
..” سبتة ليست للبيع”… هو شعار الشك والتشكيك
أنظر إلى مياه «سان أمارو» وشواطئ سبتة فأرى أبواق السفن تتعالى.. والسياسيون ورجال الأعمال المنتمون إلى اليمين الإسباني يصرخون بحناجر ملتهبة ويرفرفون بالأعلام:
(سبتة لا تُباع.. سبتة نُدافع عنها..)
التاريخ أحياناً يملك حساً ساخراً لا يرحم.
فحين تفتح كتب التاريخ الإسباني القديم تجد أسطولاً جباراً يعبر المحيطات يكسر الأفق ويرسم الخرائط وينشئ إمبراطورية واسعة أما اليوم.. فالزمن انكمش والأساطيل العظيمة انكمشت هي الأخرى لتصبح مجرد قوارب صغيرة وسفن نزهة بادخة تحوم في مساحة ضيقة لا تتجاوز بضعة كيلومترات
إنها النوستالجيا وحنينٌ طفولي إلى ماضٍ ذهب ولم يعد…
وحين يشعر المرء باهتزاز اليقين في حاضره لا يجد مفرّاً من ارتداء ملابس أجداده والنزول بها إلى البحر علّ البحر يذكره بما كان…!
هكذا يمكن أن يُقرأ هذا المشهد الاستعراضي الفاقع.. مشهدٌ لا يخبرنا بكيفية التجييش القومي فحسب بل يزيح الستار عن أزمة نفسية عميقة تعيشها بعض النخب المحافظة واليمينية هناك.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا بقوة هو:
من الذي يطلب شراء سبتة أصلاً.. حتى يخرج هؤلاء ليرددوا بغضب أنها ليست للبيع..؟!
فالإنسان الواثق من ملكيته لا يصرخ في الشارع ليثبت أنه يملك بيته.. هل رأيت يوماً أحداً في مدريد أو إشبيلية ينظم مسيرة بحرية أو يتظاهر في الصباح ليقول للناس: ( إشبيلية ليست للبيع فانتماء إشبيلية حقيقة هادئة بديهية لا تحتاج إلى مكبرات صوت ولا إلى استعراضات موسمية.
أما حين يصرخ الخطاب في سبتة بـ «عدم البيع» يستحضر فكرة البيع نفسها يضعها على الطاولة.. ليقول لنا ولصانع القرار في مدريد قبل غيره:
نحذرك من التفكير أو التفاوض أو المساومة
ثم تزداد المفارقة طرافة حين تتجه هذه القوارب الرمزية جنوباً نحو الضفة الإفريقية، لتصوّر المغربي بوصفه «غازياً» يتربص بالمدينة بينما تتظاهر نفس هذه القوارب بالعمى التام حين تلتفت شمالاً.. نحو جبل طارق القريب القابع في حضن السيادة البريطانية
وهنا نسأل بلطف:
لماذا تسترجل الجغرافيا وتتحول إلى صخرة صلبة حين تنظر إلى الجنوب بينما تصبح رقيقة مرنة ومتساهلة حين تتجه عيونها نحو الشمال؟
الجواب بسيط:
القومية هناك بإسبانيا حين تتحول إلى أداة للمزايدة لا تحترم الجغرافيا كحقيقة مجردة بل تنتقي منها ما يروق لها وما يدغدغ مشاعر الجمهور الداخلي.
إن من يملك يقين الأرض لا يحتاج إلى المهرجانات ليثبت أنه صاحبها أما حين تتدفق الشعارات والاحتفالات والرسائل التحذيرية فإن ذلك لا يعكس قوة الحجة بل يعكس حجم القلق الدفين.. والخوف مكتوم النبرة من أن تتحول القضية غداً من مسألة محسومة إلى ملف مفتوح للنقاش .
وإلى أن يفتح هذا الملف اليوم اوغدا
فإن مدينة سبتة المحتلة ستظل جغرافيتها الإفريقية هادئة.. صامتة.. وأكثر حكمة من كل هذه الضوضاء. فهي للا تحتاج إلى أعلام ولا إلى قوارب نزهة كي تفرض نفسها يكفي أن تسأل أسئلتها البسيطة والكبيرة في آن واحد:
من أين تبدأ الحدود؟ وكيف تشكلت؟ ومن يملك حق كتابة الفصل الأخير؟
وعندما تتكلم الجغرافيا والتاريخ تصمت الشعارات.. وتصبح كل هذه الضوضاء مجرد غطاء مؤقت لأسئلة تأجلت..
وآن الوقت لبداية حسمها النهائي
- يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



