أكادير اليوم

المواطن الإسباني إبراهيم غالي… هل يخدم من داخل البوليساريو مشروعا إسبانيا مستمرا؟

  • الدكتور محمد الطيار //

في الوقت الذي يناقش فيه البرلمان الإسباني منح الجنسية الإسبانية لآلاف الصحراويين الذين ولدوا خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء، تبرز مفارقة سياسية وتاريخية لافتة وهي كون إبراهيم غالي، رئيس جبهة البوليساريو ورئيس مايسمى “بالجمهورية” ، كان قد سبق هؤلاء إلى الحصول على الجنسية الإسبانية منذ سنوات طويلة، في وقت كان فيه يشغل موقع ممثل البوليساريو في إسبانيا. وهذه المفارقة لا تتعلق بجنسية شخص واحد فقط، وإنما تفتح سؤالا أوسع حول طبيعة العلاقة بين غالي وإسبانيا، وحول الدور الذي يمكن أن يكون قد لعبه داخل معادلة المصالح الإسبانية في قضية الصحراء.

فإبراهيم غالي ليس شخصية ظهرت فجأة في المشهد الصحراوي. مساره يعود إلى الحقبة الاستعمارية الإسبانية، حيث خدم ضمن شرطة إقليم الصحراء التابعة للإدارة الإسبانية، قبل أن “ينتقل ” إلى العمل السياسي المناهض للاستعمار وينخرط في تأسيس جبهة البوليساريو. ومنذ ذلك الوقت، صعد داخل الجبهة حتى أصبح واحدا من أبرز قياداتها العسكرية والسياسية، وقد تولى في مرحلة حقيبة الدفاع.

غير أن اللافت هو أن العلاقة بين غالي وإسبانيا لم تنته بانتهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء. فعلى العكس، عاد الرجل إلى إسبانيا بعد عقود، ولكن هذه المرة بصفته ممثلا لجبهة البوليساريو. وبين عامي 1999 و2008، ظل غالي ممثلا للجبهة في إسبانيا، أي داخل الدولة التي كانت القوة الاستعمارية السابقة للصحراء، وفي مرحلة كانت فيها مدريد لا تزال تحتفظ بموقع مؤثر في ملف الصحراء وعلاقاتها مع أطراف النزاع.

ثم جاءت الجنسية الإسبانية لتضيف بعدا آخر إلى هذه العلاقة. ففي سنة 2004 أصبح إبراهيم غالي مواطنا إسبانيا، كما حصل لاحقا على بطاقة الهوية الوطنية الإسبانية، واستمر وضعه القانوني داخل إسبانيا لسنوات، وهو ما يعني أن رئيس جبهة انفصالية تتبنى مشروعا سياسيا ضد الوحدة الترابية للمغرب، هو مواطن اسباني يحمل جنسية الدولة التي كانت تدير الصحراء قبل انسحابها منها. و قد استمر ارتباطه القانوني بإسبانيا، وصولا إلى تجدد حضوره في المشهد الإسباني سنة 2021 عندما استقبلته السلطات الإسبانية للعلاج ، وقد كان الجدل السياسي والقانوني حول دخوله إلى الأراضي الإسبانية مرتبطا أيضا بكونه مواطنا إسبانيا.

الأمر هنا لا يتعلق فقط بجواز سفر أو بإقامة قانونية، وإنما بمسار كامل يجمع بين تجربة داخل مؤسسات الإدارة الإسبانية في الصحراء، ثم الانخراط في البوليساريو، ثم تمثيل الجبهة في إسبانيا لسنوات، ثم الحصول على الجنسية الإسبانية، ثم الوصول إلى قيادة الجبهة. إن اجتماع هذه العناصر في شخصية واحدة يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كان هذا المسار مجرد سلسلة من المصادفات السياسية، أم أنه يعكس تقاطعا أعمق بين مصالح غالي ومصالح إسبانية مرتبطة باستمرار نزاع الصحراء.

وهنا تبرز الفرضية التي تستحق النقاش وهي هل كان إبراهيم غالي، من داخل البوليساريو، يخدم مشروعا إسبانيا مستمرا؟

ومن هذه الزاوية، فإن استمرار غالي في قيادة البوليساريو كان مفيدا لإسبانيا بصورة موضوعية. فبقاء النزاع حول الصحراء مفتوحا يعني استمرار الحاجة إلى الدور الإسباني، ويمنح مدريد هامشا للتحرك بين المغرب والجزائر والبوليساريو والاتحاد الأوروبي. كما أن استمرار القضية في الواجهة يحافظ لإسبانيا على موقع خاص باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة التي ما زالت تحمل إرثا سياسيا وقانونيا وتاريخيا في هذا الملف، ويجعلها مستمرة في عرقلة مسار المغرب في استكمال وحدته الترابية.

وقد تكون أهمية غالي بالنسبة إلى هذا المشروع تحديدا في كونه يجمع بين عالمين، فهو من داخل البوليساريو، لكنه في الوقت نفسه مرتبط تاريخيا وقانونيا ومؤسساتيا بإسبانيا. وبذلك يمكن أن يؤدي وجوده في قيادة الجبهة وظيفة سياسية واستخباراتية تتجاوز شخصه، تتمثل في إبقاء أحد أهم خيوط النزاع المفتعل في الصحراء المغربية ، مرتبطا بالدولة التي كانت صاحبة السلطة الاستعمارية على الإقليم.

إن السؤال هنا ليس ما إذا كانت إسبانيا هي التي صنعت إبراهيم غالي . السؤال الأكثر واقعية والمطروح بقوة هو : هل استفادت إسبانيا من استمرار غالي في قيادة البوليساريو؟ وهل ساهم مساره داخل الجبهة، وعلاقاته الطويلة بإسبانيا، في الحفاظ على الدور الإسباني في قضية الصحراء؟ طيلة العقود الماضية .
واللافت أن النقاش الإسباني الحالي حول منح الجنسية للصحراويين يعيد إلى الواجهة العلاقة التاريخية بين إسبانيا وسكان الصحراء. وفي قلب هذا النقاش يقف رجل يحمل الجنسية الإسبانية منذ أكثر من عقدين، وفي الوقت نفسه يقود جبهة البوليساريو التي تمثل أحد أطراف النزاع حول الصحراء المغربية .

إن هذه المفارقة تستحق أكثر من مجرد الإشارة إليها. فهي تفرض إعادة النظر في مسار إبراهيم غالي نفسه ، من رجل عرف الإدارة الإسبانية من الداخل خلال الحقبة الاستعمارية، إلى قيادي في البوليساريو، ثم ممثل للجبهة في إسبانيا، ثم مواطن إسباني، وصولا إلى رئاسة الجبهة.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا… هل انتهى الدور الإسباني في الصحراء بانسحاب إسبانيا منها، أم أن بعض أدواته استمرت في العمل بأشكال جديدة داخل المشهد السياسي للبوليساريو؟ فضلا عن الدور الذي لعبته شبكات المجتمع المدني الإسباني في احتضان أنشطة البوليساريو وتوفير فضاءات سياسية وإعلامية لها يطرح بدوره سؤالا حول مدى استقلال هذه البيئة عن الحسابات الرسمية وغير الرسمية للدولة الإسبانية. وفي هذا السياق، يبرز غالي باعتباره شخصية جمعت بين المعرفة المباشرة بالإدارة الإسبانية، والعمل داخل البوليساريو، والتمثيل السياسي للجبهة في إسبانيا، ثم حمل الجنسية الإسبانية ؟.

و تظل الحقيقة الأكثر إثارة للتساؤل وهي كون رئيس جبهة البوليساريو، التي تقوم إحدى ركائز خطابها على مواجهة آثار المرحلة الاستعمارية ، هو نفسه مواطنا للدولة الاستعمارية السابقة.
وهذه المفارقة وحدها تكفي لطرح السؤال الذي لا يزال مفتوحا، المواطن الإسباني إبراهيم غالي… هل يخدم، من داخل البوليساريو، مشروعا إسبانيا مستمرا؟
وهل انتهى النفوذ الإسباني في الصحراء فعلا بانتهاء الإدارة الاستعمارية بتوقيع اتفاقية مدريد ، أم أن بعض أدواته انتقلت من الإدارة المباشرة إلى التأثير السياسي والاستخباراتي غير المباشر؟ .

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto