
نساء من المغرب : منى بلهيم من سوس إلى قلب الإعلام العربي .. صحافية أمازيغية صنعت حضورها بين الكبار
- أكادير اليوم : إبراهيم فاضل //
من بين جبال سوس وفضاءاتها الثقافية، بدأت حكاية صحافية إختارت منذ بداياتها أن تجعل من الإعلام مسارا مهنيا مفتوحا على التعلم والتجربة والطموح، قبل أن يقودها هذا المسار من أثير إذاعة راديو بلوس بأكادير إلى شاشات الأخبار العربية، ومن المغرب إلى بيروت والقاهرة والولايات المتحدة الأمريكية، لتصنع لنفسها حضورا داخل مشهد إعلامي عربي شديد التنافس، دون أن تفقد صلتها بجذورها السوسية وهويتها الأمازيغية.
إنها الصحافية المغربية الأمازيغية منى بلهيم، التي بدأت تجربتها المهنية من راديو بلوس بأكادير، حيث أمضت تسع سنوات كانت بمثابة المدرسة الأولى التي تعلمت داخلها تفاصيل المهنة، وأكتشفت من خلالها قوة الكلمة والصوت وقدرتهما على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، قبل أن تنتقل تدريجيا إلى عالم التلفزيون وتوسع تجربتها المهنية والأكاديمية. وفي استحضارها لهذه المرحلة، تحتفظ بلهيم بالكثير من الوفاء للأشخاص الذين رافقوا بداياتها وقدموا لها الدعم والتوجيه، وفي مقدمتهم الإعلامي عبد الرحمن العدوي، وليلى الشفقي، وأديب سليكي، إلى جانب الأستاذ محمد والكاش، الذي تعتبره بمثابة أب روحي لها، لما قدمه من مساندة ونصح وتوجيه خلال خطواتها الأولى في عالم الإعلام.
ولم تجعل بلهيم من الممارسة المهنية بديلا عن التكوين الأكاديمي، بل إختارت أن تجمع بين التجربة الميدانية والدراسة، فتخرجت من معهد الإعلام والتواصل بأكادير، كما درست بجامعة إبن زهر بكلية العلوم الاقتصادية، وهو مسار أتاح لها الجمع بين أدوات العمل الصحافي والمعرفة الاقتصادية، بما يساعدها على مقاربة القضايا والأخبار من زوايا متعددة، خاصة في زمن أصبح فيه الإعلام متشابكا بشكل كبير مع السياسة والاقتصاد والمجتمع والتحولات الدولية.
وبعد سنوات من العمل الإذاعي، بدأت مرحلة جديدة من مسيرتها مع التلفزيون، فكانت تجربة برنامج مذيع العرب في لبنان إحدى المحطات التي ساهمت في توسيع آفاقها المهنية، قبل أن تخوض تجارب أخرى في تقديم البرامج والسهرات داخل المغرب، ثم تلتحق بالقناة الأمازيغية، لتواصل بناء تجربة إعلامية جمعت بين الحضور التلفزيوني والخبرة الميدانية والقدرة على التعامل مع مختلف أشكال المحتوى الإعلامي.
غير أن محطة القاهرة ستشكل منعطفا بارزا في مسارها، بعدما تلقت عرضا للانضمام إلى قناة الغد الإخبارية، لتبدأ مرحلة مهنية جديدة استمرت لنحو عقد من الزمن، انتقلت خلالها من فضاء الإعلام المغربي إلى قلب صناعة الأخبار العربية. وتوضح بلهيم أن قناة الغد قناة إخبارية عربية وليست قناة مصرية، فيما تمثل القاهرة إحدى أهم مراكز عملها، بينما يوجد مقرها الرئيسي في لندن، وهو ما منحها فرصة العمل داخل مؤسسة إعلامية ذات امتداد عربي ودولي، في بيئة مهنية تفرض على الصحافي سرعة المتابعة ودقة المعلومة والجاهزية المستمرة للتعامل مع الأحداث السياسية والأمنية والاقتصادية المتلاحقة.
ومع مرور السنوات، أصبح حضور منى بلهيم على شاشة الغد جزءا من المشهد الإخباري العربي، ولم يعد جمهورها محصورا في المغرب، بل اتسع ليشمل متابعين من مختلف أنحاء العالم، في مسار يعكس قدرة الكفاءات الإعلامية المغربية على الوصول إلى منصات عربية ودولية عندما تتوفر لها الخبرة والتكوين والاستمرارية.
وبالتوازي مع العمل، واصلت بلهيم رحلة التكوين، فخاضت تجربة دراسية في مدرسة للإعلام بمدينة دالاس الأمريكية لمدة عامين، قبل أن تواصل دراستها في القاهرة وتحصل على ماجستير في إدارة الإعلام، لتؤكد من خلال هذا المسار أن العمل الصحافي، في نظرها، لا يمكن أن ينفصل عن التعلم المستمر، خصوصا في مهنة تتغير أدواتها وأساليبها بوتيرة متسارعة.
وخلال سنوات تجربتها في قناة الغد، تلقت بلهيم عروضا من مؤسسات إعلامية أخرى، من بينها CGTN في الصين، فضلا عن عروض من العراق ومؤسسات إعلامية مختلفة، لكنها اختارت مواصلة تجربتها داخل الغد، حيث وجدت بيئة مهنية مناسبة واستقرارا ساعدها على تطوير مسارها، إلى جانب ارتباطها بحياتها الأسرية في القاهرة.
ومن بين التجارب التي طبعت حضورها الإعلامي برنامج «حصة مغاربية»، الذي منحها فرصة الاقتراب أكثر من قضايا المغرب الكبير، وفتح أمامها مساحة للتواصل مع جمهور يمتد من المغرب إلى الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، حيث شكل البرنامج نافذة على الملفات السياسية والاجتماعية والإخبارية التي تشغل المنطقة، وفضاء للنقاش حول التحولات التي يعيشها المغرب الكبير.
غير أن التحولات الإقليمية المتسارعة، خصوصا بعد اندلاع الحرب في غزة وتصاعد التوترات في المنطقة، فرضت تغييرا في أولويات التغطية الإخبارية، لينتهي البرنامج، دون أن يعني ذلك نهاية العلاقة مع الجمهور المغاربي أو تراجع الاهتمام بقضايا المنطقة، إذ ما تزال بلهيم ترى أن المغرب الكبير يحتاج إلى حضور أكبر داخل الإعلام العربي، وتتطلع إلى العودة إلى هذا الفضاء متى توفرت الظروف المهنية والإخبارية المناسبة.
ومع اتساع حضور المنصات الرقمية، استعادت بلهيم أيضا جانبا من التواصل المباشر مع الجمهور المغربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، لتواصل متابعة القضايا والأحداث التي تشغل الرأي العام، في امتداد طبيعي لمسار بدأ قبل سنوات من خلال الميكروفون الإذاعي، قبل أن ينتقل إلى الشاشة ثم إلى الفضاء الرقمي.
وبين كل هذه المحطات، ظلت الأمازيغية حاضرة باعتبارها جزءا أصيلا من هوية منى بلهيم وذاكرتها وانتمائها، فالصحافية القادمة من سوس لا تنظر إلى الأمازيغية باعتبارها مجرد لغة للتواصل، وإنما تراها جزءا من الشخصية والذاكرة الجماعية، وتحافظ على صلتها بها في حياتها وتواصلها مع جمهورها، معتبرة أن العمل داخل فضاء إعلامي عربي والانتماء إلى الثقافة الأمازيغية ليسا خطين متعارضين، بل يمكن أن يشكلا معا تعبيرا عن تعدد الهوية المغربية وغناها، وعن قدرة الإنسان على الانفتاح على العالم دون أن يتخلى عن جذوره.
وخلف الكاميرات والاستوديوهات، تحضر الأسرة باعتبارها أحد عناصر الاستقرار في هذه الرحلة، خصوصا أن الجمع بين العمل والدراسة والتنقل بين المدن والبلدان لم يكن مهمة سهلة، في مهنة لا تعترف دائما بساعات العمل التقليدية، حيث يكون الصحافي مطالبا بالاستجابة للحدث في أي وقت، سواء تعلق الأمر بنشرة إخبارية عاجلة أو تغطية سياسية أو موعد تلفزيوني يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل.
وفي هذا الجانب، تؤكد بلهيم أهمية الدعم الذي تلقته من والديها، إلى جانب دعم زوجها أحمد عبد السلام، الذي يتفهم طبيعة مهنتها وما تفرضه من التزامات ومواعيد متغيرة، وهو ما يمنحها سندا مهما للاستمرار في مسار مهني لا يعرف كثيرا من الهدوء ولا يسمح دائما بالتخطيط المسبق للوقت.
وفي القاهرة، لم يقتصر حضور منى بلهيم على شاشة الأخبار، بل امتد إلى عدد من المناسبات الوطنية والدبلوماسية المغربية، وفي مقدمتها حفلات عيد العرش المجيد التي تنظمها سفارة المملكة المغربية بمصر، حيث حظيت بثقة السفير المغربي لدى مصر محمد آيت أوعلي، الذي يحرص على دعوتها لتقديم هذه المناسبة الوطنية، في مهمة تحمل بالنسبة إليها قيمة مهنية ووطنية خاصة، باعتبار أن هذه المناسبات لا تقتصر على الجانب الاحتفالي، وإنما تحضرها شخصيات سياسية ودبلوماسية وثقافية وإعلامية، إلى جانب ممثلي عدد من الدول والممالك المعتمدين لدى القاهرة، ما يجعل تقديم فقراتها مسؤولية تتطلب التمكن والحضور والقدرة على مخاطبة جمهور متنوع.
ومن هذا الموقع، تجد بلهيم نفسها أمام فرصة لتقديم صورة عن بلدها في فضاء دبلوماسي وإعلامي وثقافي عربي، وهي مهمة تقول إنها تحمل لها معنى خاصا، خصوصا وهي تؤديها بعيدا عن المغرب وتمثل حضور المرأة والإعلام المغربي في محفل وطني ودبلوماسي خارج البلاد.
وبين أكادير وبيروت والقاهرة ودالاس، تبدو تجربة منى بلهيم قائمة على معادلة واضحة عنوانها التكوين المستمر والعمل الجاد وتراكم الخبرة والقدرة على التطور والوفاء للجذور. فقد بدأت من إذاعة محلية في أكادير، حيث كان الجمهور المغربي أول من تعرف إلى صوتها، ثم انتقلت إلى التلفزيون، وخاضت تجارب مهنية متعددة، قبل أن تصل إلى شاشة قناة الغد وتصبح جزءا من المشهد الإخباري العربي، مستفيدة في ذلك من تكوين أكاديمي ومهني امتد من المغرب إلى الولايات المتحدة ومصر. واليوم، تبدو رحلتها مفتوحة على محطات جديدة في زمن لم تعد فيه صناعة الإعلام محصورة في التلفزيون والإذاعة، بل أصبحت تمتد إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تغيرت علاقة الصحافي بالجمهور وأصبح الوصول إلى المتلقي أكثر سرعة واتساعا.
ومع ذلك، تظل العودة إلى الجمهور المغربي والمغاربي حاضرة في رؤيتها، إلى جانب الاستمرار في الحضور الإعلامي العربي والحفاظ على الصلة بالأمازيغية باعتبارها لغة وهوية وذاكرة. قصة منى بلهيم، في نهاية المطاف، ليست مجرد حكاية صحافية انتقلت من مدينة مغربية إلى عاصمة عربية، وإنما هي مسار امرأة بدأت من أثير راديو بلوس بأكادير، وراكمت التجربة خطوة بعد أخرى، واستثمرت في تكوينها، وخاضت مغامرة مهنية خارج الحدود، حتى أصبحت وجها إعلاميا مغربيا حاضرا على شاشة عربية واسعة الانتشار.
من سوس بدأت الحكاية، ومن القاهرة اتسعت الدائرة، وعلى شاشة الغد أصبح حضور منى بلهيم امتدادا لمسار إعلامي مغربي اختار أن يعبر الحدود دون أن يقطع جذوره، وبين العربية والأمازيغية، وبين الوطن والعالم، تواصل الصحافية السوسية كتابة تجربتها المهنية، مؤمنة بأن الوصول إلى الشاشة قد يكون إنجازا، لكن الحفاظ على ثقة الجمهور، والاستمرار في التعلم، والوفاء للهوية والجذور، هو التحدي الأكبر والنجاح الحقيقي.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




