
سؤال إنزكان اليوم .. أن نبيع أكثر أم أن نعيش أفضل؟
يقول أحد الفلاسفة:
إنك لا تستطيع أن تشتري ذاكرتك التاريخية من السوبرماركت) ..
ويبدو أن مدينتي إنزكان لم تقرأ هذه العبارة.. أو ربما قرأتها وقررت أن تضعها في واجهة أحد المحلات كـ يافتة إعلانية لزيادة المبيعات
فحين تطأ قدمك هناك تظن للوهلة الأولى أنك سقطت في قلعة لا تُنتج إلا الضوضاء. دكاكين متلاصقة كالأسنان بضائع تصرخ في وجه العابرين وشاحنات تنهد من ثقل الحمولات وحركة تجارية لا تتوقف ليلاً ولا نهاراً حتى يخيل إليك أن كل شبر في المدينة يعرض خدمة وأن الهواء نفسه قد يكون معروضا يوما ما للبيع بالتقسيط المريح
لكن الغريب والمدهش أن هذه المدينة التي تبدو اليوم مجرد سوق كبير مفتوح كانت في يوم من الأيام عقلاً كبيراً مفتوحاً.
ففي عام 1960 حين اهتزت الأرض وغضبت تحت أكادير لم تكن إنزكان مجرد تاجر يقف على الرصيف ليحسب أرباحه وسط الكارثة بل كانت الأخ الأكبر الذي فتح ذراعيه ونشَر أبوابه للمنكوبين واستقبل الوفود.. الأمير والفقير بنفس النبل والشهامة.
وفي السبعينات حين كان الناس يخشون السياسة كما يخشون العفاريت كانت إنزكان تجلس في المقاعد الأمامية تبتسم وتصوت للمعارضة في انتخابات 1976 المشهودة وتنجب النخب الفكرية وتدفع ثمن موقفها في سنوات الرصاص من حريتها وذاكرة أبنائها.
إنزكان لم تكن يوماً مجرد دكان أو سوق للخضار والغذاء.. كانت نغمة عميقة في أودية سوس تنبض بثقافة أمازيغية أصيلة وكانت مهد الشجن والتجديد الفني مع مجموعة “إزنزارن” والقلعة التي انطلقت منها النواة الأولى للسنيما الامازيغية
فضلاً عن كونها منارة للفكر والفقهاء وساحة نادرة للتعايش الإنساني والديني.
والسؤال الذي يجعلك تحك رأسك بدهشة:
كيف تتحول مدينة كانت تصنّع الوعي إلى مدينة لا تصنّع إلا الصفقات.. ؟
وكيف يلتهم العقار التجاري الثقافة والفضاء العام بدم بارد؟
فحين يصبح سعر متر المحل التجاري أغلى من قيمة كتاب وتتحول الساحات العمومية والحدائق إلى مشاريع مؤجلة لبناء معارض سلع فإننا لا نخسر الفضاء فقط بل نخسر معنى العيش.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بجدية:
هل التنمية هي أن نبيع أكثر ؟ أم أن التنمية هي أن نعيش أفضل أيضاً ؟
المشكلة بالقطع ليست في التجار فكلنا نشتري ونبيع والحياة دونها مجرد مجاعة لكن المشكلة تبدأ حين تصبح التجارة هي ” الديانة الوحيدة للمدينة ” وحين يُقاس نجاح العمران بحجم الرواج المالي فقط لا بحجم الوعي والفكر
والثقافة
فالمعركة اليوم ليست إغلاق الدكاكين بل فتح المكتبات والمسارح.
فنحن بحاجة إلى تجارة تدعم العقل لا تجارة تستنزف الروح..
بحاجة إلى أسواق تبيع السلع ولكن بجوارها فضاءات تُنتج الفن والفكر والجمال.
فالمدن يا سادة لا تُقاس بعدد المحلات ولا بحجم أطنان البضائع التي تعتبرها بل بما تتركه في عقول أبنائها وفي وجدان التاريخ.
وإذا كان كل شيء في إنزكان يُباع ويُشترى اليوم.. فإن ذاكرتها يجب أن تظل خارج المساومة لأن التاريخ هو الشيء الوحيد الذي إذا بعته لن تجد في العالم كله سوقاً يبيعه لك من جديد..
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



