الثقافة

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية الهجرة والفن:  الحسين كيلي… لما تكون الموسيقى هي جواز سفر نحو العالم(01)

  • د. خالد ألعيوض //

(الحلقة الأولى) تبدأ حكاية الفنان الحسين كيلي من الرباط، وبالضبط من حي يعقوب المنصور، حيث رأى النور سنة .1955 غير أن طفولته لم تكن عادية تماماً؛ فقد عانى في سنواته الأولى من مرض السل، الأمر الذي أخّر التحاقه بالمدرسة. وبعد تحسن حالته الصحية، التحق بمدرسة الأقواس الابتدائية بحي يعقوب المنصور ، ثم مدرسة المنظر الجميل بأكدال، ثم بعد ذلك إعدادية مولاي يوسف بالرباط إلى حدود السنة الثانية من التعليم الإعدادي، قبل أن تقوده ظروف الأسرة إلى مدينة أكادير،.
لم يكن توقفه عن الدراسة قراراً شخصياً أو تعبيراً عن عدم الرغبة في التعلم، وإنما كان جزءاً من اختيارات أسرية مرتبطة بظروف المرحلة. فقد كانت الأسرة تشتغل في مجال التعدين، ولذلك اتجه الحسين، مثل كثير من أبناء جيله، نحو تعلم حرفة تضمن له مستقبلاً مهنياً. وهكذا أصبح عاملاً ماهراً، واشتغل في عدد من الشركات بأكادير، ثم بمراكش.
لكن الحرفة لم تستطع أن تطفئ شيئاً آخر كان يكبر في داخله: الموسيقى.
من الموهبة إلى عشق الموسيقى
منذ طفولته، كانت الموسيقى تستوقفه وتستحوذ على اهتمامه. بدأت بالنسبة إليه كموهبة، ثم تحولت تدريجياً إلى شغف، قبل أن تصبح جزءاً من شخصيته ووجوده.
وكان الحسين يستحضر في وصف علاقته بالفن عبارة للشاعر والفنان الأمازيغي مولاي أحمد إحيحي:
“نتوت سو جنوي نباب نمارك “،
وهي العبارة التي يستعيدها الحسين باعتبارها صورة عن ذلك الجرح الجميل الذي يتركه الفن في صاحبه، حين لا يعود قادراً على الابتعاد عنه.
بدأ يتعلم العزف على الغيتارة، وبمرور الوقت لم تعد الآلة مجرد وسيلة للعزف، بل أصبحت لغة جديدة يكتشف من خلالها نفسه والعالم من حوله.
المسيرة الخضراء… الغيتارة في قلب الذاكرة الوطنية
ومن المحطات التي ظلت راسخة في ذاكرته المسيرة الخضراء، التي دعا إليها الملك الحسن الثاني رحمه الله سنة 1975، والتي شارك فيها نحو 350 ألف متطوع مغربي.
انضم الحسين إلى المتطوعين، لكنه حمل معه شيئاً مختلفاً عن المعتاد: غيتارته.

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية الهجرة والفن:  الحسين كيلي… لما تكون الموسيقى هي جواز سفر نحو العالم(01) - اكادير اليوم
ففي المساء، وبعد انتهاء أجواء المسيرة، كانت الموسيقى حاضرة بين المشاركين، وكان الحسين يعزف ويشارك في إحياء تلك الليالي التي تحولت، في ذاكرته، إلى جزء من تجربة وطنية وإنسانية وفنية في آن واحد.
وهنا يظهر مبكراً ذلك الارتباط الذي سيطبع مسيرته كلها: الموسيقى ليست ترفاً، وإنما وسيلة للتواصل، وبناء العلاقات، وصناعة الذاكرة.
عائلة الخزرجي… حين تصبح الصداقة مدرسة للموسيقى
بعد عودته من تجربة المسيرة الخضراء، ستأخذ حياته الموسيقية منحى أكثر وضوحاً، خصوصاً من خلال علاقته بعائلة الخزرجي، وبالأخص الأخوين الجيلالي الخزرجي وصلاح الدين الخزرجي.
لم تكن هذه العلاقة مجرد صداقة عابرة؛ فقد اعتبر الحسين عائلة الخزرجي بمثابة عائلته الثانية. وكان يتردد بين بيتهم في إنزكان ومنطقة الباطوار في أكادير، حيث وجد فضاءً ملائماً لممارسة الموسيقى والتعلم والاحتكاك.
وكان الجيلالي، الذي سبقه إلى عالم الموسيقى، من أبرز الذين أثروا في تكوينه. فمنه تعلم الكثير عن العزف، وعن الغيتارة تحديداً، وعن الموسيقى باعتبارها ممارسة تحتاج إلى الانضباط والاستمرار، وليس مجرد موهبة فطرية.
كانت تلك المرحلة أشبه بمدرسة موسيقية مفتوحة؛ أمسيات، عزف، تجارب، احتكاك بفنانين وموسيقيين، ثم اشتغال في بعض الفنادق الكبرى بأكادير، في فترة كانت فيها المدينة تعرف حركية فنية وسياحية مهمة.
” SAHARA ELECTRIQUE “… من العزف إلى روح المجموعة
وفي هذا المناخ الفني، انتقل الحسين من مرحلة التعلم والممارسة الفردية إلى مرحلة أكثر تنظيماً، من خلال المساهمة في تأسيس أولى تجاربه الجماعية، وفي مقدمتها فرقة SAHARA” ELECTRIQUE “، كانت الفرقة تشتغل في اتجاه موسيقي متأثر بالموسيقى الغربية، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة التي عاشتها أكادير، حيث كانت المدينة فضاءً مفتوحاً على أنماط موسيقية متعددة، وحيث كان الشباب يبحث عن أشكال جديدة للتعبير.
وبالنسبة إلى الحسين، لم تكن SAHARA ELECTRIQUE ” مجرد فرقة موسيقية، بل كانت مرحلة انتقالية مهمة: من الموهبة الفردية إلى التجربة الجماعية، ومن العزف للتعلم والاستمتاع إلى العزف باعتباره مشروعاً فنياً له ملامحه الخاصة.

مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية الهجرة والفن:  الحسين كيلي… لما تكون الموسيقى هي جواز سفر نحو العالم(01) - اكادير اليوم
تغازوت… أكادير التي فتحت نوافذها على العالم
ولفهم هذه المرحلة من حياة الحسين كيلي، لا بد من التوقف عند فضاء أكادير وتغازوت خلال السبعينيات.
فقد كانت المنطقة آنذاك تستقطب أعداداً من الشباب الأوروبي والأمريكي والإنجليزي، المرتبطين بثقافة الهيبيزم، بما حملته من شعارات السلام والحب ورفض الحرب، ومن أنماط مختلفة في اللباس والمظهر والحياة اليومية.
وكانت تغازوت، بمخيماتها وأجوائها المفتوحة، فضاءً للقاء بين شباب من خلفيات وثقافات مختلفة. وفي هذا المحيط وجد الحسين نفسه أمام مدرسة جديدة لا توجد في الكتب ولا في المؤسسات التعليمية: مدرسة الاحتكاك بالآخر.
من خلال هؤلاء الشباب، تعرف على لغات جديدة، خصوصاً الإنجليزية والألمانية، وتعرف على موسيقى عالمية كانت تصل إلى أكادير عبر التسجيلات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية. وكان برنامج “بوكي لأليفي حفيض”، كما يتذكر الحسين، من البرامج التي كانوا يتابعونها بشغف، لما كان يتيحه من نافذة على الموسيقى العالمية.
“تعلمنا منهم وتعلموا منا”
لم يكن التبادل في اتجاه واحد.
فالحسين ورفاقه كانوا يستمعون إلى The Beatles و Stevie Wonder وThe Rolling Stones وغيرها من الأسماء العالمية، ويتعلمون منها الألحان والإيقاعات وأساليب الأداء.
وفي المقابل، كانوا يقدمون للزوار والشباب الأجانب الموسيقى المغربية، خصوصاً تجربة ناس الغيوان والإخوة ميكري، ويشرحون لهم كلمات الأغاني ومعانيها وإيقاعاتها.
وهكذا تحولت الجلسات الموسيقية في تغازوت إلى نوع من الحوار الثقافي غير المكتوب: موسيقى تأتي من الغرب، وموسيقى تنبع من المغرب، وشباب يتبادلون الألحان واللغات والتجارب.
كان الحسين يعيش عملياً تجربة مبكرة من المزج الموسيقي والثقافي، قبل أن يصبح هذا المفهوم عنواناً بارزاً في تجارب الموسيقى العالمية.
لقد تعلم من الآخر، لكنه في الوقت نفسه كان يحمل إليه جزءاً من ثقافته. ولذلك يمكن اختصار تلك المرحلة بكلماتها لدالة:
“تعلمنا منهم وتعلموا منا”.
حين بدأ الفنان يصنع موسيقاه الخاصة
كل هذه التجارب لم تبق مجرد ذكريات في حياة الحسين كيلي؛ فقد بدأت شيئاً فشيئاً تعيد تشكيل شخصيته الفنية.
الغيتارة التي بدأ معها التعلم، والعائلة التي احتضنت موهبته، والأمسيات في أكادير، وتجربة المسيرة الخضراء، ولقاءات تغازوت، والاستماع إلى الموسيقى العالمية، والتعريف بالموسيقى المغربية أمام الشباب الأجانب، كلها كانت تصنع فناناً يتجاوز مرحلة التقليد نحو البحث عن صوته الخاص.
وفي لحظة حاسمة من هذا المسار، يقول الحسين:
“بدأت ألحن لنفسي”.
وهذه الجملة القصيرة تختصر تحولاً كبيراً في تجربته: فقد أصبح لا يكتفي بأداء ما يسمعه، وإنما بدأ يبحث عن موسيقاه هو، وعن طريقته الخاصة في التعبير.
الموسيقى جواز سفر
هكذا تشكلت البدايات الأولى للحسين كيلي بين الرباط وأكادير وإنزكان وتغازوت؛ بين المدرسة والحرفة، وبين الغيتارة والشارع، وبين العائلة والصداقة، وبين الموسيقى المغربية والموسيقى العالمية.
لم تكن الطريق مستقيمة، ولم يبدأ من معهد موسيقي أو من مسار أكاديمي متخصص، وإنما صنع تجربته من الحياة نفسها: من العمل، والاحتكاك، والاستماع، والصداقة، والسفر الداخلي بين الثقافات، ومن الإصرار على أن تتحول الموهبة إلى مشروع فني.
ومن هنا تكمن أهمية حكاية الحسين كيلي: فهو لم يحمل الغيتارة فقط، بل حمل معها ذاكرة جيل كامل عاش في أكادير في مرحلة كانت فيها المدينة تفتح أبوابها على العالم.
وبينما كانت الحرفة تمنحه وسيلة للعيش، كانت الموسيقى تمنحه لغة للوجود. وبينما كانت أكادير وتغازوت تفتحان أمامه نوافذ على ثقافات بعيدة، كان هو بدوره يفتح أمام الآخرين نافذة على المغرب وموسيقاه.
لقد بدأت الحكاية بغيتارة صغيرة وشغف يكبر يوماً بعد يوم، قبل أن تتحول الموسيقى إلى أكثر من فن؛ إلى جسر بين الثقافات، وإلى ذاكرة، وإلى هوية، وإلى جواز سفر نحو العالم.
الصور من أرشيف الحسين كيلي

د خالد العيوض مدير مركز تا سنا للدراسات. الابحاث.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto