الرأيالعالم اليوم

لماذا تخاف إسبانيا من طاولة المفاوضات وهي الواثقة من الأبدية؟

عندما أعلن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز أمام برلمانه استدعاء السفيرة المغربية احتجاجاً على تصريحات وزيرين مغربيين خُيّل للمتابعين أن المغرب أعلن حالة الطوارئ على الحدود
ليكتشفوا أن السبب يعود إلى تصريح سابق لوزير العدل المغربي وبدبلوماسية هادئة:
( لن ننسى أرضنا ولنا النفَس الطويل لاسترجاعها وندعو إسبانيا إلى طاولة المفاوضات)
أما الوزير الثاني (وزير الأوقاف) فكل ما فعله أنه قدم ثلاث مخطوطات ومراجع فقهية قديمة في حضرة أمير المؤمنين بمناسبة ذكرى مولد نبيّنا الأكرم
وهنا يبرز السؤال الجوهري : كيف يُعامل رئيس حكومة أوروبية تصريحاً سياسياً متزناً وثلاثة كتب فقهية بذات القدر من الذعر والخوف
وكيف تتحول مخططات تاريخية في نظر مدريد إلى تهديد مباشر لـ (سيادة المدينتين) يستدعي الاستنفار الدبلوماسي..؟ السبب بسيط وعميق :
مدريد لا تخشى التصريحات السياسية اليومية التي تذهب مع الريح بل تخشى الذاكرة المكتوبة والمخطوطات التي ترفض التقادم.
فحين تُفتح كتب علماء سبتة ومليلية يسقط الخطاب الإسباني المؤطر قانونياً وسياسياً وتصرخ الوثائق بأن هذه الأرض كانت دائماً تؤدي الولاء وتكتب التاريخ الثقافي والفقهي للمغرب قبل أن تتشكل الخرائط الاستعمارية الحديثة.
ومن الخوف من المخطوط والذاكرة يولد الخوف الأكبر الخوف من طاولة المفاوضات.
فالواثق من حقه يجلس هادئاً فوق طاولة المفاوضات ليفتح أوراقه أمام العالم بينما يفر الخائف من فتح كتاب التاريخ ووثائقه الصارمة اتجاه جغرافيا ترفض أن يكون ثغراً شمال أفريقيا إسبانياً إلى الأبد
وهنا تحديداً تتضح إستراتيجية النفَس الطويل
فإذا كانت إسبانيا تغلق أبواب الحوار المباشر والتداول حول تصفية هذا الملف بمايخدم مصالحنا المشتركة مع مغربيتهما فإن للحق منابر أممية وتحديداً في اللجنة الرابعة المكلفة بتصفية الاستعمار هناك تقبع وثيقة تعود لسنة عام 1975 وهي وثيقة لم تُنسَ بل وُضعت جانباً ضمن رؤية قائمة على ترتيب الأولويات الوطنية.
في هذه السنة بالضبط ركّز المغرب جهوده على استكمال وحدته الترابية في الجنوب عبر التنمية وبسط السيادة حتى أُغلق ملف الصحراء المغربية بحقائق واقعية لا تقبل الجدال.
واليوم والآن حان الوقت لنفض الغبار عن هذه الوثيقة وتحديثها وتحيينها بلغة العصر والواقع السياسي الجديد.
إن الانتقال من الخطاب السياسي إلى القانون الدولي يعطي للطرح المغربي أبعاداً إستراتيجية حاسمة فنحن سنطلب من المجتمع الدولي تحديد الوضع القانوني لهذين الإقليمين وفحص السند التاريخي والقانوني للسيادة القائمة عليهما في ضوء قواعد القانون الدولي وتصفية الاستعمار.
وهنا تكمن القيمة المفصلية لوثيقة 1975:
فهي ليست مجرد حكم حاسم بل هي دليل قاطع على أن المطالبة المغربية أُدخلت رسمياً في السجل الأممي منذ أكثر من نصف قرن ولم ولن تسقط بالتقادم… بل هي نتيجة طبيعية لتدبير عقلاني للأولويات
فالمراجع الفقهية الثلاثة التي احتجت عليها مدريد لم تكن سوى أول الغيث وأن الأمة التي ملكت الصبر لتحرير صحرائها بالبناء تملك من النفَس الطويل والوثائق الدامغة ما يكفي لاستعادة ثغورها الشمالية عبر الطرق القانونية والأممية.
وهنا تحديداً ينكشف السر الكبير لغزوة الغضب التي اجتاحت الجار الشمالي طوال هذا الشهر حين أدركوا ولأول مرة أن التصريح المغربي لم يعد مجرد موقف شفهي عابر بل صار مؤطراً برؤيةاستراتيجية شاملة وضعت ملف الصحراء المغربية خلفها وبدأ فيها العد التنازلي لإعادة شطحات ( الأبدية) إلى حجمها الطبيعي أمام مرآة القانون الدولي.
فالأمة التي أدارت معركة وحدتها الترابية بالصبر والتنمية تملك من النفس الطويل والملفات الأممية ما يجعل الهروب من طاولة المفاوضات مستحيلاً.

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto