المغرب اليوم

الأمازيغية والأحزاب السياسية وحكومة ما بعد شتنبر2026

  • أكادير اليوم – الحسين بويعقوبي  //

في كل موعد انتخابي، خاصة الانتخابات التشريعية، يعود موضوع الأمازيغية للنقاش، ويبحث كلّ حزب عن تقديم وعود للدفع بهذا الموضوع الى الأمام، حيث تسعى أحزاب الأغلبية الحكومية للدفاع عن حصيلتها خلال ولايتها المُشرفة على الانتهاء، باعتبارها إيجابية مع بعض الاكراهات، في حين تعمل أحزاب المعارضة على تأكيد نقيض ذلك وإظهار تقاعس الحكومة عن التزاماتها السابقة، وبين هذا وذاك، وأمام غياب هيكل تنظيمي يمكنه التعبيرعن موقف موحّد، تختلف مواقف الفاعلين المدنيين المنتمين لما يُعرف في الأدبيات السياسية ب”الحركة الأمازيغية”.

وهي حركة، لا يوجد تعريف واحد وأوحد لها، لكن يتقاسم أفرادها وجمعياتها همّ الدفاع عن الأمازيغية، لغة وثقافة وهوية، رغم اختلاف مشاربهم الفكرية، لكن لكلّ واحد (فردا أو مجموعة) منطقه ومنهجه واستراتيجيته، ممّا يجعل حتى بعض المنتمين للأحزاب السياسية، سواء في الأغلبية أو المعارضة، يعتبرون أنفسهم أيضا منتمون لهذه “الحركة”، وبعضهم كانت له تجربة جمعوية أمازيغية أو تجربة نضالية طلابية في هذا المجال. وهذا ما يجعل البحث عن موقف موحّد لهذه الحركة في موضوع الأحزاب والانتخابات وعلاقتها بالأمازيغية أمر شبه مستحيل.

مع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر 2026، التي ستفرز حكومة جديدة، ظهر النقاش القديم-الجديد حول موقع الأمازيغية في البرامج الانتخابية للأحزاب المتنافسة، والالتزامات التي يُقدمها هذا الحزب أو ذاك، لكن السياق اليوم مختلف لأن هذه الانتخابات تأتي بعد 25 سنة من الخطاب الملكي لأجدير يوم 17 أكتوبر 2001 الذي يُعتبر بداية مرحلة الاعتراف الرسمي بالأمازيغية، بعد عقود من التهميش، وبعد 15 سنة من الاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة رسمية ومكوّنا أساسيا في الهوية المغربية، وبعد 7 سنوات من صدور القانون التنظيمي 26-16 لتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

وخلال هذه المدّة، أي ربع قرن، بدأت تجربة تدريس الأمازيغية في المدارس الابتدائية منذ سنة 2003 وفي الوقت نفسه نظّم المغرب عمليتين لإحصاء السكان (2014-2024) أكّدتا استمرار تراجع عدد الناطقين بالأمازيغية في المغرب، أي لا زلنا في نفس الوضعية التي بدأت منذ استقلال البلاد سنة 1956 واستمرت حتى في ظل الاعتراف الرسمي بالأمازيغية وما تبعه من إجراءات في مختلف المجالات.

ولذلك فمن يطرح هذا الموضوع في السياق الحالي يجد نفسه مُحاطا بهذه الوضعية “غير منطقية”، لأن الاعتراف بالأمازيغية وتدريسها منذ 23 سنة يفترض خلق أجيال من المغاربة يتقنون هذه اللغة، وبالتالي تزايد عدد الناطقين بها، ممّا سيؤدّي إلى إخراجها من خانة اللغات المهددة بالانقراض، حسب تصنيف اليونيسكو، وهو ما لم يحصل.

وما يُصعّب الوضع ويجعله مُلتبسا أنّ كلّ الأحزاب التي بإمكانها أن تُشكّل الأغلبية المُقبلة شاركت في احدى الحكومات السابقة، أي مسؤولة، بشكل أو بآخر، عن الوضعية الحالية للأمازيغية، ممّا يجعل وُعودها في غذ أفضل لهذه اللغة تصطدم بتجربتها السابقة في التسيير، وإن كانت التجارب كلها غير متساوية في طريقة التعامل مع هذا الملف.

لا شك أن تقييم تجربة 25 سنة من تعاطي الحكومات المتعاقبة مع الأمازيغية يختلف من شخص لآخر، حسب موقعه وحسب ما يأخذه معيارا للتقييم. فإذا كانت المقارنة تتمّ مع ما قبل 2001، فأكيد أن الأمازيغية حققت مكتسبات كبرى، خاصة الاعتراف الدستوري وما يضمنه من حماية قانونية للأمازيغية، كما أصبحت الطبقة السياسية أكثر قابلية للموضوع وبدأ المجتمع يتملّك تدريجيا المطالب الأمازيغية، لكن في المقابل فعدم تغيّر الوضع السوسيو-لسني للأمازيغية وضعف المنجز والنتيجة المفروض الوصول إليها في 25 سنة واستمرار تراجع عدد الناطقين بها يجعل التقييم سلبيا.

وعلى هذا المستوى قد يجد كل حزب ما يُبرّر به هذا البطء في التفعيل، وما يتملص به من مسؤوليته بهذا الصدد، وقد يلقي كل حزب اللّوم على الاخر، أو قد يبرر التباطؤ بوجود جيوب مقاومة، حسب تعبير المرحوم عبد الرحمان اليوسفي أو بكون الملف في بعض أبعاده يتجاوز الحكومة.

وأمام هذا الوضع تجد مكونات الحركة الأمازيغية نفسها من جديد أمام سؤال الموقف من انتخابات شتنبر 2026. فالمقاطعة التي كانت تُعبّر عنها قبل 2011 كانت مبرّرة بغياب الاعتراف الدستوري بالأمازيغية، وهو ما انتفى اليوم، والمشاركة التي جرّبها البعض من خلال الانخراط في بعض الأحزاب أو دعمها بشكل أو بآخر لم تُحقق المنتظر، كما أنّ مشروع تأسيس حزب سياسي بمرجعية أمازيغية لم ير بعد النور رسميا، وبالتالي يصعُب تحديد مدى تأثيره في الساحة السياسية المغربية.

لكن في الوقت نفسه ومنذ الاعتراف الدستوري بالأمازيغية، لم تعد الأمازيغية “ملفا ملكيا”، كما كان الأمر منذ تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001، وتبعته كل القرارات الإيجابية لصالح الأمازيغية، ومنها الاعتراف برأس السنة الأمازيغية يوم عطلة مؤدى عنه في ماي 2023، بل أصبحت “ملفا حكوميا” متروكا للتدافع السياسي والمجتمعي.

في ظل هذا الوضع وجدت الحركة الأمازيغية نفسها مُطالبة من جهة بتوسيع نشاطها في المجتمع بمختلف فئاته، واستعادة حيويتها لممارسة الضغط وقت الحاجة، ومن جهة أخرى بالعمل على التأثير في المجتمع السياسي، وهو ما لم يحصل إذ إن مسلسل الاعتراف والمكاسب المحققة بدل أن يُعزز دينامية الحركة خلق ذاخلها نوعا من التراخي والانتظارية، كرّسه وفاة عدد من قيادات الحركة وتراجع دينامية أخرى تم التحول الحاصل على مستوى البنية الديمغرافية للنسيج الجمعوي الأمازيغي، حيث لم تظهر وجوه جديدة بنفس مستوى وكاريزما القيادات السابقة القادرة على خلق الحدث، وفي سياقات معينة لعب دور الوساطة بين الحركة الاحتجاجية الأمازيغية وذوي القرار السياسي.

من أكبر تحديات الحكومة المُقبلة هو تدارك التأخير الحاصل في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وضمنه تعميم تدريس هذه اللغة على المستوى الابتدائي المفروض أن يتم سنة 2025، وهو ما لم يتحقق، تم تعميم تدريسها في المستوى الاعدادي والثانوي والجامعي، وربطها بسوق الشغل وبالترقية الاجتماعية لترتفع قيمتها في سوق الممتلكات الرمزية. ويُعدّ ورش التعليم هذا قلب الرحى في هذا الموضوع، فنجاحه يضمن تطوير هذه اللغة ونشرها وبالتالي يؤدي حتما لتيسير تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في باقي المجالات.

واذا كان لا مفرّ من التعامل مع الأحزاب السياسية لأنها ستُقرر في السياسات العمومية للخمس سنوات المقبلة، فقد يكون من المفيد المطالبة بالالتزام بتدارك التأخير الحاصل في مسلسل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وخلق صندوق مستقل عن الوزارات خاص بالأمازيغية يُخصص كليّا لهذا الموضوع (دون ربطه بالرقمنة وتحديث الإدارة أو موضوع آخر)، مع الرفع من ميزانيته وتحديد المجالات ذات الأولوية لصرفها وطريقة ذلك، ويجب أن تُركز على المجالات المتعلقة بضمان استمرار ونقل وتعليم اللغة الأمازيغية والإبداع بها، وأيضا في كل ما يتعلق بالبرامج والتقنيات الحديثة لتعليم اللغات للأطفال، بما في ذلك ولوج عالم الذكاء الاصطناعي، ودعم الاعلام والإنتاج التلفزي بالأمازيغية.

وقد يكون مفيدا أيضا، كنوع من التمييز الإيجابي، التفكير في منصب كاتب دولة مكلف بتتبّع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية أو هيئة وطنية حكومية مكلفة بذلك وتُقدم تقريرها السنوي أمام البرلمان اعتمادا على أرقام وإحصائيات ذات مصداقية.

إن أكبر تحدّ لدى الحكومات المقبلة في موضوع الأمازيغية هو “عامل الزمن”الذي ليس في صالح هذه اللغة، فكل يوم تأخير في تفعيل مقتضيات قانونها التنظيمي هو تعزيز لتراجع عدد الناطقين بها، والدولة نفسها تؤكد ذلك، وعليه فتطور عدد الناطقين بالأمازيغية يجب أن يكون المقياس الوحيد لتقييم نجاح أو فشل كل حكومة في هذا الموضوع.

وتحدّي الزمن هذا يُطرح أيضا بالنسبة للحركة الأمازيغية التي عليها أن تبدع طرقا جديدة للترافع وتطوير قدراتها في التفاوض خاصة مع الفاعل السياسي واستثمار ما يسمح به القانون على المستوى القضائي وأيضا الهامش الذي تسمح به القوانين على مستوى الجماعات الترابية للتأثير في السياسات المحلية (الجماعات الترابية والمجالس الجهوية)، ثم التفكير في طرق معينة “للمقاومة اللغوية”، وهو ما تلعب فيه العائلة دورا مركزيا ذون إغفال أهمية الأنشطة الجمعوية وطبيعة الخطاب المُنتج حول الأمازيغية ودور المخيمات الصيفية والمدارس الخاصة، ومن المفيد جدا التكوين في مجال تتبع وتقييم السياسات العمومية في مجال الأمازيغية وإعداد تقارير سنوية في الموضوع تُوجه إلى الجهات المعنية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto