
محمد المستاوي: عاشق الكلمة..على سلامتك
تحية وفاء من صديقه خالد العيوض
الحمد لله على سلامتك، صديقي محمد المستاوي.
بلغني خبر حادث السير الذي تعرضت له، فكان أول ما شعرت به هو الحمد لله على لطفه وعنايته. ومن هنا، من أوزود، قرب الشلالات، حيث أشارك في مهرجان سينما الجبل بمداخلة حول الجبل وذاكرته، أبعث إليك هذه التحية، محملة بالمحبة والوفاء، وبكثير من الاعتزاز بمسار رجل ظل، لعقود، عاشقًا للكلمة وخادمًا للثقافة والإنسان.
وأنت، يا الداموح، ابن الجبل قبل كل شيء. ابن نيحيت، تلك القرية الصغيرة في الأطلس الصغير، غير بعيد عن إغرم، حيث الطبيعة قاسية، والمسالك شاقة، وحيث لم تكن الحياة دائمًا رحيمة بأبنائها. من تلك البيئة خرج كثير من الناس إلى الهجرة، أفرادًا وجماعات، بحثًا عن حياة أفضل. لكنك، وإن غادرت الجبل ذات يوم، فإنك لم تغادره في الحقيقة؛ حملته معك، حملت ذاكرته ولغته وأسئلته، وظل حاضرًا في كتاباتك ومواقفك وانشغالاتك.
كانت بدايتك من مسجد القرية، حيث تلقيت تعليمك الأول، قبل أن تتدرج في مسارك الدراسي وتلتحق بالمعهد الإسلامي بتارودانت، ثم تدخل سلك التعليم أستاذًا للغة العربية. وبعد ذلك ستأخذك الحياة إلى الدار البيضاء، إلى البرنوصي، حيث استقر مقامك، لكن روحك ظلت معلقة بذلك الجبل الذي جاء بك إلى العالم.
من هنا تبدأ حكاية رجل لم يكتف بمسار واحد.
محمد المستاوي شاعر، وكاتب، وقاص، ومسرحي، وباحث في التراث، ومهتم بالأمثال والشعر الشفهي، وإعلامي عبر الأثير، وفاعل ثقافي، ومناضل من أجل الاعتراف بالكلمة الأمازيغية ومكانتها. أكثر من ثلاثين كتابًا تشهد على غزارة إنتاجك وتنوع اهتماماتك، وعلى مسار طويل بدأ منذ مطلع السبعينيات ولم يتوقف.
كنت عاشقًا للكلمة، لكنك لم تكن تراها مجرد أداة للكتابة؛ كنت تراها ذاكرة وهوية وحقًا.
كنت قريبًا من الشعراء، وصديقًا لعدد من رموز الكلمة الأمازيغية، وفي مقدمتهم الشاعر الأيقونة محمد البنسير. وكتبت قصائد أصبحت جزءًا من الذاكرة الغنائية، من بينها قصيدتك الشهيرة «تابرات»، التي غنتها مجموعة أسمان، كما وجدت قصائد أخرى طريقها إلى أصوات المجموعات الغنائية التي صنعت جزءًا أساسيًا من تاريخ الأغنية الأمازيغية الحديثة.
لكن علاقتك بالكلمة لم تكن دائمًا سهلة. فقد كان يؤلمك أن تنتشر القصائد والأغاني على أشرطة الكاسيت من دون أن يُذكر اسم صاحب الكلمات. ولذلك وقفت طويلًا عند مسألة الحقوق الأدبية، واعتبرت عدم نسبة القصيدة إلى صاحبها نوعًا من السطو على الإبداع. وكتبت في هذا الموضوع، محاولًا أن تستعيد للكلمة اسم صاحبها، وللمبدع حقه في الاعتراف.
ولم تكن تجربتك مع الكلمة محصورة في الكتاب والقصيدة.
عرفك المغاربة أيضًا من خلال أثير الإذاعة الوطنية، حيث قدمت برامج عن الشعر والأمثال والثقافة الأمازيغية. دخل صوتك إلى البيوت، حاملاً معه شيئًا من ذاكرة الناس، من حكم الأجداد وأشعارهم وحكاياتهم، وكأنك كنت تقوم، بصبر المثقف وعناد العاشق، بعملية إنقاذ مستمرة لذاكرة مهددة بالنسيان.
ومن خصائص تجربتك أنك لم تكتف بإبداع النص، بل كنت حريصًا على جمع النصوص المتناثرة وحفظها وتصنيفها.
كتبت عن الأركان، وجمعت ما قيل في هذه الشجرة التي تختصر الكثير من ذاكرة سوس. وكتبت عن الفرس، متتبعًا أشعار الشعراء الذين تغنوا به. وكتبت عن الهجرة، وهو كتاب أعتز به شخصيًا، وقد سبق لي أن قدمته في مهرجان المهاجر الذي نظمته جمعية الباحثين بتارودانت.
كان ذلك الكتاب بالنسبة إليك أكثر من جمع للنصوص؛ كان استعادة لذاكرة المهاجرين، ولأحلام الذين غادروا الجبل والقرية بحثًا عن لقمة العيش. فيه نصوص للحاج بلعيد، وسعيد أشتوك، والحاج عمر واهروش، وألبنسير، والمهدي بن مبارك وإبراهيم بيهتي وغيرهم من رواد الأغنية والشعر الأمازيغي. نصوص مشبعة بالحنين، وبوجع المسافة، وبصورة الوطن التي تظل معلقة في وجدان المهاجر.
لكن أجمل ما في تجربتك، بالنسبة إلي، أن المثقف فيك لم ينفصل يومًا عن المواطن.
حين أصبحت رئيسًا لجماعة نيحيت، لم تكن رئاسة الجماعة بالنسبة إليك مجرد منصب إداري. كنت ترى فيها مسؤولية تجاه القرية التي خرجت منها. وحين أصبحت عضوًا في مجلس الجهة، حملت نيحيت معك إلى المؤسسة الجهوية، وجعلت من صوتها صوتًا مسموعًا.
دافعت عن فك العزلة، وعن حق الفتاة في التعليم، وعن الماء، وعن التنمية، وكنت تنظر إلى التنمية من زاوية حقوقية، باعتبارها حقًا للإنسان وليس مجرد مشاريع وأرقام.
وكنت، من أجل ذلك، تسافر من الدار البيضاء إلى أكادير، ومنها إلى نيحيت، ذهابًا وإيابًا، في رحلة طويلة وشاقة، لكنها كانت بالنسبة إليك جزءًا من الوفاء للمكان.
وهنا تتجلى إحدى أجمل مفارقات مسارك: محمد المستاوي الشاعر أصبح رئيسًا للجماعة، ورئيس الجماعة ظل يحمل روح الشاعر.
حتى المراسلات التي جمعت بينك وبين نفسك، بين محمد المستاوي رئيس الجماعة ومحمد المستاوي الكاتب والشاعر، تحولت إلى حكاية أدبية وإنسانية. رسائل تنتقل بين أكادير والبرنوصي، وأحيانًا عبر فندق أفرني، في الطريق إلى نيحيت. نحو ثمانين رسالة جُمعت في كتاب، لتصبح وثيقة تكشف كيف كان المثقف يتحدث مع رجل المجال، وكيف كان رجل المجال لا يستطيع أن يفصل نفسه عن المثقف والشاعر.
ومن طرائف مسارك أيضًا أنك، عندما كنت مكلفًا بالثقافة في مجلس الجهة، وجدت نفسك أمام ميزانية ثقافية ضعيفة، في وقت كانت الجهة تتحدث عن أقطاب ثلاثة للتنمية: الفلاحة والسياحة والملاحة.
فقلت، في تدخل ظل يتداوله من حضر تلك الجلسة، إنكم مستعدون لتغيير “الثقافة” إلى “التقاحة”، حتى تضيفوا حرفًا إلى الثلاثية وتحظى الثقافة بنصيب من الاهتمام.
كانت نكتة جميلة، لكنها كانت تحمل وراءها سؤالًا كبيرًا: كيف يمكن أن نتحدث عن التنمية ونترك الثقافة في الهامش؟
ولعل من العلامات الدالة على حضورك الثقافي أن اسم “تيميتار” نفسه ارتبط باقتراحك، قبل أن يتحول إلى اسم مهرجان سيصبح واحدًا من أبرز المواعيد الثقافية والفنية في أكادير.
هكذا ظل مسارك متعددًا، لكنه لم يكن مشتتًا.
كان يجمعه خيط واحد: الكلمة في خدمة الإنسان، والثقافة في خدمة المكان، والإبداع في خدمة الذاكرة.
لهذا، وأنا أكتب إليك اليوم، لا أكتب عن شاعر فقط، ولا عن كاتب فقط، ولا عن رئيس جماعة أو رجل إذاعة أو باحث في التراث. أكتب عن مسار إنسان اختار أن يجعل من الكلمة طريقًا للحياة.
وربما لهذا أيضًا فإن التكريمات التي حصلت عليها هنا وهناك، على أهميتها، لا تزال في نظري أقل من حجم ما قدمت. فأنت لم تعد مجرد اسم من أسماء الثقافة في سوس؛ أصبحت جزءًا من ذاكرتها، ومن ذاكرة الثقافة الأمازيغية والمغربية.
صديقي محمد،
الحمد لله على سلامتك مرة أخرى.
وأنا هنا، في حضرة الجبل، أتحدث عن الجبل وذاكرته، تذكرتك. تذكرت أن بعض أبناء الجبل يمكن أن يذهبوا بعيدًا، إلى الدار البيضاء أو إلى أي مكان آخر، لكن الجبل لا يغادرهم.
وأنت واحد من هؤلاء.
حمدًا لله على سلامتك، يا عاشق الكلمة.
البلد لا يزال في حاجة إلى صوتك، والثقافة لا تزال في حاجة إلى عطائك، ونيحيت لا تزال تعرف أنك أحد أبنائها البررة الذين حملوا صوتها بعيدًا.
من أوزود، قرب الشلالات، أبعث إليك محبتي وتقديري.
صديقك
خالد العيوض
تانميرت داموح
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



