المجتمع

وجوه في الواجهة : عبد الرزاق المويسات.. أو حين يصبح النُّبل مدرسة

  • يوسف غريب  //

في زمنٍ تحول فيه الفضاء السياسي إلى سوقٍ مفتوحة لـ “التسوق الانتخابي” وصارت فيه بعض الأحزاب مجرد دكاكين لبيع التزكيات لمن يدفع أكثر أو يرفع صوته أعلى.. تأتي من جهة سوس ماسة ومن عمق أكادير تحديداً إشارةٌ أخلاقية مكثفة لا تملك أمامها إلا أن تتوقف لتتأمل..
لا لتسجيل موقف عابر،بل لتفكيك ظاهرة نادرة في مشهدنا الحزبي المأزوم.
الحديث هنا يتعلق بشيخ من شيوخ النضال الاتحادي رجل من أسراب التأسيس الأولى في سبعينيات القرن الماضي اختبر العمل الميداني والتأطير الجماهيري والتدافع البرلماني والجماعي وكان وما يزال خبيراً بالقطاع الفلاحي بسوس موجهاً ومرافقاً لقضاياه الشائكة…
رجلٌ ظل في كل المحطات التنظيمية الصعبة صانعاً للتوافقات مفتاحاً للأزمات وذا يدٍ بيضاء لم تتلوث بغبار الصفقات ولا بفتن المنافع الشخصية وفوق هذا وذاك نحن أمام رجلٍ كفاه الله من الفضل والرزق ما يُغنيه
لذلك لم تكن السياسة بالنسبة إليه يوماً مصعداً اجتماعياً ولا وسيلة للاغتناء بل كانت اختياراً فكرياً ومسؤولية أخلاقية خاضها بنبل المعلم وصبر الفلاح. وليس أدل على هذا العمق الإنساني من عنوان سيرته الذاتية التي اختصر فيها مساره:
( كزهرة البرتقال.. سيرة فلاح كان معلما) . فكما تفوح زهرة البرتقال بعطرها ثم تتوارى لكي تترك المجال للثمرة كي تنمو
هو العنوان نفسه لهذه اللحظة أيضا و التي قرر فيها هذا القيادي الوازن أن يضع كل هذا التاريخ جانباً ويفسح الصدارة لشابة اتحادية تلج معترك الانتخابات كوكيلة اللائحة قابلاً بأن يكون مجرد وصيف فيها
هذا الموقف لا يمكن مروره بسطحية ولا يمكن تبسيطه بلغة الحسابات الانتخابية الضيقة.
في عمقه عملية نقد ذاتي بليغة تمشي على قدمين. كيف لمناضل بوزنه المعنوي والمادي والتاريخي أن يترجل عن صدارة القائمة لو لم يكن مؤمناً بحقيقةٍ غابت عن أغلب النخب السياسية اليوم؟ حقيقة أن المؤسسة الحزبية هي الأساس وأن الأشخاص مهما كبرت أسماؤهم وتضخمت ذواتهم يظلون أدوات لخدمة الفكرة الحزبية وليس العكس.
إن هذا السلوك يتجاوز حدود التضحية الشخصية ليصبح درساً في التداول الجيلي وفي صيانة المصداقية التنظيمية.
في الوقت الذي نشاهد فيه كائنات انتخابية تقيم الدنيا ولا تقعدها إذا حُرمت من رأس اللائحة وتتحين فرص الانشقاق أو الارتماء في أحضان أحزاب أخرى بمجرد أن تشعر بتهديد لمصالحها الضيقة يأتي هذا المناضل الجليل ليكشف عورة الانتهازية السياسية ويصنع بموقفه هذا ذاك الفرق الساطع بين من ينظر للحزب كـ ( سقف إيواء مؤقت) ينكر فضله ويكفر بتاريخه لمجرد تحول في التوازنات وبين مناضل عضوي يعتبر الحزب بيته الفكري والسياسي يجود برصيده ليحميه ويدعم استمراريته.
إن الهدف من إبراز هذا الدرس النضالي القادم من أكادير ليس مجرد إعادة إنتاج خطابات الثناء بل إعادة تذكير الرأي العام والفعاليات الحزبية بأن السياسة في جوهرها الأصيل ليست مجرد غنيمة ومناصب.. بل هي موقف وشرف وتسامٍ عن الأنا.
إن الكبار لا يصغرون حين يفسحون الطريق لمن خلفهم بل يكبرون في عين التاريخ.. وتحية لـ المعلم الفلاح الذي أثبت أن النضال النظيف يظل ممكناً.. حتى في زمن الجفاف الأخلاقي .

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto