الرأيالمجتمع

..”لله يا سفينة.. فين غادية بينا؟!”..

  • بقلم الدكتور: سدي علي ماء العينين //

هذا بعضُنا الذي لا نراه ولا ندركه جميعًا.. يزحف فينا حتى يصبح “كُلَّنا”.
قد تكون بلادنا بالفعل قد أدارت ظهرها لنخبٍ بَنَت مغرب ما بعد الاستقلال؛ لأنها نخب اليسار، والعدل والإحسان، والاتجاه القومي، وتحرير الوطن، لتَحلَّ محلها نخبُ “الإسلام المنفتح” والليبرالية المنفتحة على جشع السياسة، وعلى شباب “البورتابل” و”البارابول” و”البلايستيشن”، وعلى خريجي المعتقلات السياسية المستفيدين من أموال جبر الضرر، وعلى نقاباتٍ استبدلت نضال الطبقات العاملة بالصراع حول أموال بطاقات العضوية.
قد تكون جامعاتنا، بطلبتها وأساتذتها، قد قدمت استقالتها من البحث العلمي وحلقات الفكر وخزانات العلم، لتحوّلها إلى صراع إثنيات بين الطلبة، وصراعِ المسؤوليات والمناصب بين الأساتذة، في ظل فراغ المدرجات واستقالة الفكر…
قد يكون وطننا بعملةٍ درهمية فقدت تنافسيتها في سوق العملات، واكتفت بكسب رهان جودة ورق طباعتها ورونقه…
قد تكون شوارعنا خاليةً من المتظاهرين والمحتجين المطالبين بالحقوق والعدل والمساواة، لتظفر بها عرباتُ بيعِ كل شيء بالتقسيط — بما في ذلك الشرفُ (!) والخضراوات والألعاب النارية للأطفال…
قد تكون شوارعنا وطرقنا قد ازدادت جودةً وطفحت بالسيارات الجديدة، بينما رُكنت السيارات القديمة على جنباتها تأكلها الشمس… لكننا مع ذلك عاجزون عن احترام قانون السير.
قد نكون أغلقنا دور السينما وفتحنا ألف سينما في منازلنا بفضل قرصنة “درب غلف” وسهولة التحميل عبر الإنترنت… لكننا لا نملك صناعةً سينمائية حقيقية، ولا ثقافة جيل “النوادي السينمائية”.
قد نكون أغلقنا مكتباتنا ومحلات بيع الكتب التي لا نفتحها إلا في موسم الدخول المدرسي؛ لنغرقها بالدفاتر المستوردة ضداً على دفاترنا القديمة (دفتر صونابا)، وبكتبٍ مدرسةٍ تُغير أغلفتها ويغيب مضمون مناهجها لتستمر في إنهاك ميزانية الأسر.
قد نكون هجرنا تعليمنا العمومي هاربين بأكبادنا من رجال تعليم انشغلوا بالترقيات في السلالم والتكليفات وصراعات اللجان النقابية، متكدسون في الإدارات هرباً من الحجرات، ومنشغلون بشراء أحدث الحواسيب الهواتف الذكية، ومبهورون بما استجد من أثاث بتسهيلات جمعيات الأعمال الاجتماعية، وغارقون في ديون مؤسسة محمد السادس للبناء.
قد يكون أطباؤنا قد نسوا قسمهم وتسارعوا إلى تقاسم كعكة الثروات، فأصبح الطبيبُ مستثمراً وسمساراً وعامل بناء…
قد نكون تركنا بيوتنا القديمة مع آبائنا، وسكنا في مدن “الانفتاح العمراني” مع شركات المجمعات السكنية، فأصابتنا الدوخة حتى بتنا لا نعرف لصلة الرحم مكاناً في علاقاتنا الأسرية…
قد تكون محاكمنا مجرد دهاليز للتدافع والترافع بالفصول القانونية، ويُتحقق فيها العدلُ بحسب درجة ذكاء وفطنة المحامي، وأحياناً بدرجة علاقاته مع القضاة…
قد تكون ملاعبنا مجرد فضاء أخضر يلعب فيه شبابٌ مأجور من طرف رؤساء فرق يبيعون الوهم لجيشٍ من الشباب يتظاهر في المدرجات، ويبتكر شعارات وسلوكيات أقرب إلى الإدمان منها إلى حب الكرة… رغم كل ما تبدعه تلك المدرجات من صور وأناشيد.
قد يكون فننا قد فقد ذائقته وانخرط في إيقاع الرقص والغرب وهز الوسط، على حساب اللحن الشجي والكلمة المعبرة…
قد تكون أمهاتنا مسالمات أمام بناتٍ يتسابقن للعري في الطرقات باسم الحداثة، أو يتسابقن إلى الحجاب بمنديل تركي باسم “الإسلام المنفتح”؛ فتتجول الأم مستورة بلباسها التقليدي المحتشم المغربي الأصيل، مع ابنةٍ هي إما صورة طبق الأصل لـ “مادونا” في عريها، أو للدمية “باربي” في حجابها، أو كيس أسود سموه النقاب…
قد نكون أدمننا جلسات المقاهي مع فنجان قهوة يعادل ثمنه عشر خبزات أو أكثر، وهجرنا جلسات الشاي مع الأهل والعشيرة…
قد نكون هجرنا الكتب وانخرطنا في هذا التواصل الآلي، أو الجرائد الرتيبة، أو القنوات المقرصنة…
وقد نكون نحنّ حنيناً إلى خطب الحسن الثاني وهو يهدد ويُلوح، وإلى نشرات مصطفى العلوي، وإلى المقالات النارية لجرائد “المحرر” و”العلم” و”أنوال”، ومنشورات حركة التحرر العالمية التي كانت تتسلل إلى بلادنا بعيداً عن أعين المخابرات…
قد نحنّ لـ “فلقات” المخازنية وضرب المعلم في أقسام كانت كمعتقلات للتعذيب الجماعي…
قد نتذكر سجونا مظلمة كـ “تازمامارت”، في حين أن سجون اليوم مجهزة بالتلفاز وغرف “خمس نجوم” والهروب من العقاب…
قد نمارس السياسة ونحن نحنّ إلى قيادات حزبية ومجتمعية تمتلك الكاريزما مثل: عبد الرحيم بوعبيد، وعلال الفاسي، و عبد السلام ياسين،وعلي يعتة، والخطيب… ونحنّ إلى خطبها الرصينة العميقة في التفكير وبُعد النظر…
قد لا تستهوينا الكتابات اليوم وهي كالأكلات السريعة الخفيفة، ونحن نحنّ إلى محمد عابد الجابري،و طه عبد الرحمن ،وعبد القادر الشاوي ،والمنفلوطي، وروايات إحسان عبد القدوس، ومغامرات أجاثا كريستي…
قد نشفق على أبنائنا من أفلام الكرتون الغارقة في العنف واللاواقعية، ونحن نحنّ إلى “جريندايزر”، و”سالي”، و”علي بابا”، و”السندباد”…
قد نحنّ إلى مسرحيات الطيب الصديقي والطيب العلج، وأغاني “ناس الغيوان”، و”جاري يا جاري” لنعيمة سميح، و”واخويي خويي” لطيفة رأفت…
وقد.. وقد.. وقد..
إننا نعيش نستالجيا تقتل الإبداع فينا، وتوهمنا أن زمننا كان زمن النقاء والنضال والمعقول و”تارجليت” (الرجولة)… لكننا لا نبذل مجهوداً لنعيش واقعنا ونحلله ونغوص في فهمه ونفكر في ما هو آت.
إننا بكل بساطة ماضون في ماضويتنا، والعالم يتطور من حولنا نحو آفاق تتجاوز نستالجيتنا بكثير.
إننا — أيها السيدات والسادة — أعلن الواقعُ من حولنا وفاتَنا، ونحن لا نزال نتمسك بالحياة ولسان حالنا يقول:
“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً”
لذلك نحن نَحِنُّ أن يخاطبنا الملك بكل تلقائية كوالده دونما حاجة إلى قراءة خطب مكتوبة لا نأبه كثيراً بما جاء فيها لانها لا تخاطبنا بلغة المواطن الامي البسيط…!!
ونحلم أن يكون زعماء المشهد السياسي الحالي بنفس كاريزما علال الفاسي، وبوعبيد، والخطيب، وعبد السلام ياسين…
ونحلم أن يغني مغني الشباب مثل “البيك” (ElGrandeToto) بألحان عبد الهادي بلخياط!
وأن يغني الصويري بأغاني الحاجة الحمداوية!
وأن يلعب إبراهيم دياز أو حكيم زياش بنفس تقنيات “العربي بن مبارك”، والنصيري بنفس نجاعة “عسيلة”!
إننا بكل بساطة نريد للزمن أن يعود كي نظل فرساناً، في حين أن الواقع من حولنا، وطريقة تفكير أبنائنا، وسياسة سياسيينا، وحتى طرق الاحتفال في أعراسنا تُعري ما فينا وتقول لنا بـ (الفم المليان):
إننا فرسان دونكيشوتيون لا نؤمن بالتطور، عاجزون عن مواكبة واقعنا فننعته بالميوعة!
أخيراً: إن تمكنت من قراءة كل ما كُتب، فأقول لك: هنيئاً لك لأنك تملك ملكة القراءة، في وقتٍ هجرها كثيرون وأغرتهم الفيديوهات القصيرة على “التيك توك” وسرعة الشبكات.
(مزحة: لولا أنني من زمن قديم نسبيًا، لقلتُ إن من أرسل هذا الكلام إلى عشرة من أصدقائه سيَرى النبيَّ في المنام كما رآه مؤذن المسجد الحرام!)

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto