الرأيالسياسة

الأحرار والبام: ماذا تكشف القاعة فيما لا تقولها الخطب؟

  • محمد العسري //

أثناء متابعتي للأنشطة والتظاهرات التواصلية لكل من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، استوقفتني تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها في السياسة ليست دائماً كذلك: طريقة تنظيم القاعة، طبيعة الحضور، وكيف يتعامل الجمهور مع لحظة الخطاب.
فالسياسة ليست مجرد القدرة على جمع أكبر عدد من الأشخاص في مكان واحد. هناك فرق عميق بين الحشد والجمهور السياسي؛ بين أن تجمع الناس حول منصة، وبين أن تبني بينهم وعياً مشتركاً برسالة الحزب ومشروعه.
في عدد من لقاءات الأحرار، يمكن ملاحظة تراكم تنظيمي وتواصلي واضح. عندما يتحدث القيادي، يصبح للخطاب مكانه، ويسود الإنصات، ويعرف الحاضرون متى يتفاعلون ومتى يستمعون. وهذا، في تقديري، ليس مجرد انضباط شكلي، بل نتيجة سنوات من العمل والتواصل والتأطير، جعلت التنظيم أكثر قدرة على إدارة الحضور وتحويل اللقاء من مجرد مناسبة إلى محطة ضمن مسار سياسي متواصل.
في المقابل، فإن بعض اللقاءات التي تابعتها للأصالة والمعاصرة تعطي انطباعاً مختلفاً؛ حيث يبدو أحياناً أن منطق التجمهر ما زال أقوى من منطق التنظيم، فتتداخل الأصوات والحركة حتى في لحظات يفترض أن تكون مخصصة للإنصات.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن الصمت وحده ليس دليلاً على قوة الحزب، كما أن الضجيج ليس بالضرورة دليلاً على ضعفه. الاختبار الحقيقي هو ماذا يفعل الحزب بالحضور الذي يعبئه؟
وهنا تكمن أهمية التراكم. فخمس سنوات من الحضور السياسي والتواصل المستمر لا يمكن أن تمر دون أن تترك أثراً على طريقة اشتغال التنظيم، وعلى العلاقة بين القيادة والقواعد والجمهور. التواصل المستمر يصنع لغة مشتركة، والخبرة المتراكمة تصنع قواعد للعمل، والتنظيم الجيد يحول الحضور من مجرد رقم إلى قدرة على التأثير.
وبحكم انتمائي إلى التجمع الوطني للأحرار، فأنا لا أتناول هذه الملاحظة من موقع المتفرج المحايد، ولا أعتقد أن الانتماء الحزبي يجب أن يمنع النقد. بالعكس، قوة الانتماء الحقيقي هي أن تستطيع أن ترى ما تحقق، وفي الوقت نفسه أن تسأل عما لم يتحقق بعد.
فإذا كان الأحرار قد راكم تجربة تنظيمية وتواصلية مهمة، فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس أن نقنع أنفسنا بأننا الأفضل، وإنما أن نحول هذه الاحترافية إلى ثقة سياسية مستدامة لدى المواطن.
فالقاعة المنظمة مهمة، لكن الأهم هو المجتمع خارج القاعة.
والإنصات للقيادي مهم، لكن الأهم أن يتعلم الحزب أيضاً الإنصات للمواطن.
والتواصل مهم، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى إقناع، والإقناع إلى ثقة، والثقة إلى مشاركة وتأثير.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: من ملأ القاعة أكثر؟
بل: من استطاع أن يحول الحضور إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى ثقة، والثقة إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار؟
في السياسة، يمكن أن تجمع الناس في يوم واحد.
لكن بناء جمهور سياسي يحتاج إلى سنوات.
وبين التجمهر والتنظيم مسافة، وبين التنظيم والتأثير مسافة أكبر.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للأحزاب.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto