الثقافة

حسن بوكجا… حين تصبح هوايةُ الكتاب مواطنةً وذاكرة

  • د. خالد ألعيوض * //

في أسايس، ذلك الحي العتيق من أحياء إنزكان، حيث تختزن الأزقة حكايات الناس، وحيث مرّ الفن ذات يوم حافياً بين البيوت، يوجد بيت يشبه صاحبه: بسيط من الخارج، لكنه يخفي في داخله عالماً واسعاً من الحكايات.
قبل أن يُبنى هذا البيت، كان المكان فضاءً مسوراً، تقام فيه حفلات عيساوة وإسمگان، وكانت أصوات الطبول والإنشاد تتردد بين أرجاء الحي. لذلك ظل المكان يحمل، حتى بعد أن أصبح بيتاً عائلياً، شيئاً من تلك الذاكرة الفنية القديمة. وحين بُني المنزل، لم يكن أحد يتصور ربما أن طابقه السفلي سيصبح، بعد سنوات، بيتاً آخر من نوع مختلف؛ بيتاً للكتب والقراء والباحثين والفنانين.
هناك اختار حسن بوكجا أن يضع مكتبته.
لم يختر حسن هذا الطريق لأنه تلقى تكويناً في علم المكتبات، ولا لأنه كان يخطط منذ البداية لإنشاء فضاء ثقافي. كانت الحكاية أبسط وأجمل: طفل أحب الكتاب، وكبر معه هذا الحب حتى صار جزءاً من حياته.
ولد حسن في أسايس سنة 1977. درس في مدرسة الموحدين، ثم في إعدادية أحمد المنصور الذهبي، قبل أن يلتحق بالثانوية العتيدة عبد الله بن ياسين. وبعد ذلك اختار مساراً مهنياً بعيداً عن عالم الكتب. لكن الإنسان قد يشتغل في مهنة، بينما تسكنه مهنة أخرى لا تظهر في أوراقه الرسمية.

حسن بوكجا… حين تصبح هوايةُ الكتاب مواطنةً وذاكرة - اكادير اليوم
مهنة حسن الحقيقية، إذا جاز التعبير، هي البحث عن الكتاب وإنقاذه من النسيان.
كلما تنقل بين أكادير والرباط، كان يبحث عن المكتبات، خصوصاً تلك التي تبيع الكتب المستعملة. يدخل إليها كما يدخل صياد إلى غابة يعرف أنها تخفي شيئاً ثميناً. يقلب الكتب، يتفحص العناوين، يختار ما يستطيع شراءه، ثم يعود محملاً بما عثر عليه.
ولم تكن المكتبات وحدها وجهته. كان سوق المتلاشيات بإنزكان بالنسبة إليه مكاناً آخر للبحث عن الكنوز. ومع مرور الوقت أصبح التجار يعرفونه. فإذا وصلت شحنة من الكتب القديمة، أو ظهرت أسطوانات أو كاسيطات أو أجهزة راديو أو آلات كاتبة أو أشياء من زمن مضى، كان اسم حسن يحضر في أذهانهم.
كانوا ينادونه.
وكان يأتي.
وهكذا، قطعة بعد أخرى، وكتاباً بعد كتاب، بدأت تتشكل المكتبة.
لم يكن حسن يجمع الأشياء لمجرد جمعها. كان يشعر، ربما دون أن يسمي ذلك، بأن لكل كتاب حياة، ولكل مجلة ذاكرة، ولكل أسطوانة حكاية، وأن ما يعتبره البعض «متلاشيات» قد يكون بالنسبة إلى شخص آخر أثراً ثميناً من زمن لا يعود.
لذلك نجد في مكتبته اليوم نفائس يصعب العثور عليها: كتباً وكراسات تعليمية قديمة تعود إلى عقود بعيدة، وسلسلة بوكماخ كاملة، وسلسلة «اقرأ»، ومئات الكتب والمجلات، من بينها أعداد نادرة، إضافة إلى الأسطوانات والكاسيطات والراديوهات والآلات الكاتبة وأشياء أخرى تشكل، في مجموعها، صورة مصغرة عن ذاكرة ثقافية واجتماعية.
والأغرب أن الرجل يفعل كل ذلك بعفوية.

حسن بوكجا… حين تصبح هوايةُ الكتاب مواطنةً وذاكرة - اكادير اليوم
حين سألناه عن التكوين الذي تلقاه في هذا المجال، أجاب ببساطته المعهودة:
“هذه هوايتي، لم أتدرب ولم أتلق تكويناً.”
لكن بعض الهوايات، حين يسكنها الشغف سنوات طويلة، تتحول إلى خبرة لا تمنحها المدارس.
حسن يعرف مكتبته كما يعرف المرء بيته. يعرف أين يختبئ الكتاب، ومن أي رف يمكن أن يخرج المرجع الذي تبحث عنه. وقد حدث لي شخصياً، كلما اشتغلت على موضوع أو أعددت مقالاً، إن قصدته باحثاً عن كتاب، فيعود بعد وقت قصير حاملاً مجموعة من الكتب والمراجع التي يرى أنها يمكن أن تفيدني.
لا يكتفي بأن يقول لك: “هذا هو الكتاب”.
بل يساعدك على العثور على الطريق إلى المعرفة.
ولهذا أصبح فضاؤه ملاذاً للطلبة والباحثين. مرّ منه كثيرون وهم يعدون بحوث الإجازة والماستر والدكتوراه. بعضهم جاء مرتبكاً أمام موضوعه، ثم خرج بكتب ومراجع فتحت أمامه الطريق. وبعضهم واصل مساره العلمي والمهني، حتى أصبح اليوم في مواقع مختلفة داخل المغرب وخارجه.
ويعتز حسن بأن أحد رواد مكتبته يوجد اليوم في إحدى الدول الآسيوية.
ربما لا يعرف ذلك الشاب، في كل لحظة، كم كان لكتاب وجده يوماً في أسايس من أثر في رحلته. لكن حسن يعرف.
وذلك يكفيه.
لأن أجمل مكافأة يمكن أن يحصل عليها من يخدم الثقافة ليست المال ولا الشهرة، وإنما أن يرى ثمرة ما قدمه في حياة الآخرين.
أن تعرف أنك ساعدت طالباً في بحثه، وأن تراه بعد سنوات وقد أصبح باحثاً أو أستاذاً أو مهنياً ناجحاً، هو إحساس لا يمكن أن تمنحه أي شهادة.
إنه إحساس المواطن الذي يقول في داخله:
لقد قدمت شيئاً لهذا المجتمع.
وهنا بالضبط تكمن قيمة تجربة حسن بوكجا.
فهو لم ينتظر مؤسسة أو ميزانية أو مشروعاً كبيراً كي يفعل شيئاً. بدأ من بيته، ومن هوايته، ومن إمكانياته المحدودة. وحين كان بإمكانه أن يجعل الكتب ملكاً شخصياً، اختار أن يجعلها متاحة للآخرين.
وهذه هي روح المواطنة في أجمل صورها: أن تملك شيئاً فتحوله إلى منفعة عامة.
والأجمل أن الأسرة نفسها آمنت بهذا الاختيار. لقد تركت لحسن الطابق السفلي من البيت ليحوله إلى فضاء ثقافي. وهكذا أصبح جزء من البيت العائلي بيتاً للكتاب.
إنها مبادرة تستحق التقدير، لأنها تقول لنا إن الثقافة لا تبدأ دائماً من المؤسسات الكبرى؛ أحياناً تبدأ من غرفة، أو من رف، أو من شخص قرر أن يفعل شيئاً بسيطاً يحبه، ثم اكتشف أن الآخرين يحتاجون إليه.
ومكتبة حسن لم تبق مكتبة فقط.
لقد أصبحت ملتقى للفنانين والمبدعين.
وهذا أيضاً ليس صدفة. فأسايس حي يحمل ذاكرة فنية عميقة؛ فيه ولدت تجارب مرتبطة بتازنزارت، وفيه عاش فنانون وموسيقيون وممثلون، وظل المكان فضاءً مفتوحاً على الإبداع.
من هنا مرّ فنانون من أجيال مختلفة، ومنهم الإخوة بيري، محمد وحسن وإبراهيم، والمرحوم الشاطر، وكان الحنفي يتردد على هذا الفضاء، إلى جانب أسماء أخرى.
ومع مرور الوقت، صار الكتاب نفسه جزءاً من هذه الذاكرة الفنية.
في المكتبة عُرضت كتب، واحتُفي بإصدارات، ووجد مبدعون فضاءً قريباً منهم. وارتبط المكان بأعمال عدد من المؤلفين، من بينهم الأستاذ أحمد كزطي، والأستاذ أحمد دوخراز، ومحمد بيري، الذين نوهوا بالمجهود الذي بذله حسن وبالمراجع والكتب التي وضعها رهن إشارتهم.
لكن الصورة التي تختصر كل شيء ربما هي تلك التي نجد فيها، داخل بيت قديم في أسايس، شباباً وفتيات يجلسون للقراءة.
بعضهم يأتي من بعيد.
بعضهم تعرف على المكتبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
والبعض الآخر جاء فقط لأنه سمع أن هناك مكاناً يمكن أن يجد فيه الكتاب الذي يبحث عنه.
في عز الصيف، حين يقال كثيراً إن الشباب ابتعدوا عن الكتاب، نجدهم هنا، يقلبون الصفحات، يسألون عن العناوين، ويبحثون عن المعرفة.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
لماذا استطاعت مبادرة فردية بسيطة أن تستقطب هؤلاء الشباب؟
ربما لأن حسن لا يقدم لهم كتاباً فقط، وإنما يقدم لهم مكاناً يشعرون فيه بأن الكتاب ما زال حياً.
يستقبلهم، يساعدهم، يدلهم، ويشاركهم شيئاً من شغفه.
وهذا ما يجعل تجربة المكتبات الخاصة والفضاءات الثقافية التي تنشأ بمبادرات فردية في سوس جديرة بالدراسة والاهتمام. فهي تثبت أن الحاجة إلى الثقافة موجودة، وأن الشباب ليسوا بالضرورة بعيدين عن الكتاب، وإنما يحتاجون إلى فضاءات تصل إليهم وتفهم حاجاتهم وتمنحهم الثقة.
تجربة حسن بوكجا تضعنا أمام معنى آخر للمواطنة.
فالمواطنة ليست دائماً خطاباً كبيراً، ولا تحتاج بالضرورة إلى مشاريع ضخمة.
أحياناً تكون المواطنة أن تحتفظ بكتاب كان يمكن أن يضيع.
أن تشتري مجلة قديمة لأنك تعرف أن أحداً سيحتاج إليها.
أن تساعد طالباً في العثور على مرجع.
أن تفتح باب بيتك أمام باحث.
أن تمنح شاباً مكاناً هادئاً ليقرأ.
أن ترى نجاح شخص ساعدته يوماً، فتشعر أنك كنت جزءاً صغيراً من حكايته.
لهذا فإن مكتبة حسن يمكن النظر إليها باعتبارها صدقة جارية من نوع خاص؛ علماً ينتفع به.
وما دام الكتاب ينتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، فإن أثر صاحبه يستمر.
لكن مثل هذه المبادرات، مهما كانت جميلة، لا ينبغي أن تظل وحيدة.
إنها تستحق أن تلتفت إليها المجالس المنتخبة، ووزارة الثقافة، والمؤسسات التعليمية، وكل الجهات المعنية بالقراءة والشباب. ليس من أجل تحويلها إلى مؤسسات بيروقراطية، وإنما من أجل دعمها وحمايتها ومساعدتها على الاستمرار.
فالفضاءات التي تصنع القارئ وتعيد إليه علاقته بالكتاب هي جزء من بناء الإنسان.
وفي زمن تتعرض فيه علاقة الشباب بالأسرة والذاكرة والثقافة لضغوط وتحولات عميقة، نحن في حاجة إلى مثل هذه الأماكن التي تعيد وصل الإنسان بجذوره، وبالكتاب، وبالمعرفة، وبالآخر.
لقد اختار حسن بوكجا أن يبدأ من الطابق السفلي لبيت أسرته.
لم يملك مشروعاً ضخماً، ولا مؤسسة كبيرة، ولا ميزانية ثقافية.
كان يملك فقط شغفاً صادقاً بالكتاب، وأسرة آمنت به، وإرادة في أن يكون ما يفعله نافعاً لغيره.
وربما لهذا السبب تبدو تجربته أكبر من مكتبة.
إنها حكاية رجل جمع الكتب، فإذا به يجمع حولها الناس.
جمع أشياء من الماضي، فإذا به يحفظ الذاكرة.
فتح باب بيته، فإذا به يفتح باباً للمعرفة.
بدأ كهواية شخصية، فإذا به يتحول إلى خدمة عامة.
وهكذا، في زاوية من أسايس العتيق، بين ذاكرة عيساوة وإسمگان، وذاكرة تازنزارت والفنانين، وبين رفوف الكتب القديمة وأصوات الشباب الباحثين عن المعرفة، يواصل حسن بوكجا عمله الهادئ.
لا يبحث عن المجد.
يكفيه أن يأتي شاب فيجد كتاباً.
أن يأتي باحث فيجد مرجعاً.
أن يأتي فنان فيجد ذاكرة.
وأن يخرج أحدهم من مكتبته وفي يده كتاب، وفي ذهنه فكرة، وفي قلبه شيء من الأمل.
تلك هي المواطنة حين تتحول من كلام إلى فعل، وتلك هي الثقافة حين تصبح خدمة للآخرين.

  • خالد العيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والابحاث

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto