أكادير اليوم

المغرب والتضخم الحزبي…هل آن أوان الانتقال إلى نظام القطبين على غرار أمريكا وأوروبا

مع كل استحقاق انتخابي يتجدد نفس السؤال في الأوساط السياسية والإعلامية بالمغرب ، إلى متى سيستمر هذا التشتت الحزبي؟ ، فالمشهد السياسي الوطني اليوم يضم عشرات الأحزاب، بعضها عريق وبعضها وليد اللحظة، وتتقارب برامجها وتتداخل شعاراتها إلى درجة يصعب معها على المواطن العادي التمييز بينها.

هذا التضخم العددي لم يعد مجرد رقم في الإحصائيات، بل تحول إلى إرباك حقي يمس الحكامة والتمثيلية والفعل السياسي نفسه ، فهل حان الوقت للاستفادة من تجارب ديمقراطية راسخة في أوروبا والولايات المتحدة، والاتجاه نحو نموذج “الحزبين الكبيرين” يميني ويساري، أو على غرار النموذج الأمريكي: جمهوري وديمقراطي؟.

فاليوم يتجاوز عدد الأحزاب السياسية المعتمدة في المغرب حوالي 30 حزباً ، فنظرياً تعد التعددية غنى للديمقراطية ،لكن عملياً، نلاحظ توزيع الأصوات على عدد كبير من اللوائح، ما يفرز برلماناً ومجالس تضم تمثيليات ضعيفة وهشة، وتجعل تشكيل الأغلبيات الحكومية مهمة معقدة تتطلب تحالفات من 4 أو 6 أحزاب والنتيجة حكومات ائتلافية بطيئة في اتخاذ القرار ،فمن النادر أن يحصل حزب واحد على أغلبية برلمانية مريحة ، فتلجأ لتشكيل حكومات من 4 و 6 أحزاب ،وكل حزب يريد وزارته وبرنامجه، وكل قرار مصيري يخضع لميزان توافقات معقد ،والنتيجة بطء في اتخاذ القرار، وغياب رؤية موحدة، وصعوبة في محاسبة الحكومة ،فعندما تفشل سياسة عمومية، يرمي كل طرف المسؤولية على “شركاء الحكومة”.

وبدل أن تكون الأحزاب أطراً دائمة للتكوين والتأطير والنقاش العمومي، تحولت بعضها إلى دكاكين انتخابية تفتح أبوابها قبل 3 أشهر من الانتخابات، تجمع المرشحين،وتحول بعضها إلى مقاولات انتخابية موسمية، تظهر عند كل استحقاق ثم تختفي لسنوات وهذا يفرغ العمل الحزبي من مضمونه ويضعف الثقة في المؤسسات.

السؤال لم يعد: هل نريد حزبين فقط؟
السؤال أصبح: هل نريد الاستمرار في إدارة شأن عام معقد بـ 30 لاعباً ضعيفاً، أم نبني نظاماً بين قطبين قويين يتنافسان على خدمة الوطن و المواطن ويتحملان مسؤولية اختياراتهما؟

و مع تقارب البرامج الانتخابية، يغيب التمايز الإيديولوجي الواضح ، فتجد أحزاباً تصنف نفسها “وسط” و”وسط-يسار” و”وسط-يمين” دون فروق جوهرية في الطرح الاقتصادي والاجتماعي والمواطن يصوت للأشخاص لا للمشاريع.

فالنموذج المقترح هو الاستلهام من التجربتين الأمريكية والأوروبية،
ففي الولايات المتحدة، رغم وجود أحزاب أخرى، يهيمن حزبان كبيران: الديمقراطي اوالجمهوري ،هذا النموذج يضمن وضوح الخيارات أمام الناخب: أنت مع هذا التوجه أو ذاك.

وفي أوروبا، رغم التعددية، نجد أن الحياة السياسية منظمة غالباً حول قطبين أساسيين: يمين ويسار ، في فرنسا مثلاً، رغم التعدد، دارت الانتخابات الأخيرة أساساً بين كتلتين كبيرتين. في ألمانيا وبريطانيا، يتناوب حزبان كبيران على السلطة.

وما يميز هذه النماذج هو الوضوح والمسؤولية ، والناخب يعرف من يحاسب، والحزب الفائز يحكم بأغلبية واضحة ويتحمل كامل المسؤولية عن سياساته.

وكيف يمكن تطبيقه في المغرب ؟، الحديث هنا ليس عن “منع” التعددية بقرار إداري، فذلك يتناقض مع الدستور ،لكن يمكن التفكير في آليات ترشيدية تشجع على الاندماج والاصطفاف ،ومراجعة شروط تأسيس الأحزاب وتمويلها ورفع العتبة القانونية لتأسيس حزب جديد، وربط الدعم العمومي بالتمثيلية الفعلية في البرلمان والجماعات، سيجعل استمرار الأحزاب الصغيرة والهشة أمراً صعباً و تشجيع الأحزاب ذات المرجعيات المتقاربة على الاندماج في قطبين كبيرين ، قطب “يميني/محافظ” يركز على قيم السوق والاستقرار، وقطب “يساري/اجتماعي” يركز على العدالة الاجتماعية والدولة الاجتماعية.

ان الانتقال التدريجي نحو أنماط اقتراع تشجع على فرز أقطاب كبرى، مثل الاقتراع الفردي أو الجمع بين اللائحي والفردي.

وسوف يسال البعض و سيقول : أليس هذا إجهازاً على التعددية؟ الجواب: لا، الهدف ليس إلغاء التعدد، بل ترشيده ، حتى في أمريكا وبريطانيا توجد أحزاب صغيرة، لكنها لا تربك المشهد لأن اللعبة السياسية تدور فعلياً بين قطبين.

وسيقول آخرون: المجتمع المغربي متنوع جهوياً وثقافياً وسياسياً ،صحيح، وهذا التنوع يمكن أن يستوعبه قطبان كبيران عبر تيارات داخلية، تماماً كما يضم الحزب الديمقراطي الأمريكي تيارات تقدمية ومعتدلة، ويضم الجمهوري تيارات محافظة وليبرالية.

فالمغرب قطع أشواطاً مهمة في ترسيخ التعددية الحزبية منذ الاستقلال ،لكن الكثرة اليوم أصبحت ضد الكثرة، المواطن يريد خيارات واضحة، وحكومات قوية ومستقرة، ومعارضة منظمة.

فالاستفادة من التجربة الأوروبية والأمريكية لا تعني النسخ الحرفي، بل استلهام روحها ،حزبين كبيرين ببرنامجين متعارضين يتناوبان على تدبير الشأن العام، مع الحفاظ على هامش للتعددية.

ربما لم يحن الوقت لفرض “حزبين فقط” بالقوة، لكنه حان الوقت لفتح نقاش وطني جدي حول كيفية الانتقال من “تعددية العدد” إلى “تعددية الجودة” ، فالديمقراطية لا تقاس بعدد الأحزاب، بل بقدرتها على إنتاج بدائل حقيقية تحكم وتُحاسب.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto