
الإنتخابات 2026 : “حرب الفايسبوك”.. هل تستطيع الشتيمة والكذب تغيير صناديق الاقتراع؟
- أكادير اليوم – الحسن باكريم //
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، لم تعد الدعاية الانتخابية تُخاض فقط في القاعات والمهرجانات واللقاءات المباشرة، ولا عبر الملصقات والمنشورات الحزبية، وإنما انتقلت بقوة إلى الفضاء الرقمي.
هناك، على فيسبوك خصوصاً، ثم على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب وواتساب، بدأت معركة أخرى لا تشبه دائماً المعارك الانتخابية التقليدية.
منشورات، فيديوهات قصيرة، صور مركبة، تعليقات مجهولة المصدر، اتهامات، شتائم، تسريبات، أخبار غير مؤكدة، وعبارات تستهدف الأشخاص أكثر مما تناقش البرامج والسياسات العمومية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: من لديه أكبر عدد من المتابعين؟ بل: هل تستطيع هذه الحملة الرقمية، بما تحمله من تضليل وتجريح واستقطاب، أن تؤثر فعلاً في قرار الناخب المغربي داخل المعزل الانتخابي؟
من مناقشة البرامج إلى محاكمة الأشخاص
المشكلة الأساسية في جزء من الخطاب الانتخابي الرقمي اليوم هي أن النقاش ينتقل بسرعة من السياسة إلى الأشخاص.
بدلاً من أن يسأل الناخب: ماذا سيقدم هذا الحزب للمغاربة؟ ماذا سيقترح في التعليم والصحة والتشغيل والنقل والاستثمار؟ ماذا فعل المنتخبون خلال الولاية السابقة؟ وما هي حصيلة الحكومة والبرلمان؟ نجد أنفسنا أمام أسئلة من نوع آخر:من قال ماذا؟ من التحق بمن؟ من يملك ماذا؟من خان حزبه؟ من له علاقة بمن؟ ومن يستحق الشتيمة أكثر من غيره؟
هكذا تتحول الانتخابات تدريجياً من منافسة حول المشاريع والبرامج والسياسات العمومية إلى منافسة حول الصورة الشخصية والفضيحة والاتهام والتشهير.. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالانتخابات، في جوهرها، ليست مسابقة في الشعبوية الرقمية، وإنما آلية لاختيار من سيتولى تمثيل المواطنين داخل مؤسسة دستورية، ومن سيشارك في صناعة القوانين ومراقبة الحكومة وصياغة السياسات العمومية.
لكن هل «الترند» يساوي أصواتاً؟..ليس بالضرورة.
فعدد المشاهدات والإعجابات والتعليقات لا يمكن أن يتحول آلياً إلى عدد من الأصوات داخل صناديق الاقتراع.
قد يحصل فيديو على مئات الآلاف من المشاهدات، لكن جزءاً كبيراً من تلك المشاهدات قد يأتي من أشخاص خارج الدائرة الانتخابية، أو من خصوم سياسيين يتابعون المحتوى لمهاجمته، أو من حسابات آلية أو مجهولة، أو من جمهور لا ينوي أصلاً المشاركة في الانتخابات.
لكن هذا لا يعني أن التأثير معدوم.
على العكس، تستطيع الشبكات الاجتماعية أن تؤثر في المناخ النفسي والسياسي الذي يتخذ فيه الناخب قراره.
فمنشور كاذب يتكرر عشرات المرات قد يجعل بعض الناس يتعاملون معه باعتباره حقيقة. واتهام غير موثق قد يتحول، بعد تكراره، إلى «قناعة عامة» لدى جزء من الجمهور.
وهنا يصبح الخطر أكبر عندما يتعلق الأمر بالناخب المتردد، أو بالناخب الذي لا يتابع السياسة بشكل يومي، والذي قد يجد نفسه أمام سيل من المعلومات المتناقضة دون أن يمتلك الوقت أو الأدوات للتحقق منها.
«الكذبة المتكررة» ليست مجرد منشور
الفضاء الرقمي لا يعمل دائماً بمنطق الحقيقة، وإنما كثيراً ما يعمل بمنطق الانتشار.
المحتوى الذي يثير الغضب أو السخرية أو الخوف قد ينتشر أسرع من المحتوى الذي يشرح برنامجاً انتخابياً من عشر صفحات.
ولهذا فإن المرشح الذي يتحدث بهدوء عن إصلاح الإدارة أو التعليم أو النقل قد يجد صعوبة في منافسة فيديو مدته ثلاثون ثانية يتضمن اتهاماً مثيراً أو فضيحة مزعومة.
هذه إحدى المفارقات الكبرى للانتخابات في العصر الرقمي: السياسة تحتاج إلى الشرح، بينما الخوارزميات تكافئ في كثير من الأحيان المحتوى الذي يثير الانفعال.
وقد أصبحت السلطات والمؤسسات المغربية واعية بهذا التحول؛ فالمنظومة الانتخابية الجديدة تتضمن مقتضيات للتصدي للأخبار الزائفة والمحتويات المفبركة التي تستهدف المرشحين أو الناخبين أو نزاهة الانتخابات. كما خصصت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في قواعدها الجديدة حيزاً لمواجهة التضليل والمحتويات الانتخابية المولدة بالذكاء الاصطناعي.
عندما تصبح الحسابات الوهمية جزءاً من المعركة
المسألة لا تتعلق فقط بمواطن يكتب تعليقاً غاضباً أو ناشط يهاجم حزباً.
تحقيق صحفي استقصائي حديث حول المشهد المغربي كشف شبكة واسعة من الحسابات الوهمية والمنسقة على فيسبوك، قال التحقيق إنها استُخدمت خلال سنوات للتأثير في الرأي العام السياسي ومهاجمة خصوم سياسيين ونشر معلومات مضللة.
وهذا يفتح باباً خطيراً أمام الانتخابات المقبلة: ماذا لو لم يكن «الرأي العام الرقمي» الذي نراه على شاشاتنا رأياً عاماً حقيقياً بالكامل؟
وماذا لو كان جزء من الضجيج الذي نراه عبارة عن حملات منظمة هدفها إغراق الفضاء الرقمي، وإرباك الناخب، وتشويه المنافس، وخلق انطباع زائف بأن مرشحاً ما «اكتسح الإنترنت» بينما لا يملك بالضرورة القوة الانتخابية نفسها على الأرض؟
سوس ماسة: هل تنطبق القاعدة نفسها؟
في سوس ماسة، حيث تتداخل المنافسة الحزبية مع العلاقات المحلية والشخصية والعائلية والقبلية والمهنية، يمكن أن يكون للخطاب الرقمي تأثير خاص.
لكن يجب الحذر من الخلط بين الانتشار الرقمي والقوة الانتخابية..قد يكون مرشح ما قوياً جداً على فيسبوك، لكنه ضعيف تنظيمياً وميدانياً.
وقد يكون مرشح آخر قليل الظهور على المنصات، لكنه يمتلك شبكة انتخابية حقيقية، وعلاقات محلية، وحضوراً ميدانياً، وقدرة على الوصول إلى الناخبين يوم الاقتراع.
لذلك فإن قياس الانتخابات من خلال «الفايسبوك» وحده قد يكون مضللاً..الانتخابات تُحسم في النهاية بالأصوات، وليس بالإعجابات. لكن الوصول إلى تلك الأصوات يمر، بشكل متزايد، عبر الفضاء الرقمي. وهذه هي النقطة التي تستحق الدراسة.
هل يمكن أن تخسر بسبب الإنترنت؟
نعم، ولكن ليس بالضرورة لأن خصمك لديه منشور أفضل منك..قد يخسر المرشح لأنه سمح للآخرين بتحديد صورته أمام الجمهور..إذا ترك السياسي الساحة الرقمية فارغة، فإن خصومه سيملؤونها.
وإذا لم يقدم الحزب معلومات واضحة عن مرشحيه وبرنامجه وحصيلته، فإن الجمهور سيبحث عن المعلومات في أماكن أخرى.
وإذا لم يرد المرشح على معلومة كاذبة بطريقة مهنية وسريعة، فقد يجد نفسه أمام رواية أصبحت أقوى من الحقيقة.
لذلك لم يعد التواصل الرقمي مجرد أداة للدعاية، وإنما أصبح جزءاً من إدارة السمعة السياسية. والخطر الأكبر: أن يخرج الناخب من الانتخابات أكثر غضباً وأقل ثقة
هناك نتيجة أخرى قد تكون أخطر من تغيير صوت هذا الناخب أو ذاك. وهي إضعاف الثقة في العملية السياسية برمتها.
عندما يقضي المواطن أسابيع وهو يشاهد الشتائم والاتهامات والفضائح والتشهير، دون أن يسمع نقاشاً جدياً حول المدرسة والمستشفى والشغل والاستثمار والنقل والبيئة والحكامة، فقد يصل إلى نتيجة بسيطة:.«كلشي بحال بحال »..وهذه الجملة، في نظر الديمقراطية، أخطر من خسارة حزب أو فوز حزب. لأنها قد تتحول إلى عزوف عن التصويت.
المطلوب: انتخابات تتنافس فيها الأفكار لا الشتائم لا يمكن منع الاختلاف السياسي، ولا ينبغي منعه..ولا يمكن مطالبة المرشحين بعدم انتقاد خصومهم..فالانتقاد جزء من الديمقراطية.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد السياسي والتشهير، وبين المعلومة والإشاعة، وبين كشف اختلالات حقيقية واختلاق وقائع لضرب المنافس.
والمطلوب اليوم ليس أن تغادر الأحزاب والمرشحون مواقع التواصل الاجتماعي، بل أن تدخل إليها بمستوى أعلى من المسؤولية. أن تنشر البرامج..أن تقدم الحصيلة..أن تشرح مواقفها..أن تواجه الأسئلة الصعبة..أن ترد على الاتهامات بالوثائق..وأن تترك للناخب مهمة الحكم.
فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون مدرسة للديمقراطية، لكنه يمكن أيضاً أن يتحول إلى سوق للشتائم السياسية.
والسؤال الذي ستجيب عنه صناديق 23 شتنبر.ربما لن نعرف قبل إعلان النتائج إلى أي حد أثرت الحملات الرقمية في الناخبين… لكن انتخابات 23 شتنبر 2026 ستكون مناسبة مهمة لاختبار فرضية أصبحت تفرض نفسها بقوة:
هل أصبح الفضاء الرقمي عاملاً انتخابياً حقيقياً في المغرب، أم أنه لا يزال مجرد مرآة تعكس الصراعات الموجودة أصلاً على الأرض؟ الجواب قد يكون بين الاثنين.
فالإنترنت لا يصنع بالضرورة إرادة الناخب من الصفر، لكنه يستطيع أن يعزز قناعة موجودة، أو يغير انطباعاً، أو يحول متردداً إلى مؤيد، أو يدفع ناخباً إلى العزوف.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين «الواقـع» و«فايسبوك». إنها معركة بين المعلومة والإشاعة، وبين البرنامج والشتيمة، وبين السياسة وصناعة الضجيج.
وفي النهاية، سيبقى الاختبار الحقيقي بسيطاً جداً: كم عدد الأصوات التي تحولت من «إعجاب» إلى ورقة داخل صندوق الاقتراع؟.هذا هو السؤال الذي لن يجيب عنه فايسبوك ولا تيك توك ولا أي منصة رقمية..وحدها صناديق الاقتراع ستجيب.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



