
أوزود… سيدة الأطلس
- د. خالد ألعيوض //
كانت الرحلة إلى أوزود أكثر من مجرد انتقال في الجغرافيا؛ كانت رحلة في الذاكرة، وفي طبقات المكان، وفي الحكايات التي تختزنها الجبال.
انطلقت من سوس، من جبال الأطلس الصغير والكبير، من ذلك المجال الذي ظل على امتداد التاريخ خزانًا للثقافة والقيم والذاكرة المغربية. مررت عبر مراكش، المدينة التي لا تزال جدرانها وأزقتها تحكي شيئًا من قصة المرابطين، ثم واصلت الطريق في اتجاه أزيلال، حيث يبدأ الأطلس في الكشف عن وجه آخر من وجوه المغرب: وجه الجبل، والماء، والقرى المعلقة في السفوح، والطبيعة التي تبدو وكأنها لم تنته بعد من كتابة حكايتها.
هناك، في قلب هذا المشهد، تظهر أوزود.
أوزود ليست مجرد شلالات؛ إنها مكان التصقت به حكاية الإنسان والطبيعة، وحيث يصبح الماء ذاكرة متدفقة. شلالات تنحدر في مشهد أخاذ، ومنابع وعيون تمنح الحياة للماء قبل أن يتحول إلى ذلك السيل الجميل الذي يأسر العين.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن أوزود أنها استطاعت أن تجعل من الجبل فضاءً للثقافة، وأن تنتقل من مجرد مكان جميل إلى عاصمة للجبال.
فمنذ أربع سنوات اختار منظمو مهرجان السينما والجبل أوزود لتكون فضاءً يلتقي فيه جبل المغرب بجبال العالم: جبال الهمالايا، وجبال إفريقيا، وأسيا وغيرها من الجبال التي تحمل كل واحدة منها تاريخها وأساطيرها وأسئلتها.
كل جبل له حكايته، وكل سلسلة جبلية لها مسارها وذاكرتها. لكن أوزود كانت هي الملتقى.
لذلك وجدتني أسميها، في داخلي، سيدة الأطلس.
فهي لم تكتفِ بجمال طبيعتها، بل أصرت على أن تجعل من قريتها موطنًا للثقافة. ومن أجمل ما يلفت الانتباه في هذه التجربة أن التنمية لم تكن منفصلة عن الثقافة. فقد أُنشئ الفندق بهندسة معمارية مغربية أصيلة، وجرى الاهتمام بتأهيل المجال، والإنارة والماء والكهرباء، وبمقومات التنمية الجبلية التي كانت المنطقة في حاجة ماسة إليها.
ومن هذا التراكم ولد المهرجان، وانطلقت حكايته.
وكان لي أن أحضر الدورة الرابعة، فأعيش تفاصيلها عن قرب، بين مخرجين ومثقفين ونقاد ومهتمين بالشأن الثقافي. كان من بينهم المخرجان داوود أولاد السيد وحسن بن جلون، إلى جانب أسماء ثقافية وفكرية مثل حسن طارق ونور الدين أفاية، وممثلين عن الأندية والفضاءات الثقافية، من بينهم عثمان أشقرا، منسق الفضاءات الثقافية، وعبد الإله الجوهري، الذي تولى تنسيق الإشراف على العروض السنيمائية .
كانت السينما حاضرة بقوة، لكن الجبل كان هو البطل الحقيقي.
أفلام كثيرة اقتربت من تيمة الجبل، وحاولت أن تنظر إليه لا باعتباره مجرد خلفية للصورة، بل باعتباره شخصية قائمة بذاتها؛ مكانًا يصنع الإنسان، ويحتفظ بالذاكرة، ويقاوم النسيان.
وكانت الندوات امتدادًا لهذه الرؤية. من تيمة الجبل في السرد المغربي التي اشتغل عليها مختبر السرد برئاسة شعيب حليفي، إلى الدرس الافتتاحي والندوة التي قدمها الدكتور حسن طارق حول الهوية الوطنية والسرد الوطني والسينما، مرورًا بندوة دور الصناعة السينمائية في استراتيجية التنمية المجالية المندمجة، حيث قدم الخبير عبدالعزيز عديدي عرضا حول تأصيل المفاهيم، وحاول السوسيولوجي عبد الفتاح الزين البحث عن «حصان طروادة» ومفعول ورزازات، وصولًا إلى عبد العالي مستور الذي أراد أن يجعل من الجبل مركزًا لا هامشًا، ثم الشرايبي الذي اقترب من الموضوع بعين المخرج، متحدثًا عن السينما والجبل.
أما مداخلتي، فكانت محاولة لفتح نافذة على جبال الأطلسين الصغير والكبير باعتبارهما خزانًا للثقافة، ومنبعًا للقيم، وفضاءً تشكلت فيه الكثير من الملامح الجميلة للمجتمع المغربي.
قلت إن الجبل ليس فقط تضاريس وارتفاعات، وإنما ذاكرة حية. والسينما التقطت جزءًا من هذه الذاكرة.
وحين تحدثنا عن زلزال الأطلس الكبير في شتنبر 2023، لم يكن الحديث عن كارثة طبيعية فقط، بل عن أماكن وقرى ومعالم وهندسة معمارية جميلة فقدها المغرب إلى الأبد. غير أن ما فقدناه في الواقع بقي محفوظًا في الذاكرة البصرية؛ في الصور والأفلام والأشرطة الوثائقية التي التقطت تفاصيل الأمكنة قبل أن تتغير.
هنا تصبح السينما، بطريقة ما، أرشيفًا للمكان، وتصبح الكاميرا شاهدة على ما قد لا يستطيع الزمن إعادته.
متحف الذاكرة… حين يصير الجبل كتابًا مفتوحًا
ومن بين الأمكنة التي ظلت عالقة في ذاكرتي، فضاء آخر لا يمكن المرور به مرورًا عابرًا: متحف الذاكرة، أو فضاء الثقافة، الذي أسسته الدكتورة بهيجة سيمو، رئيسة جمعية «صوت الجبل» ومديرة مهرجان السينما والجبل.
هنا شعرت أن الرحلة إلى أوزود لم تعد رحلة في المكان فقط، وإنما أصبحت رحلة في الزمن.
فهذا الفضاء يحكي قصة الأطلس من خلال الإنسان وإبداعاته، ويقدم الحياة اليومية لأبناء الجبل كما عاشوها وكما تناقلوها من جيل إلى جيل. هنا الحرث والدرس وجمع المحاصيل، وهنا وسائل التخزين وأدوات المعيشة، وكل ما كان يؤثث الحياة اليومية ويمنحها خصوصيتها.
ثم ننتقل إلى عالم المرأة، حيث تتحدث الحلي والنسيج والصوف عن نساء الجبل أكثر مما يمكن أن تقوله الكلمات. الجلباب الصوفي، والألبسة المرتبطة بالمناخ الجبلي، والصناعات التقليدية، والمجوهرات الفضية، كلها تبدو وكأنها صفحات من كتاب قديم مفتوح أمام الزائر.
وفي كل قطعة حكاية؛ في كل نقش معنى، وفي كل زخرفة ذاكرة.
لكل رسم حكاية، ولكل تعبير قصة.
وأنت تتأمل هذه الأشياء، تشعر أنك لا تنظر إلى مصنوعات تقليدية، وإنما إلى رموز ظلت تقاوم الزمن، وتحمل معها هوية المكان وذوق أهله وطرائق عيشهم.
ثم يأخذك المتحف إلى عالم الفرس والفروسية، إلى فضاء ارتبط بتاريخ المنطقة وبالفرسان الذين ظلوا جزءًا من الذاكرة المغربية. فالفرس في المغرب ليس مجرد وسيلة للتنقل؛ إنه جزء من المخيال، ومن الاحتفال، ومن القوة والهيبة، ومن تاريخ القبائل والمواسم.
ومن الفرس ننتقل إلى المزارات والأضرحة والزوايا، تلك المؤسسات التي لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل كانت، في مراحل طويلة من تاريخ المجتمع المغربي، ذاكرة وجامعة وفضاءً للصلح والتحكيم. فيها كان الناس يتعلمون، ومنها انتشرت المعرفة، وفيها كان يمكن أن تُحل النزاعات والمشاكل اليومية بين أبناء المجتمع.
وهكذا يكشف المتحف أن الجبل لم يكن يومًا فضاءً معزولًا؛ كان ينتج المعرفة، ويصنع التقاليد، ويؤسس علاقاته الاجتماعية، ويطور أشكالًا خاصة في تنظيم الحياة.
حتى الأرض نفسها تتحدث.
ففي هذا الفضاء حضور للآثار القديمة، ومنها ما يرتبط بالديناصور الذي عُثر عليه في هذه الجبال، في تذكير بأن تاريخ المغرب لا يبدأ من الذاكرة البشرية وحدها، وإنما يمتد عميقًا في تاريخ الأرض نفسها.
إنها عراقة تتجاوز الإنسان لتصل إلى تاريخ الأرض والزمن السحيق.
ثم يصل الزائر إلى جناح آخر شديد الرمزية: الجناح المخصص للملكية المغربية، حيث تمتد الذاكرة من السلاطين العلويين وأدوارهم في الحفاظ على وحدة الوطن والدفاع عن حوزته، إلى مرحلة الكفاح من أجل التحرير مع الملك محمد الخامس، ثم ملحمة المسيرة الخضراء في عهد الملك الحسن الثاني، وصولًا إلى عهد الملك محمد السادس.
وهنا تصبح الذاكرة الوطنية جزءًا من ذاكرة الجبل، ويصبح المحلي متصلًا بالوطني، وتصبح حكاية القرية جزءًا من حكاية المغرب.
ولعل ما يزيد هذا الفضاء جمالًا أن الذاكرة لم تُترك مبعثرة؛ فقد جرى تنظيمها في هندسة بصرية ومعمارية دقيقة، أشرف عليها خبير دولي، ولذلك بدا لي التصميم منذ اللحظة الأولى بمواصفات دولية، وهو بالفعل ما كان.
إنه فضاء يعرف كيف يجعل من القطعة المعروضة جزءًا من قصة، ومن القاعة مسارًا، ومن الذاكرة تجربة يعيشها الزائر لا مجرد معلومات يقرأها.
وفي أعلى هذا الصرح، حيث يبدو أن الثقافة تسمو دائمًا نحو الأعلى، توجد المكتبة.
مكتبة جميلة تضم مصنفات وكتبًا، وهي مفتوحة أمام الطالبات والطلبة من أبناء أوزود، وكأن المشروع لا يكتفي بحفظ ذاكرة الماضي، وإنما يريد أن يصنع قارئ المستقبل.
وهنا تكمن إحدى أجمل دلالات هذا المشروع: الذاكرة ليست مقبرة للماضي، وإنما جسر نحو المستقبل.
والمشروع لم يتوقف عند المتحف والمكتبة.
فالمهرجان ينتظر اكتمال قاعة السينما التي شرع في بنائها، حتى تصبح لأوزود سينماها الخاصة في قلب الجبل.
وحين تكتمل هذه العناصر، سيكون المشهد أكثر وضوحًا: مهرجان للسينما والجبل، وقاعة سينما، ومتحف للذاكرة، ومكتبة، وطبيعة خلابة.
ثقافة وصورة وذاكرة وطبيعة في فضاء واحد.
وهنا لا يمكن إلا أن نتوقف عند المرأة التي كانت وراء هذا المشروع، ابنة الجبل، الدكتورة بهيجة سيمو، التي استطاعت أن تحول علاقتها بالمكان إلى مشروع ثقافي يتجاوز حدود القرية والمنطقة.
لقد بدا لي أن أوزود لم تعد تستقبل الثقافة فقط، بل أصبحت تنتج فضاءً ثقافيًا من داخل الجبل.
وهذا هو المعنى الأعمق للمشروع: أن يأتي أبناء الجبل من داخله ليعيدوا اكتشافه، وأن تتحول الذاكرة المحلية إلى مؤسسة ثقافية، وأن يصبح ما كان يُنظر إليه باعتباره هامشًا قادرًا على إنتاج مشروع يضاهي، في هندسته ورؤيته، المشاريع الثقافية الكبرى.
ولم يكن المهرجان ندوات وأفلامًا ومتحفًا فقط. كانت النقاشات تستمر حول موائد الفطور والغداء والعشاء، وكأن الثقافة في أوزود لا تنتهي بانتهاء الجلسة الرسمية.
كانت تمتد إلى المائدة، إلى الحديث العابر، إلى الاختلاف، إلى الضحك، وإلى تلك اللحظات التي يصبح فيها المثقف والفنان والمخرج والباحث أبناء فضاء واحد.
وكانت الموسيقى تؤثث الأمسيات: موسيقى الأطلس، وموسيقى زيان، وعبيدات الرما، وغيرها من الوصلات الفنية التي منحت المكان دفئًا خاصًا، وجعلت الليل الجبلي أكثر قربًا من الروح.
وفي ختام هذه الرحلة الثقافية، ذهبت الجائزة الكبرى إلى عائلة بن جلون، حيث اجتمع الأب حسن والابن علي في تجربة تجمع كتابة السيناريو بالإخراج، واختارا لفيلمهما عنوان “كوندافا”، في إحالة واضحة إلى هذه المنطقة التي تحمل ذاكرة الزلزال وقوة الحياة في مواجهة الموت.
الفيلم يقترب من الحب والحياة والموسيقى والعادات والتقاليد، ومن ذلك الموروث الذي ظل صامدًا في وجه تيارات حاولت أن تأتي من الشرق لتحرم الناس من بعض تفاصيل حياتهم وثقافتهم.
لكن الانتصار، في النهاية، كان للحياة.
وهذا ربما هو الدرس الأجمل الذي يمكن أن تمنحه الجبال: أنها تتعرض للانكسار، لكنها لا تتوقف عن إنتاج الحياة.
بحر الفقراء… حين يصنع الجبل شاطئه
وبعيدًا عن قاعات السينما والندوات، كانت لي مع أوزود حكاية أخرى.
حكاية الماء.
زرت الشلالات، وتتبعت منابعها وعيونها، واكتشفت أن الشلال الذي يبهرنا في الأسفل يبدأ حكايته من عيون صغيرة، تكاد تبدو متواضعة، لكنها تحمل سر الحياة.
هناك أدركت أن الماء ليس منظرًا طبيعيًا فقط؛ إنه اقتصاد، وفرصة، وذاكرة، ومصدر للفرح.
وعند منابع الشلال اكتشفت ما أسميته “بحر الفقراء”.
بحر بلا شاطئ، وبلا مصايف فاخرة، وبلا فنادق كبيرة.
بحر صنعه الناس البسطاء لأنفسهم في قلب الجبل.
نساء ورجال وشباب وأطفال، وأسر صغيرة صنعت من المكان موردًا للرزق. خيام بسيطة تُكرى بأثمان زهيدة، وأكواب الشاي، والمسمن، وبعض الأكلات الشعبية، وجلسات المساء التي تجمع الناس حول الماء.
وفي الوادي، كان الأطفال والشباب يسبحون، يضحكون، ويستمتعون بالماء والطبيعة.
لم يحتاجوا إلى البحر.
لقد صنعوا بحرهم بأنفسهم.
بحر الفقراء في قلب الأطلس.
وهو بحر لا تقاس قيمته بما ينفق فيه، وإنما بما يمنحه من فرح.
هناك، عند شلالات أوزود، فهمت أن التنمية يمكن أن تبدأ من أشياء بسيطة: ماء يتدفق، وطبيعة محفوظة، وإنسان يعرف كيف يحول جمال المكان إلى حياة ورزق وذاكرة.
لذلك عدت من أوزود وأنا أحمل معي أكثر من صور جميلة.
عدت بحكاية مكان اختار أن يجعل من الجبل ثقافة، ومن الثقافة جسرًا بين جبال العالم، ومن السينما ذاكرة، ومن المتحف بيتًا للذاكرة، ومن المكتبة نافذة للمستقبل، ومن الماء حياة.
عدت وأنا أكثر اقتناعًا بأن أوزود ليست مجرد محطة في رحلة عابرة.
إنها، بحق، سيدة الأطلس… وعاصمة الجبل… وبحر الفقراء الذي يصنعه الناس حيث لا بحر.
- الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث.. أكادير يوم 09 شتنبر 2026
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News





