
السيادة للمؤسسات لا للجوازات الأجنبية
شهد النقاش السياسي الإجتماعي المثار مؤخراً حول قرار القضاء الإسباني القاضي بتسهيل منح الجنسية للصحراويين المولودين في الإقليم قبل سنة 1975 موجةً من القراءات السريعة والتحليلات الانفعالية التي تتغذى على نظرية المؤامرة دفعت بالبعض إلى رسم لوحةً قاتمة مفادها أن مدريد التي خرجت من الباب العريض للصحراء سنة 1975 تعود اليوم للتسلل من النافذة عبر خلق كتلة بشرية أو لوبي من مواطنين إسبان يقطنون فوق التراب المغربي بهدف زراعة لغم موقوت في قلب مبادرة الحكم الذاتي وتفجيرها من الداخل كلما دعت الحاجة السياسية.
غير أن هذا الطرح على ما فيه من إثارة صحفية ومزايدة سياسية يسقط في فخ جهل مفاهيمي وأخلاقي حاد بين مفهوم الجنسية بوصفها رابطة قانونية وإدارية شخصية ومفهوم السيادة باعتبارها الحقيقة الصلبة الممتدة فوق الأرض.
فالجنسية في عمقها والقانوني هي علاقة فردية عمودية تربط الفرد بالدولة المانحة لها وتمنحه صفة المواطنة الإدارية التي تخول له حقوقاً شخصية محمية مثل الحصول على وثائق السفر أو التمتع بالرعاية القنصلية بالخارج.
إنها حالة قانونية تخص حرمة الشخص وتتبعه أينما حل وارتحل لكن لا تعطي لحاملها أي حصانة ضد القوانين الوطنية للبلد الذي يقيم فيه ولا تحوله إلى كيان فوق الدولة ولا تمنحه أي صلاحية تشريعية أو سياسية لمنازعة الدولة المستقرة في إقليمه.
في المقابل تتجلى السيادة باعتبارها علاقة أفقية حصرية بين الدولة وإقليمها الجغرافي…
فهي لا تُقاس بعدد حاملي الوثائق الإسبانية أو الفرنسية في هذا الشارع أو ذاك بل تُقاس بقدرة الدولة على فرض النظام العام وبناء التنمية وتدبير الشأن العام تحت علم واحد وسلطة واحدة.
وتاريخ القانون الدولي مليء بالأمثلة التي تُسقط هذه الفزاعة الإدارية فمنح فرنسا جنسيتها لمئات الآلاف من المواطنين الجزائريين أو الفيتناميين المقيمين في بلدانهم الأصلية بناءً على قوانين الإرث الاستعماري لم يُعطِ لباريس يوماً شأناً تشريعياً أو سيادياً فوق الجزائر أو هانوي.
كما أن منح بريطانيا جوازات السفر الخاصة بمواطني أقاليم ما وراء البحار لسكان “هونغ كونغ” عقب تسليمها للصين لم يمنح لندن مقعداً داخل الهياكل الحكومية الصينية ولا أعاد رسم الحدود السيادية للمدينة.
فالوثيقة الإدارية تُسافر مع الفرد، لكن الحدود والسيادة تظلان ملكاً خالصاً للدولة المستقرة فوق الأرض
من هنا يتضح تهافت المخاوف التي تروّج تلقيم الحكم الذاتي من الداخل إن الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب هو مبادرة سيادية نابعة من قوة الدولة وشرعيتها، والعملية السياسية والمشاركة المؤسساتية داخله ستخضعان حصراً للقوانين والضوابط المغربية حيث لا مكان للمواطنة الأجنبية للعب أي دور مؤسساتي أو انتفاضي.
إن الخلط العجيب بين حق الفرد في تسوية وضعه الإداري التاريخي وبين حق الدولة المطلق في تدبير إقليمها الوطني ينمّ عن تخوفات تجهل كيف تُدار جغرافيا الدول.
فلتمنح إسبانيا ما تشاء من الأوراق الإدارية لمن تشاء وليحمل المواطنون ما طاب لهم من وثائق السفر وفق خياراتهم الفردية فتلك مكاسب شخصية تعنيهم وحدهم…
أما الأرض، فتظل خاضعة للسيادة الوطنية التي تعلو ولا يُعلى عليها
السيادة التي تُصنع بالمؤسسات والأمن والتنمية على الأرض لا بالوثائق المستخرجة من قنصليات الأجانب…
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



