الرأي

التضامن أو نظام ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» في الثقافة الأمازيغية قراءة أنثروبولوجية في أبعاد قافلة الوفاء للفنان عمر بوتمزوغت

أكادير اليوم / بقلم جمال أوجدو 

 

يشكل التضامن إحدى القيم الإنسانية التي رافقت المجتمعات في مختلف مراحل تطورها، غير أن هذه القيمة تكتسب داخل الثقافة الأمازيغية أبعاداً خاصة، من خلال نظام ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» الذي يقوم على العمل الجماعي والتعاون وتقاسم المسؤولية، ويجعل من الفرد جزءاً من الجماعة، ومن الجماعة فضاءً لإنتاج قيم التآزر والتكافل.

فـⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» ليست مجرد مساعدة ظرفية أو فعل عابر، وإنما هي روح جماعية تقوم على تجميع الإرادات والجهود حول غاية مشتركة، بما يجعلها قيمة ثقافية قابلة لإعادة الإنتاج داخل سياقات اجتماعية جديدة. ومن هنا، فإن استحضار ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» في الزمن المعاصر يفتح سؤالاً حول أشكال التضامن الجديدة، وكيف يمكن للقيم الثقافية الموروثة أن تجد لنفسها امتدادات داخل مجالات مختلفة، ومنها المجال الثقافي والفني.

وفي هذا السياق، تكتسب قافلة الوفاء للفنان الأمازيغي عمر بوتمزوغت دلالات تتجاوز حدود المبادرة الإنسانية الآنية، لتتحول إلى لحظة ثقافية ورمزية تعيد طرح أسئلة الإنسان والفنان والذاكرة الفنية، كما تطرح سؤال علاقة الفنان بالمجتمع، ومسؤولية المؤسسات والفاعلين الثقافيين والإعلاميين تجاه المبدع الذي ساهم في حمل جزء من الذاكرة الفنية والثقافية من جيل إلى آخر.

وانطلاقاً من المعاينة الميدانية لهذه القافلة، يمكن الانتقال من مجرد تسجيل الحدث إلى مساءلته معرفياً وثقافياً، باعتباره حالة تكشف عن استمرار قيم التضامن، وعن قدرة الثقافة على إعادة إنتاج موروثها الرمزي داخل المجتمع المعاصر.

ومن هنا يطرح هذا المقال سؤالاً مركزياً: كيف يمكن فهم قافلة الوفاء للفنان عمر بوتمزوغت باعتبارها شكلاً معاصراً من أشكال ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة»؟ وكيف انتقل التضامن من مبادرة محدودة إلى فعل جماعي يستحضر الإنسان والفنان والذاكرة الفنية؟ كما ترتكز هذه القراءة على اربع محاور رئيسية

أولاً: التضامن كفعل جماعي إنساني

يُعد التضامن ممارسة اجتماعية وثقافية تعكس طبيعة العلاقات التي تربط الفرد بالجماعة، وتكشف عن قدرة المجتمع على إنتاج أشكال من التعاون والتآزر في مواجهة مختلف الظروف.

وفي الثقافة الأمازيغية، يمثل نظام ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» أحد النماذج البارزة لهذا الفعل الجماعي، حيث تتقاطع فيه قيم التعاون وتقاسم المسؤوليات والمساعدة المتبادلة، ولا تكون الغاية مقتصرة على النتيجة المادية للعمل، وإنما تمتد إلى الروح التي تنتجه، أي روح الجماعة التي تجمع الإرادات حول هدف مشترك.

وبهذا المعنى، فإن قيمة ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» لا تكمن فقط في عدد الأشخاص المشاركين، وإنما في طبيعة العلاقة التي تنشأ بينهم، وفي الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الآخر.

وتظهر قافلة الوفاء في هذا السياق باعتبارها فضاءً تتفاعل داخله مجموعة من القيم والرموز والعلاقات الإنسانية. فالحضور الجماعي إلى جانب الفنان في لحظة صعبة يعبر عن استمرار روابط اجتماعية وثقافية تتجاوز الفرد، وتؤكد أن الإنسان لا يمكن اختزاله في حضوره المادي أو في إنتاجه الفني فقط، وإنما هو جزء من ذاكرة جماعية تتطلب الرعاية والاعتراف.

ثانياً: من الخبر إلى المبادرة: ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ بين الذاكرة الثقافية والوعي الجمعي

لم تكن قافلة الوفاء للفنان عمر بوتمزوغت المبادرة الأولى في تاريخ المجال الفني، كما أنها ليست حالة معزولة عن سياق ثقافي واجتماعي أوسع؛ فقد عرف الوسط الفني المغربي، في محطات مختلفة، مبادرات تضامنية تجاه فنانين ومبدعين واجهوا ظروفاً صحية أو اجتماعية صعبة.

وتكمن أهمية هذه الملاحظة في أن ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة»، في عمقها الرمزي والمعنوي، ليست فعلاً مستحدثاً، وإنما هي سلوك جماعي متجذر في الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الأمازيغية. وما يحدث في السياق المعاصر هو نقل لجوهر قيمة ثقافية من مجال تقليدي إلى مجال اجتماعي وثقافي جديد.

فقد انتشر خبر مرض الفنان عمر بوتمزوغت في البداية في نطاق محدود بين المقربين وبعض المهتمين، قبل أن يعرف تدريجياً انتشاراً أوسع بين فئات مختلفة من المجتمع. ولم يكن انتشار الخبر غاية في ذاته، وإنما ارتبط، في مساره، بالبحث عن كيفية تحويل المعرفة بالحالة إلى فعل إنساني تضامني.

وقد لعبت العناصر الثقافية والإعلامية دوراً في ضبط مسار الخبر، من خلال نشر المعطيات المتاحة وفق ما تقتضيه أخلاقيات المهنة وحقوق الشخص المعني، مع ضرورة احترام خصوصيته، وعدم تحويل الوضع الصحي للإنسان إلى مادة للاستغلال أو الإثارة.

ومن هنا، فإن المبادرة في حد ذاتها تصبح رافداً من روافد التضامن الجماعي، لأنها تنقل العلاقة بالآخر من مجرد التعاطف إلى المشاركة الفعلية في مواجهة الصعوبات التي يمكن أن يواجهها الإنسان، سواء كان فاعلاً فنياً أو ثقافياً أو فرداً داخل الجماعة.

كما أن التفكير في المبادرة تجاه الفرد، قبل النظر إليه باعتباره فاعلاً فنياً أو ثقافياً، يرتبط بمعيار أوسع هو التضامن مع الإنسان في مواجهة ما يعتري الحياة من أزمات صحية ونفسية واجتماعية وإنسانية.

وعليه، فإن المبادرة تجاه عمر بوتمزوغت هي في الوقت نفسه مبادرة تجاه الإنسان، وتجاه الفنان، وتجاه العمل الإبداعي والذاكرة الفنية التي ساهم في حملها.

وقد عرف تاريخ الفن المغربي مبادرات تضامنية سابقة شملت أسماء فنية من أجيال مختلفة، من بينها الغازي بناصر، ومحمد مغني، ومحمد رويشة، والمايسترو الحسين أشيبان، ويامنة نعزيز، وتفارسيت، وغيرها من الأسماء التي ارتبطت بذاكرة فنية امتدت عبر مختلف مناطق المملكة. واستحضار هذه النماذج لا يعني مساواتها من حيث السياقات والظروف، وإنما يوضح أن الفعل التضامني تجاه الفنان له امتداد داخل الذاكرة الفنية المغربية.

ومن هذه الزاوية، فإن ما جرى مع عمر بوتمزوغت يمكن إدراجه ضمن سياق أوسع من المبادرات التي استجاب فيها الوسط الفني والاجتماعي لحاجة الفنان إلى المؤازرة.

وتزداد دلالة هذا الفعل حين نربطه بمفهوم العُرف داخل المجتمعات الأمازيغية؛ فالعرف ليس مجرد مجموعة من القواعد التنظيمية، وإنما يمثل، في عدد من السياقات، آلية اجتماعية لتنظيم العلاقات وتحديد المسؤوليات وضبط العلاقة بين الفرد والجماعة. وقد شكلت الأعراف الأمازيغية موضوعاً أساسياً في الدراسات الإثنوغرافية والأنثروبولوجية، ومن النماذج المعروفة ما سجلته الدراسات حول أعراف القبائل الأمازيغية، ومنها ما ارتبط بقبائل زيان.

وفي هذا المستوى، يمكن فهم ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» باعتبارها بنية ثقافية للتضامن، تقوم على الوعي بأن الجماعة لا تترك فرداً منها يواجه حاجته أو محنته منفرداً.

ولذلك فإن انتقال هذه القيمة من سياقها التقليدي إلى المبادرة المعاصرة لا يعني انقطاعاً مع الماضي، وإنما يكشف عن استمرار الذاكرة الثقافية داخل الوعي الجمعي، وقدرتها على إنتاج أشكال جديدة من التضامن وفق حاجات المجتمع وتحولاته.

إن قافلة الوفاء، بهذا المعنى، لم تكن مجرد استجابة لوضعية فردية، وإنما كانت تعبيراً عن وعي جمعي بأهمية المبادرة، وعن قدرة الفاعلين على تحويل التعاطف إلى حضور، والحضور إلى فعل، والفعل إلى رسالة إنسانية وثقافية.

ومن ثم، فإن نجاح المبادرة في إخراج الفنان من دائرة الوحدة والعزلة إلى فضاء الجماعة يحمل دلالة رمزية عميقة؛ إذ أصبح الفنان، في لحظة التضامن، محاطاً بجماعته الفنية والثقافية، باعتباره جزءاً من ذاكرة جماعية، وليس ملكاً لتجربة فردية معزولة.

وهنا تقترب المبادرة من جوهر ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة»: الجماعة تستعيد الفرد، والفرد يستعيد موقعه داخل الجماعة.

ثالثاً: ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ باعتبارها بنية ثقافية للتضامن

تقوم ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» على مبدأ بسيط في ظاهره، لكنه عميق في دلالته الثقافية: أن حاجة الفرد يمكن أن تتحول إلى مسؤولية جماعية.

وهذا المبدأ يجعل ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ أكثر من مجرد تعاون مادي؛ إنها بنية من العلاقات والقيم والرموز والمسؤوليات التي تجعل الجماعة طرفاً في مواجهة ما يعترض أحد أفرادها من حاجات أو صعوبات.

وتتضح هذه الدلالة في التعبير الأمازيغي الوارد في أعمال الشاعر والفنان الأمازيغي ميمون أورحو:

ⵜⴰⵖⵎⴰⵜ ⵜⴳⴰ ⴰⵎ ⵜⵜⴰⵊⵉⵏ ⵃⴹⵓⵜ ⵙ ⵡⴰⵎⴰⵏ، ⴰⵡⴰ ⴳⴰⵙ ⴰ ⵜⵀⵓ ⵜⴰⴼⵜ ⵉⵛⴳⴰⵍ ⴷⵉⵙ ⵡⴰⴼⴰ.

وتحيل ⵜⴰⵖⵎⴰⵜ «تاغمات» هنا إلى العائلة، ويمكن توسيع دلالتها في السياق الثقافي إلى الجماعة، بل وإلى العائلة الفنية باعتبارها جماعة رمزية ومهنية تقوم على روابط الانتماء والتجربة والذاكرة المشتركة.

ولا تقف دلالة ⵜⴰⵖⵎⴰⵜ «تاغمات» عند معنى العائلة فقط، وإنما ترتبط أيضاً بمعنى المسؤولية تجاه أفرادها. ومن هنا يمكن وصلها بمفهوم ⵜⴰⵏⴱⴰⴹⵜ «تانباضت»، باعتبارها إحالة إلى المسؤولية وتحملها داخل الجماعة.

وهذا التقاطع بين العائلة، والجماعة، والمسؤولية يسمح بفهم أعمق للبنية الثقافية التي تستند إليها ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة». فالجماعة ليست مجرد تجمع بشري، وإنما هي فضاء للانتماء والمسؤولية والتكافل.

وعندما تنتقل هذه الدلالة إلى المجال الفني، يصبح من المشروع الحديث عن العائلة الفنية بوصفها جماعة تتقاسم ذاكرة مشتركة وتجربة فنية ورمزية، وتتحمل مسؤولية الاعتراف بمن ساهموا في بناء هذه الذاكرة.

ومن هنا يمكن قراءة قافلة الوفاء باعتبارها ممارسة معاصرة أعادت تفعيل هذه البنية الثقافية داخل المجال الفني. فالفنان لم يعد فرداً منفرداً في مواجهة ظرفه، وإنما أصبح جزءاً من جماعة تستعيد مسؤوليتها تجاهه.

وهنا تكمن قوة ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» في بعدها الرمزي: إنها تحول المسؤولية من صيغة فردية إلى مسؤولية جماعية، ومن الإحساس بالحاجة إلى الاستجابة لها، ومن التعاطف إلى الفعل.

وبهذا المعنى، فإن التضامن ليس مجرد سلوك اجتماعي منفصل عن الثقافة، وإنما هو فعل ثقافي مركب تتداخل فيه القيم والذاكرة والعرف والانتماء والمسؤولية والرمز.

رابعاً: من «أنا» الفن إلى «نحن» الجماعة: من التعبير عن العزلة إلى قافلة الوفاء

يمكن استحضار العبارة المنسوبة إلى كلود برنار: «الفن هو أنا والعلم هو نحن»، باعتبارها مدخلاً تأملياً إلى ثنائية الذات والجماعة، حيث تحيل عبارة «العلم هو نحن» إلى الجماعة باعتبارها فضاءً للتفاعل والتكامل وإنتاج المعرفة.

ومن هذه الزاوية، يصبح الفن تعبيراً عن الذات، لكنه لا ينفصل عن الجماعة التي تمنحه معناه وسياقه الثقافي والاجتماعي. فالفنان قد ينطلق من تجربته الخاصة، غير أن هذه التجربة تتحول، من خلال الأغنية، إلى خطاب يتقاطع مع تجارب الآخرين وأسئلتهم وانشغالاتهم.

وفي تجربة عمر بوتمزوغت، يمكن الوقوف عند بعض التعبيرات الغنائية التي تكشف عن وعي بالتحولات التي مست العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وما صاحبها من تغير في طبيعة الروابط بين الإنسان وأسرته ومحيطه وأصدقائه.

إن التعبير الغنائي عن العزلة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد إحساس فردي، وإنما يمكن النظر إليه بوصفه تعبيراً عن تحولات أوسع في العلاقات الإنسانية، وعن تراجع بعض أشكال الروابط التقليدية، وما ينتج عن ذلك من شعور بالوحدة والاغتراب.

ومن هنا، فإن الأغنية تتحول إلى سجل ثقافي يرصد تحولات المجتمع، ويطرح سؤال الإنسان وعلاقته بالجماعة.

ولعل هذه المفارقة هي التي تمنح قافلة الوفاء قيمتها الأنثروبولوجية والثقافية؛ فكما تحيل العبارة المنسوبة إلى كلود برنار إلى العلاقة بين الذات والجماعة، فإن الفنان عبّر عن سؤال الجماعة في أغنيته، بينما أجابت الجماعة عن سؤال الفنان في الواقع.

فالفنان الذي عبّر فنياً عن سؤال العزلة، وجد نفسه في لحظة من حياته أمام وضعية يمكن أن تعيد إنتاج هذا السؤال، غير أن قافلة الوفاء جاءت لتعيد بناء المعنى من جديد: لم يكن الفنان وحده، ولم تتركه الجماعة في مواجهة محنته بمعزل عنها.

وهكذا انتقلت الذات الفنية من التعبير عن العزلة إلى فضاء «نحن»، حيث أعادت الجماعة إنتاج معنى الحضور والوفاء والتضامن.

وتكتسب أغنية «يما يما»، التي ظلت حاضرة في الذاكرة الفنية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، دلالة إنسانية إضافية داخل هذا السياق؛ إذ لم تعد الأغنية مجرد عمل فني محفوظ في الذاكرة، وإنما أصبحت جزءاً من تجربة إنسانية تتقاطع فيها الأغنية مع الواقع.

فإذا كانت الأغنية قد سجلت، في لحظة ما، سؤال العلاقات الإنسانية والعزلة، فإن قافلة الوفاء أعادت في الواقع إنتاج نقيض هذه العزلة، من خلال الحضور الجماعي والاحتضان الإنساني.

وهنا تتقاطع ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة» والروح الجماعية والرمز الثقافي؛ فالقافلة أصبحت فعلاً معاصراً يعيد تفعيل روح ⵜⴰⵡⵉⵣⴰ «تويزة»، بينما تحول عمر بوتمزوغت إلى رمز من رموز الذاكرة الفنية التي تستحق أن تُصان وهي حية.

ومن ثم، يمكن القول إن الفنان عبّر عن سؤال الجماعة في أغنيته، والجماعة أجابت عن سؤال الفنان في الواقع.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto