الرأيالسياسة

الخيانة أم إعادة التموضع؟ إشكالية التصنيف الأخلاقي للفعل السياسي

  • بقلم رشيد غاندي //

أكادير اليوم – تنتشر على الألسنة عبارة تعود إلى تقليد فكري سياسي قديم، تشير إلى أنه “لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة في السياسة، إنما مصالح دائمة”.

رغم شيوع هذه المقولة، فإنها تعكس إشكالًا نظريًا عميقًا ظل حاضراً في الفكر السياسي منذ ميكيافيلي، يتمثل في العلاقة بين الأخلاق والسياسة: هل يمكن اعتبار الممارسة السياسية خاضعة لمعايير أخلاقية ثابتة يمكن من خلالها تقييم فعل “الخيانة”، أم أن السياسة تمثل مجالًا مستقلًا له منطق خاص يتأسس على تقدير المصلحة والسياق، مما يجعل مفهوم الخيانة مستعارًا من حقل أخلاقي لا يمكن تطبيقه عليه؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست بالبساطة التي قد يوحي بها الطرح الأول، ولا يمكن اعتبارها مطلقة في أي من الاتجاهين.

إذ تتطلب المقاربة الأكاديمية الرصينة التمييز بين مستويين مختلفين من التحليل: مستوى وصفي يتعلق بكيفية إدارة الممارسة السياسية فعليًا، ومستوى معياري يتساءل عن القيود الأخلاقية أو المؤسساتية التي ينبغي أن تخضع لها هذه الممارسة.

غالبًا ما يؤدي الخلط بين هذين المستويين إلى إصدار أحكام قاطعة، إما بتبرير كل تحول سياسي باعتباره “واقعية”، أو بإدانة كل تحول باعتباره “غدرًا”، بينما تكمن الحقيقة في منطقة أكثر دقة بين هذين الموقفين.

قبل اتخاذ أي موقف بشأن ظاهرة سياسية معينة، سواء كانت خيانة أو براغماتية، يتطلب المنهج العلمي التمييز بين نوعين مختلفين من الأفعال، غالبًا ما يتم الخلط بينهما في الخطاب العام:

النوع الأول هو تغير الموقف السياسي استجابة لظروف جديدة، دون أن يكون هذا التغير مرتبطًا بالتزام صريح سابق تجاه طرف معين. ينتمي هذا النوع من التحول إلى ما يُطلق عليه بعض منظري العلوم السياسية “إعادة التموضع الاستراتيجي”، وهو مفهوم مرتبط بطبيعة العمل السياسي الذي يتحرك في بيئة تتسم بالتغير المستمر في التحالفات والموازين، ولا يتطلب بالضرورة توصيفًا أخلاقيًا سلبيًا.

أما النوع الثاني، فهو خرق التزام صريح أو ضمني تم قطعه تجاه طرف معين -كالناخبين أو الشركاء في التحالف أو الحزب أو المؤسسة- مما يتعارض مع الأساس الذي بُنيت عليه الثقة المتبادلة. هذا النوع يمكن وصفه، من منظور نظرية العقد وأخلاقيات الوكالة، بخرق “الواجب الائتماني”، وهو مفهوم مستعار من القانون والاقتصاد المؤسساتي، حيث يُفيد أن من يتصرف نيابة عن آخرين -مثل الممثل المنتخب تجاه ناخبيه- يتحمل التزامًا يتجاوز مجرد حساب المصلحة الذاتية.

هذا التمييز يعد جوهريًا، لأنه ينقل النقاش من سؤال عام وفضفاض (“هل السياسة خائنة بطبيعتها؟”) إلى سؤال أكثر قابلية للتحليل العلمي: في أي حالات يشكل التحول السياسي خرقًا فعليًا لالتزام قائم، وفي أي حالات يُعتبر مجرد تكيّف مشروع مع سياق متغير؟

يتأسس الطرح القائل بعدم وجود خيانة في السياسة على تقليد فكري راسخ يمكن تتبع جذوره إلى نيقولا ميكيافيلي، الذي فصل بشكل واضح بين الأخلاق الفردية ومنطق الحفاظ على السلطة والدولة. اعتبر أن الحاكم الناجح هو من يُحسن قراءة الظروف وتوظيف الوسائل المتاحة لتحقيق الاستقرار والمصلحة العليا، حتى لو تعارض ذلك مع معايير الوفاء الشخصي.

وقد استمر هذا التقليد لاحقًا في الفكر الواقعي في العلاقات الدولية والتحليل السياسي، الذي يرى أن الفاعلين السياسيين -سواء كانوا أفرادًا أو دولًا- يتصرفون بشكل أساسي وفق منطق المصلحة والقوة، وليس وفق منظومة أخلاقية ثابتة.

ومع ذلك، تواجه هذه المقاربة، رغم قوتها التفسيرية في تبرير العديد من الظواهر السياسية، إشكالًا منهجيًا عندما تُستخدم لتبرئة أي تحول سياسي من أي مساءلة أخلاقية أو مؤسساتية، بغض النظر عن طبيعته. فبهذا، تتحول من أداة تفسيرية إلى مقولة تبريرية، وهو انزلاق منهجي ينبغي الحذر منه: فهم أسباب تحول الفاعل السياسي شيء، واعتبار كل تحول مبررًا بالضرورة شيء آخر مختلف تمامًا.

من جهة أخرى، يقدم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر تمييزًا نظريًا بالغ الأهمية في محاضرته الشهيرة “السياسة كمهنة”، بين “أخلاقيات المقصد” التي تُقيم الأفعال بناءً على نقاء النية والثبات على المبدأ، و”أخلاقيات المسؤولية” التي تُقيم الأفعال السياسية بناءً على نتائجها وعواقبها على من يتحمل السياسي مسؤوليتهم.

يساعد هذا التمييز في فهم أعمق لسؤال الخيانة: فالسياسي الذي يغير موقفه لأنه يرى أن الاستمرار فيه يضر بمن يمثلهم، لا يمكن اعتباره خائنًا لمبدأ، بل قد يكون أكثر وفاءً بمسؤوليته التمثيلية من خلال هذا التحول ذاته. لكن هذا التبرير يتطلب شرطًا أساسيًا: أن يكون التحول مستندًا بالفعل إلى حساب المصلحة العامة لمن يمثلهم السياسي، وليس لمصلحته الشخصية أو الفئوية التي تتخفى تحت خطاب المصلحة العامة، وهو تمييز يصعب أحيانًا التحقق منه تجريبيًا، لكنه يبقى معيارًا نظريًا ضروريًا لأي تحليل غير مختزل.

من هنا، تبرز أهمية نظرية “الوكيل والموكِّل”، المستعارة من الاقتصاد المؤسساتي، والتي تُستخدم على نطاق واسع في تحليل العلاقة بين الناخب (الموكِّل) والممثل المنتخب (الوكيل). في هذا السياق، لا يُنظر إلى “الوفاء” كقيمة عاطفية مجردة، بل كالتزام وظيفي بتعظيم مصلحة الموكِّل ضمن حدود التفويض الممنوح. الانحراف عن هذا التفويض لخدمة مصلحة الوكيل الخاصة، وليس نتيجة لتغيير في تقدير المصلحة العامة، هو ما يقترب أكثر من المعنى الدقيق لـ”الخيانة” في هذا السياق النظري، ويُعرف في الأدبيات بـ”مشكلة الوكالة”.

استنادًا إلى ما سبق، يمكن اقتراح مجموعة من المعايير التحليلية -لا الأخلاقية القاطعة- التي تساعد على التمييز، دون ادعاء الحسم النهائي في كل حالة بعينها:
معيار الشفافية: هل يوضح الفاعل السياسي أسباب تحوله بوضوح، أم يُقدم التحول بخطاب مزدوج يُخفي دوافعه الحقيقية؟

معيار طبيعة الالتزام السابق: هل كان الالتزام صريحًا وموثقًا، مثل برنامج انتخابي أو ميثاق تحالف مكتوب، أم أنه كان ضمنيًا وعامًا؟

معيار المستفيد من التحول: هل يخدم التحول مصلحة عامة يمكن تبيّنها موضوعيًا، أم يُحقق بشكل مباشر مصلحة شخصية أو فئوية ضيقة؟

معيار التوقيت والسياق: هل يأتي التحول استجابة لمتغيرات موضوعية طارئة، أم يتزامن بشكل لافت مع لحظة انتخابية أو مؤسساتية تجعل الدافع الانتهازي أكثر ترجيحًا؟
هذه المعايير لا تحسم الحكم في كل حالة، بل تُقدم كأداة تحليلية تمكن من الانتقال من الحكم الانطباعي الفوري -سواء بالإدانة أو التبرير- إلى تقييم أقرب إلى الموضوعية العلمية.

يتضح من خلال ما سبق ذكره أن الإجابة الأكاديمية الرصينة عن سؤال “هل توجد خيانة في السياسة؟” لا يمكن أن تكون إجابة مطلقة في أي من الاتجاهين. فالإدعاء بأن كل تحول سياسي هو خيانة يتجاهل الطبيعة الديناميكية والمشروعة لإعادة التموضع السياسي في بيئة متغيرة. وعلى النقيض، فإن القول بعدم وجود خيانة على الإطلاق في السياسة، لأن كل شيء فيها مبني على المصلحة، يسقط بدوره أي إمكانية للمساءلة الأخلاقية أو المؤسساتية عن خرق الالتزامات الصريحة تجاه الناخبين أو الشركاء، مما يحول الحقل السياسي إلى فضاء خالٍ من أي معيار تنظيمي، وهو ما يتعارض مع الأسس النظرية التي تقوم عليها فكرة التمثيل السياسي والمساءلة الديمقراطية.

الموقف الأقرب إلى الدقة العلمية هو أن مفهوم “الخيانة” في السياسة ليس مفهومًا غائبًا كليًا ولا حاضرًا في كل تحول، بل هو مفهوم مشروط بطبيعة الالتزام المخروق ودوافع هذا الخرق ونتائجه. وبالتالي، يبقى الحكم على كل حالة بعينها رهينًا بتحليل وقائعها الملموسة في ضوء المعايير المذكورة، بدلاً من إسقاط حكم عام مسبق -سواء بالسلب أو الإيجاب- على الظاهرة السياسية ككل.

*رشيد غاندي استاذ. وباحث بجامعة القاضي عياض مراكش

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto