السياسة

قانون مهنة المحاماة يشعل الجدل.. هيئات المحامين تتمسك باستقلال المهنة وتحذر من المساس بضمانات الدفاع

أكادير اليوم – عاد النقاش حول مشروع قانون مهنة المحاماة إلى الواجهة، في ظل تصاعد مواقف هيئات المحامين بالمغرب الرافضة لعدد من المقتضيات التي تضمنها النص، وسط دعوات إلى مراجعة المقاربة المعتمدة واعتماد حوار مؤسساتي يفضي إلى صيغة تراعي استقلال المهنة وضمانات المحاكمة العادلة.

وفي بيان صادر عن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، عقب اجتماعه المنعقد بتاريخ 27 غشت 2026 بالرباط، أكدت الجمعية أن ما تشهده الساحة المهنية لا ينبغي اختزاله في مجرد صراع بين المحامين والدولة أو في مواجهة مع المؤسسات، معتبرة أن المحاماة تشكل جزءاً أصيلاً من منظومة الدولة ومؤسسات العدالة، وأن ممارسيها ظلوا، عبر التاريخ، في صدارة المدافعين عن قضايا الوطن والديمقراطية والحقوق والحريات.

رفض مشروع القانون بصيغته الحالية

المحامون اعتبروا أن المعركة التي يخوضونها اليوم لا تتعلق بامتيازات مهنية أو مطالب فئوية ضيقة، وإنما ترتبط، وفق تعبيرهم، بضمانات أساسية لممارسة مهنة المحاماة باعتبارها أحد مكونات منظومة العدالة.

وتتمحور أبرز الاعتراضات حول ما تعتبره الهيئات المهنية مقتضيات من شأنها توسيع مجالات تدخل السلطة الحكومية والنيابة العامة في شؤون مرتبطة بالممارسة المهنية، بما قد يؤثر في استقلالية المحاماة وتنظيمها الذاتي.

وترى جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن أي إصلاح لقانون المهنة ينبغي أن يتم في إطار يحترم مكانة المحاماة ودورها في حماية الحقوق والحريات، ويحافظ على التوازن بين مختلف مكونات منظومة العدالة.

إحالة القانون على المحكمة الدستورية

وزاد الجدل حدة بعد إحالة القانون على المحكمة الدستورية، إذ يرى أصحاب هذا الموقف أن الأمر لم يعد يقتصر على نقاش مهني أو سياسي، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمدى احترام المساطر والمبادئ الدستورية في إعداد التشريع المتعلق بمهنة المحاماة.

وتساءلت الجمعية، في هذا السياق، عن مآل عدد من التوافقات التي تم التوصل إليها خلال الحوار المؤسساتي، معتبرة أن الصيغة التي انتهى إليها المسار التشريعي لم تعكس، بحسبها، كامل مضامين تلك التوافقات.

كما أثارت الجمعية مسألة عدم بت المحكمة الدستورية في الإحالة قبل نشر القانون، معتبرة أن الأمر يستدعي توضيحاً بشأن سلامة المسار الدستوري الذي سلكه النص.

“المحاماة ليست امتيازاً مهنياً”

وشددت الهيئات المهنية على أن المحاماة لا تنظر إلى نفسها باعتبارها جماعة مهنية تسعى إلى تحصين امتيازاتها، بل باعتبارها مؤسسة تؤدي وظيفة أساسية في حماية حقوق المتقاضين وضمان شروط المحاكمة العادلة.

وأكدت أن الدفاع عن استقلال المهنة لا ينفصل عن الدفاع عن حق المواطن في الولوج إلى العدالة، والحصول على دفاع حر ومستقل، بما ينسجم مع المبادئ الدستورية والمواثيق الدولية ذات الصلة بمهنة المحاماة.

وفي هذا الإطار، ترفض الجمعية، وفق بيانها، أي توجه قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات المهنية أو الحد من استقلاليتها، معتبرة أن قوة منظومة العدالة لا تقاس بإضعاف أحد مكوناتها، وإنما بمدى تكامل أدوار مختلف المؤسسات واحترام اختصاصاتها.

دعوة إلى حوار يعيد الملف إلى مساره

ويرى أصحاب الموقف المهني أن الخلاف الحالي يطرح سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية صناعة التشريع المرتبط بمهن العدالة، وبحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم مهنة تتمتع بخصوصية دستورية ومهنية.

وتدعو الهيئات، في المقابل، إلى استحضار مكانة المحاماة داخل منظومة العدالة، وفتح المجال أمام حوار مؤسساتي حقيقي يتيح معالجة نقاط الخلاف، بدل الانتقال مباشرة إلى منطق المواجهة.

كما تؤكد أن جودة التشريع تقتضي إشراك المؤسسات المهنية المعنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنصوص تمس بشكل مباشر استقلالها ووظائفها واختصاصاتها.

معركة تتجاوز أصحاب البذلة السوداء

وتحاول جمعية هيئات المحامين بالمغرب تقديم النقاش باعتباره قضية تتجاوز حدود المهنة، إذ تربطه بضمانات أساسية للمواطن، من قبيل حماية الحقوق والحريات، وصون كرامة الإنسان، وضمان حق الدفاع، وتوفير شروط المحاكمة العادلة.

وبذلك، يبدو أن الخلاف حول قانون مهنة المحاماة مرشح للاستمرار، خصوصاً مع ارتباطه بملفات ذات طبيعة دستورية ومؤسساتية ومهنية في آن واحد.

وبين تشبث الحكومة بضرورة تطوير الإطار القانوني المنظم للمهنة، ورفض الهيئات المهنية لمقتضيات تعتبرها ماسّة باستقلالية المحاماة، يبقى الرهان، بحسب المهنيين، هو الوصول إلى قانون يحقق التوازن بين سلطة الدولة في التشريع، واستقلال المؤسسات المهنية، وحقوق المواطن في دفاع حر ومستقل.

فالجدل، في جوهره، لم يعد يتعلق فقط بمقتضيات قانونية متفرقة، وإنما بصورة أوسع بموقع المحاماة داخل منظومة العدالة، وبالحدود التي ينبغي أن تفصل بين تنظيم المهنة وبين ضمان استقلالها، وهي معادلة تجعل من الحوار المؤسساتي مخرجاً ضرورياً لتجاوز حالة الاحتقان وإعادة الملف إلى مساره الطبيعي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto dentoto