الرأيالسياسة

حين يتحول غياب النصاب إلى هدر للزمن التنموي

  • أكادير اليوم – بقلم محمد العسري //

قراءة في تعثر الدورة الاستثنائية لجماعة الدشيرة الجهادية
إن عدم اكتمال النصاب القانوني خلال الدورة الاستثنائية لجماعة الدشيرة الجهادية لا ينبغي اختزاله في مجرد واقعة إجرائية أو خلاف عابر بين مكونات المجلس.

فنحن أمام مؤسسة منتخبة يفترض فيها أن تضمن، بشكل منتظم ومستمر، ممارسة اختصاصاتها التداولية واتخاذ القرارات المرتبطة بتدبير شؤون الجماعة. وعندما يتعذر انعقاد دورة استثنائية بسبب غياب النصاب، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن حضر ومن غاب، وإنما يتعلق أساساً بما الذي تعطل، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن الزمن الذي يضيع.

فالدورة الاستثنائية، من حيث طبيعتها القانونية، لا يتم اللجوء إليها عبثاً، وإنما تعقد لمعالجة قضايا تستدعي التداول خارج الإيقاع العادي للدورات. ولذلك، فإن تعذر انعقادها يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة الملفات المدرجة ومدى تأثير تأجيل البت فيها على السير العادي للمرفق الجماعي.

صحيح أن القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات وضع آليات قانونية لمعالجة حالات عدم اكتمال النصاب وتأجيل الاجتماع، غير أن احترام المسطرة القانونية لا ينبغي أن يحجب النقاش السياسي الحقيقي: القانون يعالج حالة التعثر، لكنه لا يعوض الزمن الذي يضيع ولا ينجز القرارات التي تم تأجيلها.

وهنا تبرز خصوصية التوقيت. فالمجلس يوجد في مرحلة تتقلص فيها المسافة الزمنية الفاصلة عن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهي مرحلة يفترض منطقياً وسياسياً أن تتحول إلى زمن لتسريع وتيرة الإنجاز، واستكمال الأوراش المفتوحة، وتسوية الملفات العالقة، وتقديم حصيلة واضحة للساكنة.

غير أن ما يثير الانتباه هو أن جزءاً من الزمن المتبقي يبدو مهدداً بأن يتحول إلى زمن للتجاذب السياسي، وتبادل المواقع، وإعادة ترتيب الحسابات الانتخابية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام خلاف حول تدبير الشأن المحلي، أم أمام بداية انتقال مبكر من منطق تدبير الولاية إلى منطق تدبير الاستحقاق؟

إن الخطأ الذي ينبغي تجنبه هو تحميل مسؤولية عدم اكتمال النصاب لطرف واحد بشكل تلقائي. فالمقاطعة أو الغياب قد يكونان تعبيراً عن موقف سياسي، لكن استعمالهما داخل مؤسسة منتخبة لا يعفي أصحابهما من مسؤولية شرح أثر ذلك على الملفات المطروحة.

وفي المقابل، فإن الأغلبية المسيرة لا يمكنها أيضاً أن تكتفي بالقول إن الآخرين عطلوا المجلس؛ لأن من مسؤوليتها السياسية تدبير الأغلبية، وبناء التوافقات، واستباق الأزمات، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المؤسساتي الضروري لانعقاد المجلس.

ومن هنا، فإن المسؤولية تتجاوز منطق الأغلبية والمعارضة. فالمواطن لا ينتخب أعضاء المجلس من أجل قياس حجم الصراع بينهم، بل من أجل إنتاج القرار العمومي المحلي. ولا يهمه، في نهاية المطاف، من ربح معركة النصاب، بقدر ما يهمه معرفة ما إذا كان المشروع سينجز، والخدمة ستتحسن، والملف العالق سيجد طريقه إلى الحل.

فالشرعية الانتخابية تمنح المنتخب حق ممارسة السياسة، لكنها لا تمنحه حق تحويل الزمن التنموي إلى هامش من الخسائر السياسية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في نهاية أي ولاية هو أن تصبح المؤسسة الجماعية منشغلة بتدبير مستقبل المنتخبين أكثر من انشغالها بتدبير حاضر المواطنين. فمع اقتراب الانتخابات، يرتفع منسوب الحسابات السياسية، وتصبح التحالفات أكثر هشاشة، ويصبح كل قرار قابلاً للقراءة بمنظار انتخابي.

لكن التحدي الحقيقي للنخب المحلية يكمن تحديداً في قدرتها على الفصل بين زمن المنافسة الانتخابية وزمن المسؤولية المؤسساتية. يمكن للجميع أن يستعد للاستحقاقات المقبلة، لكن لا يجوز أن يتحول هذا الاستعداد إلى سبب لتعطيل مؤسسة لا تزال ولايتها قائمة والتزاماتها مستمرة.

إن واقعة عدم اكتمال النصاب بالدشيرة الجهادية ينبغي أن تكون مناسبة لطرح سؤال أكبر من الدورة نفسها: كم من الزمن التنموي تبقى للجماعة؟ وما هي الملفات التي يجب أن تحسم قبل أن تتحول المرحلة إلى حملة انتخابية مفتوحة؟

لأن أخطر أشكال الهدر ليس فقط هدر المال العام، بل أيضاً هدر الزمن العمومي. فالمال يمكن تعويضه في ميزانية لاحقة، أما الوقت الذي تضيع فيه فرصة اتخاذ قرار أو إطلاق مشروع أو معالجة اختلال، فقد لا يعود.

الدشيرة الجهادية اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من تعطيل الزمن، بل إلى وضوح سياسي ومسؤولية مؤسساتية. المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، لأن الاختلاف جزء من الديمقراطية، وإنما منع تحوله إلى شلل.

فالأغلبية مطالبة بضمان شروط الاستقرار والتواصل، والمعارضة مطالبة بممارسة رقابة مسؤولة لا تجعل المؤسسة رهينة للمقاطعة، وكل عضو في المجلس مطالب بتذكر أن صفته الانتخابية ليست امتيازاً سياسياً فقط، بل التزام قانوني وأخلاقي تجاه الساكنة.

وفي النهاية، قد يسمح القانون بتأجيل الدورة وإعادة الدعوة إليها وفق المساطر المعمول بها، لكن القانون وحده لا يستطيع أن يجيب عن سؤال المسؤولية السياسية: من يعوض للدشيرة الزمن الذي يضيع؟

ذلك هو السؤال الحقيقي. لأن الانتخابات ستأتي في موعدها، والحملات ستنتهي، والوجوه قد تتغير، لكن ما سيتبقى هو حصيلة جماعة: ماذا أنجزنا حين كان الزمن بين أيدينا، وماذا عطلنا حين فضلنا أن نبدأ الانتخابات قبل أوانها؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto