العالم اليوم

اجتماع عسكري مفاجئ للملك وبذلات قتالية في سبتة… هل وقعت إسبانيا في فخ الضعف؟

  • د. محمد الطيار //

يمثل الاجتماع الطارئ الذي عقده الملك فيليبي السادس بزيه العسكري والذي لم يكن مدرجا في الأجندة العلنية للقصر الملكي، إلى جانب تصريحات وزيرة دفاعه من قلب ثكنة عسكرية في سبتة في الايام الماضية، وإعلان سبتة قضية أمن قومي، اعترافا إسبانيا صارخا بالضعف، واستعراضا للقوة محكوما بهواجس الخوف والارتباك. هذا التحول الفجائي ونقل الملف إلى غرف العمليات الحربية يعكس محاولة واضحة لتعويض العجز الميداني والدبلوماسي على الأرض عبر المبالغة في شحن الرموز السيادية، وتحويل أزمة تدفقات بشرية مدنية إلى حالة تأهب عسكري تفضح عدم الثقة في أدوات السيطرة التقليدية.

اجتماع عسكري مفاجئ للملك وبذلات قتالية في سبتة... هل وقعت إسبانيا في فخ الضعف؟ - اكادير اليوم

إن استدعاء الملك لقادة الجيش في لقاء عسكري غير مبرمج وهو يرتدي بذلته الحربية، يكشف عن عمق المأزق الذي تعيشه مدريد، فالأطراف الواثقة من تفوقها الإستراتيجي وقدرتها على إدارة حدودها لا تلجأ إلى تفعيل بروتوكولات الطوارئ العسكرية بشكل فجائي من أجل أزمة هجرة.

هذا التحرك السريع والمنفصل عن السياق الدبلوماسي الطبيعي يعري بجلاء مخاوف حقيقية من فقدان السيطرة الميدانية، ويظهر رغبة مستعجلة في إيجاد غطاء عسكري وسيادي يحمي صورة الدولة المهتزة أمام الرأي العام الإسباني.

ويتجلى هذا الضعف المغلف بالحزم المزيف أيضا في المشاهد العسكرية لزيارة وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغاريتا روبليس، إلى مدينة سبتة، فحينما حلت الوزيرة بالمدينة، تعمدت إحاطة نفسها بقادة الفيالق المقاتلة وسلاح المدفعية والهندسة العسكرية من داخل المقرات الحربية.

إن هذا التمترس خلف البذلات القتالية والآليات الثقيلة ليس دليلا على القوة، فهو يعد تعبيرا صريحا عن قلق دفين وعجز أمني أمام بضعة آلاف من المهاجرين العزل، مما اضطر الدولة للاستنجاد بالجيش على مرأى ومسمع من الجميع لترميم كبريائها الجريح.

إن التدقيق في تلك المشاهد المتكاملة، من تفقد السياج الحدودي بأزياء عسكرية وإلقاء الخطابات النارية من داخل الثكنات المحصنة في سبتة المحتلة، وصولا إلى اجتماع الملك العسكري المفاجئ، يعري بشكل مباشر التوجس والخوف الإسباني المزمن. كما يكشف، الترابط بين بذلة الملك العسكرية في مدريد وجولات الوزيرة المدججة بالسلاح في ثكنات سبتة المحتلة، عن إستراتيجية دفاعية يائسة مدفوعة بالخوف وليس بالثقة.

غير ان أخطر ما في المشهد الحالي بالنسبة إلى مدريد ليس تدفق المهاجرين في حد ذاته، وإنما أن تتحول كل أزمة حول سبتة أو مليلية إلى مناسبة لإعادة فتح السؤال الأكبر، لماذا توجد مدينتان إسبانيتان في الجغرافيا الإفريقية للمغرب؟.

وكلما حاولت إسبانيا إغلاق هذا السؤال بالقوة العسكرية والرموز السيادية، أعادت إنتاجه من جديد في الوعي السياسي المغربي.  وهذا هو الفخ الذي وقعت فيه مدريد دون أن تنتبه، أنها، وهي تحاول إثبات أن سبتة تحت السيطرة، جعلت العالم ينظر إليها باعتبارها نقطة استراتيجية تخشى إسبانيا فقدان السيطرة على مستقبلها السياسي. وكلما رفعت مدريد مستوى الرمزية العسكرية والسيادية في التعامل مع سبتة، كشفت ــ من حيث لا تريد ــ أن القضية تجاوزت في وعيها مجرد ملف هجرة إلى هاجس أمني وسيادي أوسع.

والرباط هنا، ليست مطالبة بالدخول في سجال عسكري مع مدريد، ولا بالرد على كل استعراض عسكري باستعراض مماثل. بالعكس، قوة الموقف المغربي تكمن في إبقاء القضية في إطارها السياسي والتاريخي والقانوني، وترك مدريد تتحمل كلفة عسكرة الملف إعلاميا وسياسيا.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto