدستوري نفسه.
فالخطير دستوريا ليس أن يتغير الشخص الذي يقود الحكومة، وإنما أن يتحول عرف سياسي نشأ من ظروف انتخابية وحزبية معينة إلى قاعدة ملزمة تتجاوز النص الدستوري.
لذلك، قد تكون انتخابات 2026 أكثر من مجرد سباق انتخابي على المقاعد. إنها قد تكون أيضاً مناسبة لإعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة:
هل الذي ينتصر في الانتخابات هو زعيم الحزب، أم الحزب نفسه؟
والفصل 47، في نهاية المطاف، يتحدث عن الحزب الذي تصدر الانتخابات، لا عن أمينه العام.
وربما تكون هذه هي المسألة الدستورية الأكثر إثارة التي يمكن أن تفرزها صناديق اقتراع 2026.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



