الجهة اليومالرأي

سيدي إفني: معلمة حضارية ورونق تاريخي

  •  بقلم المهدي الحراق //

كثيراً ما كنت أظن أن مدينتي سيدي إفني جزء من ذلك الهامش المنسي الذي لا يحظى بما يستحقه من اهتمام وتسويق وإبراز.

لكنني، وبعد غياب لم يطل كثيراً، عدت إليها هذا الصيف لأكتشف أنني ربما كنت مخطئاً في جزء من هذا الانطباع.

وجدت مدينة تتحرك، وتنمو، وتتغير بهدوء. وجدت أن عجلة التنمية لم تتوقف، وأن الكثير من الأشياء التي لم أكن أنتبه إليها سابقاً أصبحت اليوم أكثر وضوحاً. ومع ذلك، ظل سؤال واحد يراودني: لماذا لا يصل كل هذا الجمال إلى الآخرين؟ ولماذا لا تُروى حكاية سيدي إفني كما تستحق؟

فكيف لمدينة بهذا الجمال الطبيعي، وبهذا الثراء التاريخي والثقافي، وبهذه الخصوصية العمرانية، وبأناسها الطيبين والبسطاء والكرماء، ألا تحظى بتسويق يليق بها؟

سيدي إفني: معلمة حضارية ورونق تاريخي - اكادير اليوم

عدت إليها هذه المرة… بعين السائح

هذه السنة كنت عازماً على تغيير الوجهة وقضاء عطلتي الصيفية في مكان آخر، إلى أن جمعتني محادثة قصيرة بأحد الجيران الذي زار سيدي إفني مؤخراً.

كان يتحدث عنها بحماس لافت، ويعدد لي جمالها، ومناظرها، وشواطئها، وهدوءها، وخصوصيتها، وما تزخر به من مؤهلات.

قال لي إنه يفكر في العودة إليها مرة أخرى، لأنه أحب المدينة، ولأنه يشعر بأنه لم يكتشف بعد كل ما تختزنه من مؤهلات.

توقفت عند كلامه.

وقلت لنفسي: لماذا لا أعطي مدينتي فرصة أخرى؟ ولكن هذه المرة ليس بعين ابن المدينة، وإنما بعين الزائر والمكتشف؟

وهكذا فعلت.

مشيت في شوارعها وأحيائها وأزقتها قدر الإمكان، وتأملت تفاصيلها الصغيرة، وتوقفت عند معالمها، واكتشفت بعض ما استجد فيها من مشاريع ومنشآت، وحاولت أن أرى المكان كما يراه شخص يأتي إليها لأول مرة.

وكانت النتيجة مفاجئة بالنسبة إليّ.

لم أستطع كبح مشاعري أمام جمال المدينة وهدوئها، وغناها الثقافي والتاريخي، وبساطة تفاصيلها، ونظافة عدد كبير من فضاءاتها، وتنوع مؤهلاتها، وتناسب أثمنة العديد من خدماتها، والأهم من ذلك كله: بساطة أهلها ودفء علاقتهم بالمكان.

في سيدي إفني، تشعر أن لكل بقعة حكاية، ولكل شارع ذاكرة، ولكل معلمة معنى.

وربما لهذا السبب بالذات، شعرت بفخر كبير وأنا أقول في داخلي:
هذه مدينتي… هنا مسقط رأسي، وهنا مدينة أهلي وأحبابي.

مدينة لا تحتاج إلى اختراع قصة… قصتها موجودة أصلاً

ما يجعل سيدي إفني مختلفة، في نظري، هو أنها لا تحتاج إلى أن نختلق لها هوية سياحية جديدة.

سيدي إفني: معلمة حضارية ورونق تاريخي - اكادير اليوم

هويتها موجودة.

في البحر والصخور والشواطئ والمناظر الطبيعية.

في العمارة التي تحمل آثار مراحل تاريخية مختلفة.

في الثقافة المحلية.

في ذاكرة آيت باعمران.

وفي تاريخ طويل من المقاومة والنضال.

بل إن سيدي إفني ليست مجرد مدينة ساحلية جميلة يمكن زيارتها لقضاء عطلة صيفية؛ إنها أيضاً مدينة ذات ذاكرة وطنية عميقة.

وهنا تحديداً أعتقد أن أمامنا فرصة كبيرة لم نستثمرها بعد بالشكل الكافي.

سيدي إفني… حين يصبح التاريخ جزءاً من السياحة

عندما نتحدث عن تاريخ سيدي إفني، لا ينبغي أن نختصره في بعض البنايات القديمة أو في مرحلة الوجود الإسباني فقط.

فالمدينة والمنطقة المحيطة بها تحملان ذاكرة وطنية مرتبطة بالمقاومة والكفاح من أجل استكمال الاستقلال.

ففي 23 نونبر 1957 اندلعت انتفاضة ومواجهات كبرى ضد الوجود الاستعماري الإسباني في سيدي إفني وآيت باعمران، وخاض أبناء المنطقة، بإمكانات محدودة، معارك ومواجهات متعددة ضد القوات الإسبانية.

وتذكر المصادر الرسمية عدداً من هذه المعارك، من بينها تبلكوكت، وبيزري، وبورصاص، وتيغزة، وأمللو، وبيجارفن، وسيدي محمد بن داوود، وألالن، وتموشا، إضافة إلى معركة سيدي إفني.

وقد تمكن المقاومون من الضغط على القوات الإسبانية وإجبارها على التحصن داخل مدينة سيدي إفني، قبل أن تتدخل القوات الفرنسية لمساندة القوات الإسبانية ضمن سياق المواجهات التي عرفتها المنطقة آنذاك.

وبعد ذلك استمر المسار السياسي والعسكري لاستكمال الاستقلال واسترجاع المناطق التي ظلت تحت الاحتلال الإسباني؛ فاسترجعت طرفاية سنة 1958، بينما لم يتم استرجاع مدينة سيدي إفني إلا في 30 يونيو 1969، وهو تاريخ يستحق أن يكون حاضراً بقوة في الذاكرة السياحية والثقافية للمدينة.

إنها ليست مجرد تواريخ في كتاب مدرسي.

إنها قصص رجال ونساء من أبناء هذه الأرض.

قصص مقاومين.

قصص تضحيات.

قصص قرى ومعارك وأسماء وذاكرة جماعية.

وهنا أطرح السؤال:

لماذا لا نجعل من هذه الذاكرة جزءاً أساسياً من تجربة الزائر؟

لماذا لا نحول بعض الذاكرة العمرانية إلى متاحف مفتوحة؟

هناك بنايات ومعالم تحمل آثار المرحلة الاستعمارية الإسبانية، وبعضها يمكن أن يشكل، بعد الترميم والتأهيل، جزءاً من متحف مفتوح يحكي تاريخ المدينة والمنطقة.

لا أقصد المحافظة على هذه البنايات باعتبارها آثاراً استعمارية فحسب، وإنما باعتبارها وثائق مادية للتاريخ.

فالزائر الذي يأتي إلى سيدي إفني يحتاج إلى أكثر من صورة جميلة أمام البحر.

يحتاج إلى قصة.

يحتاج إلى أن يعرف:

من هم سكان هذه المنطقة؟

من هم آيت باعمران؟

ماذا وقع في 23 نونبر 1957؟

من هم المقاومون؟

أين دارت المعارك؟

كيف عاش الناس تلك المرحلة؟

وكيف انتهى الوجود الإسباني في سيدي إفني يوم 30 يونيو 1969؟

تخيلوا مثلاً مساراً سياحياً تاريخياً داخل المدينة، يبدأ من معلمة، ويمر عبر أخرى، مع لوحات تعريفية ذكية، ورموز QR، وصور تاريخية، وشهادات شفوية لأبناء المنطقة، وخرائط للمعارك، ومقاطع صوتية تحكي الأحداث.

عندها لن يكون السائح قد زار سيدي إفني فقط… بل سيكون قد عاش حكايتها.

وهذا في رأيي هو الفرق بين مدينة جميلة ومدينة لها علامة سياحية وهوية ثقافية.

والسؤال الثاني: أين نحن من التسويق؟

إذا كانت سيدي إفني تتوفر على كل هذه المؤهلات، فلماذا لا نراها أكثر حضوراً في الإعلام والمنصات الرقمية؟

لماذا لا نرى حملات احترافية ومنظمة للتعريف بالمدينة؟

لماذا لا يتم استثمار قوة وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل سيدي إفني إلى وجهة يعرفها المغاربة والأجانب؟

لا أعتقد أننا بحاجة دائماً إلى ميزانيات ضخمة.

أحياناً، نحتاج إلى فكرة جيدة، وفريق يعرف كيف يروي القصة.

لماذا لا يتم تنظيم رحلات إعلامية لفائدة الصحفيين وصناع المحتوى والمؤثرين، يتم خلالها تعريفهم بالمدينة، بتاريخها، ومؤهلاتها الطبيعية والثقافية والاقتصادية؟

ولماذا لا نستثمر أكثر في التجارب التي سبق أن نجحت؟

فمدينة سيدي إفني سبق أن احتضنت المنتدى الدولي للشباب خلال دورتين، المنظم من طرف الهيئة النغربية للشباب الملكي الصحراوي ، وحضيت بشرف ادارته ، واستقبلت المدينة من خلاله عدداً من المشاركين الأجانب الذين أتيحت لهم فرصة اكتشاف المدينة والمنطقة والجنوب المغربي.

وهذا في حد ذاته يمكن أن يكون مدخلاً لتجربة أكبر وأكثر استدامة في مجال الدبلوماسية الثقافية والسياحة الشبابية.

نحتاج إلى تسويق سيدي إفني… لا إلى الدفاع عنها فقط

أعتقد أن الوقت قد حان للانتقال من عقلية:

“ماذا ينقص مدينتنا؟”

إلى عقلية:

“ماذا نملك؟ وكيف نقدم ما نملك بأفضل صورة؟”

فالمدن لا تتنافس اليوم بالبنية التحتية فقط، وإنما أيضاً بالصورة التي تقدم بها نفسها للعالم.

والصورة اليوم تصنعها الكاميرا والهاتف والمنصة الرقمية بقدر ما تصنعها الطرق والمنشآت.

يمكن لشاب يحمل هاتفاً أن يقدم سيدي إفني لمئات الآلاف من الناس في دقائق.

ويمكن لفيديو جيد عن شاطئ أو معلمة أو قصة تاريخية أن يجلب زائراً لم يكن يفكر أصلاً في زيارة المدينة.

لهذا، فإن التسويق الرقمي لم يعد ترفا، إنه جزء من التنمية.

شكراً لمن يعمل من أجل المدينة

وأنا أكتب هذا الكلام، لا أريد أن يتحول المقال إلى لائحة انتقادات.

على العكس.

أعتقد أن من الإنصاف أن نصفق حين تكون هناك منجزات، وأن نعترف بما تحقق.

ولهذا، وجب أن نتوجه بالشكر إلى المجلس الجماعي لمدينة سيدي إفني بكل مكوناته وأطيافه، وإلى السلطات المحلية، وإلى مختلف الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والجمعويين، وإلى عمال النظافة وكل العاملين في الميدان، على الجهود التي تُبذل من أجل جعل المدينة أفضل.

قد نختلف في تقييم بعض الأمور، وقد نطالب بالمزيد، وهذا طبيعي.

لكن الاعتراف بالمجهود لا يتعارض أبداً مع المطالبة بالمزيد.

بل إن التصفيق للمنجزات والترافع من أجل الأفضل يجب أن يسيرا معاً.

وأخيراً… كلمة إلى أبناء سيدي إفني

أعتقد أن مسؤولية صورة المدينة لا تقع على عاتق المجلس الجماعي أو السلطات أو المؤسسات وحدها.

إنها مسؤولية جماعية.

مسؤولية المنتخب.

ومسؤولية الإدارة.

ومسؤولية المجتمع المدني.

ومسؤولية الإعلام المحلي.

ومسؤولية أبناء المدينة.

حتى ما ننشره على مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن ننتبه إليه.

الانتقاد حق.

والمساءلة حق.

والترافع من أجل تحسين الخدمات حق.

لكن تحويل كل نقاش عمومي إلى خطاب سوداوي، أو نشر المغالطات، أو تقديم المدينة دائماً باعتبارها فضاءً للفشل والتهميش، لا يخدم سيدي إفني ولا أبناءها.

يمكن أن ننتقد، ولكن بموضوعية.

يمكن أن نختلف، ولكن باحترام.

ويمكن أن نترافع بقوة، ولكن من داخل المؤسسات وبمنطق اقتراح الحلول.

فليس المطلوب أن نقول إن سيدي إفني وصلت إلى الكمال.

بل المطلوب أن نقول:

لقد تحقق الكثير… ونريد المزيد.

لقد بدأت عجلة التنمية تتحرك، ونريدها أن تتحرك أسرع.

لدينا مؤهلات طبيعية، ونريد تسويقها.

لدينا تاريخ، ونريد أن نحفظه ونرويه.

لدينا ذاكرة، ونريد أن تصل إلى أبنائنا وزوارنا.

لدينا مدينة جميلة، ونريد أن يعرف العالم جمالها.

لدينا أبناء مخلصون لها، ونريد أن نجعل حبهم للمدينة قوة اقتراح وترافع وعمل.

سيدي إفني ليست مجرد وجهة…

وأنا أغادر المدينة هذه المرة، لم أعد أراها كما كنت أراها من قبل.

لم أعد أراها فقط باعتبارها مدينة ولدت فيها، أو مدينة تنتمي إليها عائلتي وأحبتي.

رأيتها بعين الزائر.

واكتشفت أنني، رغم كل السنوات التي عشتها وأنا أعرفها، ما زلت أكتشفها.

وربما هذه هي أجمل المدن:

تلك التي كلما عدت إليها، اكتشفت فيها شيئاً جديداً.

سيدي إفني بالنسبة إليّ ليست مجرد شاطئ، ولا مجرد عمارة، ولا مجرد مدينة هادئة في الجنوب.

إنها ذاكرة.

وهوية.

وتاريخ.

وإنسان.

ومكان يستحق أن يُكتشف.

ويستحق أن يُروى.

ويستحق أن يُسوَّق.

ويستحق، قبل كل شيء، أن نفتخر به.

سيدي إفني… مدينة لا ينقصها الجمال، وإنما تحتاج فقط إلى أن نروي حكايتها جيداً.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto