
انتخابات الصحفيين المغاربة: أيُّ تمثيلية لمهنة تواجه تحولات عميقة؟
- حسن بنطالب * //
مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المهني للصحفيين المغاربة، لا ينبغي أن يقتصر النقاش على الأسماء واللوائح والانتماءات المهنية، بل يفترض أن يمتد إلى سؤال أعمق: أيُّ تمثيلية تحتاجها الصحافة المغربية اليوم؟
فالمسألة لا تتعلق فقط بمن سيفوز في الانتخابات، وإنما بما إذا كانت الهيئة التي ستنبثق عنها ستكون قادرة على تمثيل مهنة تعيش تحولات اقتصادية وتكنولوجية ومهنية متسارعة، وتواجه في الوقت نفسه أسئلة قديمة لم تجد طريقها بعد إلى حلول مستدامة.
من يعرف المرشحين؟ ومن يعرف برامجهم؟
بعد ستة عشر عامًا من الممارسة الصحفية، أجد أنني لا أعرف شخصيًا سوى جزء من الأسماء الواردة ضمن لوائح المرشحين. وهذا، بطبيعة الحال، ليس حكمًا على كفاءة من لا أعرفهم، ولا تشكيكًا في حقهم في الترشح، لكنه يطرح سؤالًا يتجاوز التجربة الفردية:
كيف يمكن للصحفي، خصوصًا في بداية مساره المهني، أن يختار بشكل واعٍ إذا كانت معرفته بالمرشحين وبرامجهم محدودة؟
هنا تحديدًا تصبح البرامج الانتخابية أكثر من مجرد وثائق مرافقة للترشيح؛ إنها أداة أساسية لتمكين الناخب من المقارنة والحكم والاختيار.
حين لا تميز البرامج بين المرشحين
من الطبيعي أن تلعب العلاقات والشبكات المهنية دورًا في أي انتخابات. وليس من المنهجي اختزال العملية الانتخابية في منطق «التكتلات» أو «العلاقات» من دون أدلة ومعطيات موضوعية.
لكن ثمة إشكالًا يستحق النقاش: كلما تشابهت البرامج، وغلبت عليها الشعارات العامة، أصبح من الصعب على الصحفي أن يميز بين المرشحين على أساس الرؤية والكفاءة والقدرة على الإنجاز.
فعبارات من قبيل الدفاع عن المهنة، وتحسين أوضاع الصحفيين، وتعزيز الحماية المهنية، تبدو ضرورية، لكنها تظل ناقصة إذا لم تجب عن أسئلة أكثر تحديدًا:
ما الأولويات؟ ما الإجراءات؟ ما الآليات؟ ما الموارد؟ وما الأهداف التي يمكن قياسها بعد سنة أو سنتين من الولاية؟
التمثيلية المهنية لا تُقاس فقط بقدرة أصحابها على التعبير عن المطالب، وإنما أيضًا بقدرتهم على تحويل تلك المطالب إلى سياسات ومبادرات ونتائج قابلة للتقييم.
الأسئلة التي لا ينبغي أن تغيب عن الانتخابات
ربما يكون الاختبار الحقيقي لأي تمثيلية مهنية في قدرتها على الاقتراب من الواقع اليومي للصحفي.
فـالأجور، وظروف العمل، والهشاشة المهنية، والاستقرار الوظيفي، والحماية الاجتماعية، والمكانة الاجتماعية للصحفي، والاستقلالية المهنية ليست قضايا هامشية يمكن تأجيلها.
إنها في صميم مستقبل المهنة.
فالصحفي الذي يعيش في وضع مهني هش يكون أكثر عرضة للضغوط الاقتصادية والمؤسساتية والتحريرية. ولذلك فإن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للصحفيين لا يتعلق فقط بتحسين ظروفهم المعيشية، بل يرتبط أيضًا بـجودة الصحافة واستقلالية القرار التحريري وجودة المعلومة المقدمة للجمهور.
ثم إن المهنة نفسها تتغير بسرعة. فالرقمنة، وشبكات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، وتراجع بعض النماذج الاقتصادية التقليدية للمؤسسات الإعلامية، كلها عوامل تفرض إعادة التفكير في مفهوم التمثيلية المهنية وأدواتها.
المطلوب ليس مجرد هيئة جديدة، بل طريقة جديدة في العمل
الفريق الذي سيتولى المسؤولية بعد الانتخابات سيواجه تحديًا يتجاوز تدبير مؤسسة مهنية أو الدفاع عن مطالب عامة.
التحدي الحقيقي هو إعادة بناء علاقة أكثر فعالية بين الصحفيين وتمثيليتهم المهنية.
وهذا يقتضي، في تقديري، الانتقال من الخطاب العام إلى الالتزام القابل للقياس، ومن الوعود الانتخابية إلى الحصيلة الدورية، ومن طلب الثقة إلى قبول المساءلة.
فالتمثيلية المهنية لا ينبغي أن تطلب ثقة الصحفيين يوم التصويت فقط، بل ينبغي أن تقبل بأن تُقيَّم من طرفهم بعد التصويت أيضًا.
وبطبيعة الحال، لا يمكن تحميل المؤسسة المهنية وحدها مسؤولية مشكلات ترتبط كذلك بالمؤسسات الإعلامية، وبالسياسات العمومية، وبسوق الإعلام وتحولاته. لكن بإمكانها أن تجعل هذه القضايا جزءًا ثابتًا من التفاوض والحوار والضغط المهني.
من صحفيين ينتخبون إلى صحفيين يراقبون
هناك جانب آخر لا يقل أهمية: الثقافة الانتخابية داخل المهنة نفسها.
فالصحفي الذي يطالب المسؤول السياسي بالكشف عن برنامجه، وتبرير أرقامه، وتحديد التزاماته، وتقديم حصيلة عن أدائه، يفترض أن يمارس المعيار نفسه داخل مؤسسته المهنية.
لذلك ينبغي أن تكون الأسئلة بسيطة ومباشرة:
من هم المرشحون؟ ما مساراتهم؟ ما تصورهم لمستقبل المهنة؟ ما أولوياتهم؟ ماذا يستطيعون أن يحققوا فعليًا؟ وكيف يمكن للصحفيين محاسبتهم على ما تعهدوا به؟
هذه ليست أسئلة موجهة ضد أي مرشح، بل هي جزء من شروط بناء ديمقراطية مهنية أكثر نضجًا.
الانتخابات ليست فقط اختيار أشخاص، بل اختيار تصور للمهنة
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال المركزي هو فقط:
من سيفوز؟
بل ينبغي أن يكون:
أيُّ تصور للصحافة المغربية نريد أن ندافع عنه؟
هل نريد تمثيلية تكتفي بإدارة التوازنات القائمة، أم تمثيلية قادرة على مواجهة هشاشة المهنة، والدفاع عن كرامة الصحفي، ومواكبة التحولات التكنولوجية، وتعزيز الاستقلالية المهنية؟
إن الرهان الحقيقي لهذه الانتخابات هو أن تنتقل المنافسة من الأسماء إلى الأفكار، ومن العلاقات إلى البرامج، ومن الوعود العامة إلى الالتزامات القابلة للقياس، ومن الثقة الانتخابية إلى المساءلة المهنية.
فمستقبل التمثيلية المهنية للصحفيين المغاربة لن تحدده فقط صناديق الاقتراع، بل ستحدده أيضًا قدرة المنتخبين على تحويل أصوات الصحفيين إلى قوة مهنية مؤثرة، وعلى تحويل المطالب إلى نتائج.
- حسن بنطالب صحفي في صحيفة “ليبراسيون”
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



