
إڭيدار… مخزن الذاكرة الموسيقية لسوس
- أكادير اليوم – د.خالد ألعيوض //
كانت ليلة مختلفة في مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث؛ ليلة لم يكن فيها الغناء مجرد فرجة، ولا الموسيقى مجرد إيقاعات تتعاقب، بل كانت مناسبة لاستعادة جزء من الذاكرة الفنية لسوس، من خلال مجموعة عاشت أكثر من أربعة عقود، وما تزال وفية لجمهورها ولخطها الغنائي وللإيقاعات التي صنعت جزءاً من وجدان أجيال متعاقبة.
إنها إڭيدار، اسم مجموعة سوسية متميزة بصمت حضورها في المشهد الثقافي والفني منذ أزيد من أربعين سنة، واستطاعت أن تحافظ على وجودها رغم التحولات العميقة التي عرفتها المجموعات الغنائية، ورغم رحيل بعض الرواد وتعاقب الأجيال ودخول شباب جدد إلى الساحة.
ولعل سر استمرار إڭيدار يكمن في وفائها لخطها الفني الذي يمزج بين فن تزنزارت وتگناويت بصيغتهما السوسية؛ وهو مزج ليس سهلاً، لأن هذا اللون الموسيقي يقوم على إيقاعات قوية تحتاج إلى خبرة ودربة وانسجام بين العازفين. ومع ذلك، ظلت المجموعة وفية لهذا الاختيار، تعمل على تطوير أدائها وتجديد إيقاعاتها دون أن تفقد هويتها.
في قلب هذه التجربة يقف إسماعيل السملالي، مايسترو المجموعة، الذي اشتغل لسنوات على الحفاظ عليها وإعادتها إلى الساحة، مؤمناً بأن المجموعة ليست مجرد اسم من الماضي، وإنما ذاكرة يمكن أن تستمر وتجدّد نفسها.
إلى جانبه يقف محمد، العازف الماهر على آلة البانجو، في ثنائي موسيقي متناغم بين نغمة البانجو ووتر السنتير الروحاني، ذلك الوتر الذي يحيل، في عمقه، إلى موسيقى الألم والحنين وإلى الذاكرة الإفريقية التي ظلت حاضرة في الموسيقى الكناوية وفي عدد من الأشكال الموسيقية المغربية.
وللبانجو في تجربة إڭيدار حضور خاص. فهو ليس مجرد آلة موسيقية، وإنما جزء من ذاكرة المجموعات السوسية، ويحيل دائماً إلى أسماء كبيرة صنعت تاريخ هذه الآلة، وفي مقدمتها عبد الهادي اگوت، الذي ارتبط اسمه بالبانجو حتى أصبح، في ذاكرة محبي المجموعات، أشبه بملك لهذه الآلة. غير أن محمد، عازف إڭيدار، يثبت أن البانجو ما يزال قادراً على أن يجد أصواتاً جديدة وأداءً خاصاً، خصوصاً وأنه لا يعزف فقط، بل يمتلك صوتاً شجياً ينسجم مع أصوات باقي أعضاء المجموعة.
أما محمد البياز، فقد ارتبط اسمه بحكاية طريفة جعلت اللقب يرافقه إلى اليوم؛ فقد كان في شبابه يحمل تقليعة شعر جعلت البعض يشبهه بمدافع أسطوري، فالتصق به اسم «البياز». تغيرت تسريحة الشعر مع مرور الزمن، لكن الاسم بقي.
والبياز ليس مجرد اسم داخل المجموعة، بل ضابط إيقاع من الطراز الرفيع، متمكن من آلة الطمطام، يعرف كيف يوظف تخليفاتها وإيقاعاتها، وكيف يندمج معها إلى درجة يصبح فيها الإيقاع حالة وجدانية وروحية، تقترب أحياناً من ذلك البعد الصوفي الذي يميز بعض لحظات الموسيقى الكناوية.
ثم يأتي نور الدين بصوته الرخيم الرقيق، ذلك الصوت الذي يمنح إڭيدار لونها الخاص. إنه بلبل المجموعة، يصدح بحنجرة ذهبية تضيف إلى الإيقاع قوة وإلى اللحن دفئاً. وإلى جانبه يأتي الدونكرا، الذي يضبط آلة البندير بإيقاعاتها الجبلية والسهلية، إلى جانب إبراهيم بيري، ليشكلا معاً ثنائياً يضيف إلى المجموعة مزيداً من الانسجام والتوازن.
هكذا تبدو إڭيدار، في تركيبها الحالي، أشبه بفرقة تجمع بين أجيال وتجارب ومهارات مختلفة، لكنها تلتقي حول شيء واحد: حب الموسيقى والرغبة في الاستمرار.
أما النصوص التي تغنت بها المجموعة، فقد كانت منذ بداياتها جزءاً أساسياً من هويتها. ارتبط اسم إڭيدار، خصوصاً في بداياتها خلال الثمانينيات، بشعر عكاد المعروف بقوة كلماته وعمق مضامينه، كما غنت لشاعر إزنزارن محمد الحنفي ولعدد من الشعراء الآخرين. وكانت الكلمة، كما هو شأن الأغنية الأمازيغية عموماً، لا تقل أهمية عن اللحن والإيقاع.
ولعل اسم إڭيدار نفسه يحمل دلالة عميقة. فإڭيدار، في الثقافة السوسية، هي المخازن الجماعية الذي كانت القبيلة تحفظ فيها الحبوب والأشياء الثمينة، وتؤمن حمايتها باعتبارها ملكاً للجماعة.
ومن هذه الزاوية، تبدو إڭيدار اليوم وكأنها تؤدي الوظيفة نفسها، ولكن في المجال الفني: مخزن للذاكرة الموسيقية لسوس؛ تحفظ إيقاعات السهل والجبل، وتحتضن تگناويت وتزنزارت، وتحفظ شيئاً من أصوات الرواد ومن تجارب المجموعات التي صنعت مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية الأمازيغية.
من الروايس إلى المجموعات
وقد قادنا اللقاء مع إڭيدار إلى نقاش أوسع من تجربة المجموعة نفسها. قبل أن نستمع إلى أغانيها، كان هناك حوار دافئ وعميق حول تاريخ الأغنية الأمازيغية ومسار المجموعات الغنائية، شارك فيه الدكتور محمد همام، وحسن لعكير القادم من إسبانيا، من غرناطة، والحاج محمد الذهبي، الشاعر المبدع والضليع في التفعيلات وبحور الشعر الأمازيغي، إلى جانب مولاي إسماعيل.
كان النقاش أشبه برحلة في الزمن، بدأت من جذور الأغنية الأمازيغية، ومن الذاكرة الفنية التي سبقت القرن التاسع عشر، ثم توقفت عند البدايات الأولى لتسجيل الأغنية الأمازيغية على الأسطوانات، وصولاً إلى الأسطوانات الأولى التي سجلت في ألمانيا وفرنسا، ثم إلى مرحلة الحاج بلعيد في الثلاثينيات، ومروراً بأسماء وتجارب مثل بوبكر انشاذ، والبنسير، واهروش، والريس سعيد، وصولاً إلى بيزماون وغيرهم من رواد الأغنية الأمازيغية.
لكن التحول الكبير سيأتي في بداية السبعينيات، عندما ظهرت المجموعات الغنائية في وقت كان فيه فن الروايس يعيش أوج حضوره، وكان الطلب كبيراً على أغانيهم، سواء في الداخل أو في أوساط المهاجرين المغاربة في فرنسا.
جاءت المجموعات لتنافس بقوة، ووجدت نفسها في البداية في مواجهة مع تقاليد فنية راسخة. كان الروايس يمنحون أهمية كبيرة للمظهر والفرجة: الجلباب، والبلغة، والخنجر الأمازيغي أو «الكوميت»، وتسريحة الشعر والمظهر العام، باعتبار كل ذلك جزءاً من طقوس العرض ومن هوية الرايس.
أما شباب المجموعات، فجاؤوا بمظهر مختلف، بشعر طويل وملابس أقل تقيداً بالتقاليد، وكأنهم يمثلون جيلاً جديداً يريد أن يقول كلمته بطريقته الخاصة.
كان هناك نوع من التناظر بين عالم الروايس وعالم المجموعات. غير أن الموسيقى سرعان ما فرضت منطقها الخاص.
فمع مرور الوقت، بدأ القبول المتبادل. غنت المجموعات إلى جانب الروايس، وانتقلت بعض آلات المجموعات إلى فرق الروايس، ومن بينها الطمطام، كما أخذت المجموعات بدورها شيئاً من إيقاعات الروايس وألحانهم وأشعارهم، بل أعادت أداء عدد من أغانيهم الشهيرة، كما فعلت مجموعات مثل الشامخ واودادن وغيرهما.
وهكذا لم تكن العلاقة بين الروايس والمجموعات مجرد منافسة، بل كانت أيضاً حواراً فنياً وتبادلاً وتأثيراً متبادلاً، ساهم في تطوير الموسيقى الأمازيغية وإخراجها من أشكالها التقليدية إلى فضاءات جديدة.
من سوس إلى العالم
لقد كانت المجموعات الغنائية في نهاية المطاف إحدى أهم وسائل انتقال الأغنية السوسية من فضائها المحلي إلى فضاءات أوسع. فالموسيقى التي ولدت في القرى والمدن والسهول والجبال، وجدت طريقها إلى فرنسا وأوروبا، ثم إلى مسارح أبعد.
كانت إزنزارن في الأولمبيا خلال السبعينيات، ووصلت اودادن إلى الولايات المتحدة، بينما شقت مجموعات أخرى طريقها إلى مختلف المدن الأوروبية.
وهكذا انتقلت الإيقاعات والأهازيج والكلمات من فضاء سوس إلى مسارح العالم، وحملت معها صورة أخرى عن المغرب، وعن الأمازيغ، وعن الجنوب، وعن مجتمع كانت الموسيقى بالنسبة إليه أكثر من مجرد تسلية؛ كانت لغة للهوية والذاكرة والحب والغربة والاحتجاج والحنين.
سر الاستمرار
وربما يكون أجمل ما في تجربة إڭيدار أن أعضاءها ليسوا محترفين متفرغين للموسيقى. إنهم يشتغلون في حياتهم اليومية، ويمارسون الفن باعتباره هواية وشغفاً، ثم يجتمعون ليطوروا تجربتهم ويبحثوا عن الجديد ويلتقوا بجمهورهم.
وهنا تحديداً يمكن أن نجد أحد أسرار استمرار المجموعة.
فحين لا تصبح الموسيقى مجرد مهنة، وإنما تظل مرتبطة بالشغف والصداقة واللقاء والرغبة في الإبداع، فإنها تكتسب قدرة أكبر على مقاومة الزمن.
لقد مرت المجموعات الغنائية بسنوات صعبة، حين كان اعتماد الفنان يكاد ينحصر في سهرة أو سهرتين خلال السنة. أما اليوم، فقد تغيرت الأوضاع نسبياً، وأصبحت هناك آليات لتعويض الفنانين عن حقوق التأليف والحقوق المجاورة، وهو ما أعطى للفنانين بعضاً من الاعتراف الذي كانوا يفتقدونه في السابق.
لكن قبل كل التعويضات، وقبل المؤسسات، وقبل المسارح، كان هناك دائماً شيء آخر: الشغف.
وفي تلك الليلة، داخل مركز تاوسنا، كان الشغف حاضراً.
كانت إڭيدار تغني، ونحن نستمع، لكننا في الحقيقة كنا نستمع إلى أكثر من الأغاني. كنا نستمع إلى تاريخ طويل من الموسيقى، إلى أصوات أجيال، إلى إيقاعات انتقلت من قرية إلى أخرى، ومن سهل إلى جبل، ومن سوس إلى فرنسا وأوروبا وأمريكا.
كان سلطان الطرب حاضراً، وكانت الذاكرة حاضرة أيضاً.
وفي لحظة امتزج فيها صوت نور الدين، ونغم البانجو لمحمد، وإيقاعات البياز الدونكرا، و إسماعيل السملالي، بدا لنا أن اسم المجموعة لم يكن اعتباطياً.
فكما كانت إڭيدار القديمة تحفظ ما هو ثمين للجماعة، جاءت إڭيدار الفنية لتحفظ شيئاً آخر لا يقل قيمة: ذاكرة سوس الموسيقية.
وفي نهاية تلك الليلة، لم نكن قد استمعنا فقط إلى مجموعة غنائية رائدة؛ كنا قد فتحنا باباً على حكاية جيل، وعلى مرحلة من تاريخ الثقافة الأمازيغية، وعلى موسيقى استطاعت أن تعبر الزمن، وأن تنتقل من المخازن الجماعية في القرى إلى مسارح العالم.
وهكذا ظلت إڭيدار، بعد أكثر من أربعين سنة، وفية لاسمها ولجمهورها ولإيقاعاتها: مخزناً حياً لذاكرة فنية لا تريد أن تنسى.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News





