الرأيالعالم اليوم

الصمت المغربي يربك حسابات مدريد..

في رقعة الشطرنج
قد لا نجد صعوبة كبيرة في فهم ذلك اللاعب الذي يُحرّك خيوله بسرعة أو يلقي ببيادقه في معركة مكشوفة الأوراق.
لكن ما يثير الانتباه حقاً ويزرع القلق في نفس الخصم هو ذلك اللاعب الذي يجلس هادئاً يضع يده تحت ذقنه ولا ينطق بكلمة.. ولا يحرك قطعة واحدة
هذا “التكتيك الصامت” هو بالضبط ما جرى خلال هذا الشهر العجيب في مسرح العلاقات المغربية-الإسبانية.
لقد خُيّل إليّ وأنا أتابع الشاشات أن أطرافاً في الضفة الشمالية قررت فجأة أن تخوض مسرحية إغريقية قديمة.. فخرج الصراخ من كل الجهات وتعالت تصريحات تحمل نفساً عنصرياً كأنها بعثت من أدراج القرون الوسطى.. تظاهرات تتدافع فيها أقدام متوترة وأيادٍ طائشة تمتد لتمزيق العلم المغربي أمام الكاميرات بل إن بعضهم ذهب به الهذيان السياسي إلى أقصاه فوعدونا بالظلمة وهددوا بـإطفاء المغرب في أربع وعشرين ساعة
أربع وعشرون ساعة فقط؟ يبدو أن صاحب هذا التصريح العسكري اللطيف يظن أن الدول كبسولات كهربائية تُطفأ بزرجداريّ
لقد كشفت مدريد خلال أسابيع قليلة كل أوراقها وخلعت عن وجهها أقنعة الدبلوماسية الأنيقة وتركت أفكارها الاستعمارية القديمة تتساقط على الرصيف كالأوراق الميتة… أخرجت كل ما في جعبتها من تهديدات وشتائم، وباتت رقعتها مكشوفة بالكامل.
وماذا فعل المغرب طوال هذا الضجيج… لا شيء.. صمتٌ مطلق وغيابٌ رسمي يثير الذعر… لم يصدر بيان عاصف ولم تنزل حشود للرد على الحشود ولم يُربك أحد نفسه بالرد على مَن يفرغ غضبه في قطعة قماش.
لقد مارس المغرب القوة الفائقة للصمت وترك الخصم يضرب الهواء بيده ويحارب أوهامه ليكتشف في النهاية أنه أرهق نفسه بالصراخ دون أن يتحرك غريمه ميليمتراً واحداً
هي حكمة الشطرنج الخالدة: القطعة التي لم تتحرك بعد هي الأشد خطورة لأنها ما زالت تهدد كل المربعات.
ولأن مدريد لم تستطع الصمود أمام هذا السكون الجنوبي رأينا ساسَتها يهرولون نحو بروكسيل هذه الأيام الأخيرة يستنجدون بالعائلة الأوروبية لتصنيف المدينتين السليبتين (سبتة ومليلية) ضمن “المناطق النائية” أو “مناطق الهامش”. وهي خطوة تكمن أهميتها الاستراتيجية في الدافع الذي أنتجها فالدولة التي تتعامل مع إقليماً ما بوصفه حقيقة سيادية مكتملة ومحصنة لا تحتاج إلى البحث عن صيغ استثنائية لحمايته..أما حين تبدأ بالركض نحو المظلة الأوروبية فذلك يعكس إدراكاً عميقاً بأن الوضع القائم لم يعد قابلاً للصمود اقتصادياً وديموغرافياً واستراتيجياً داخل بيئة مغربية تتغير وتحتدم بسرعة.
وهاهي مدريد بدأت تتحرك استباقياً نحو الاتحاد الأوروبي بهدف جعل المدينتين جزءاً من شبكة المصالح والمؤسسات الأوروبية بحيث لا يبقى مستقبلها رهيناً بالتوازن الإسباني – المغربي وحده
إنها “الهرولة الدبلوماسية” التي تفضح رعب الدار يحاولون شراء مظلة إضافية من بروكسيل لأنهم يدركون أن المظلة القديمة قد تثقبت وأن الشبح الحقيقي ليس ما يُقال في العلن أمام الكاميرات.. بل ما يخبئه ذلك المغربي الصامت في كتمانه
ومدريد تدرك أكثر من غيرها بأن الحكاية لم تعد مجرد تصريحات في الصحف بل بداية حاسمة لعودة جغرافيا تأخرت قليلاً عن موعدها..
إنها البداية فقط..
هادئة بسيطة وبلا ضجيج

  • يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto