
مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية مصطفى إدبهي… حين تحولت الهجرة إلى جسر للثقافة (الحلقة الثانية)
هناك أشخاص لا يمرون من التاريخ مروراً عابراً، بل يحملون جزءاً منه في ذاكرتهم، ويحتفظون في تفاصيل حياتهم بما لا تستطيع الكتب وحدها أن تحفظه. مصطفى إدبهي واحد من هؤلاء.
حين يجلس مصطفى ليستعيد سنوات الهجرة، لا يحكي قصة شخصية فقط؛ تتدفق من ذاكرته أسماء العمال والفنانين والمثقفين، وأسماء المعامل والقاعات، وتعود إليه تفاصيل حفلات ولقاءات وصداقات صنعت، في لحظة من لحظات تاريخ الهجرة المغربية، جسوراً غير مرئية بين المغرب وفرنسا، وبين العامل وثقافته، وبين المهاجر ووطنه البعيد.
وصل مصطفى إدبهي إلى باريس شاباً صغيراً، في أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات، يحمل حلماً بسيطاً مثل أحلام كثير من أبناء جيله: أن يتعلم مهنة في مجال النسيج، ويحصل على دبلوم في الصناعة، ثم يجد لنفسه مكاناً في سوق العمل. لم يكن يتصور أن مساره سيقوده إلى عالم آخر تماماً، وأن المعمل الذي دخله بحثاً عن المهنة سيصبح بوابته إلى عالم الثقافة والفن.
انخرط في معامل رونو، وهناك عاش مرحلة استثنائية من تاريخ فرنسا. كان جيل ما بعد مايو 1968 حاضراً في المعامل، وكانت النقاشات السياسية والاجتماعية والثقافية تتجاوز أسوار أماكن العمل. وسط هذا المناخ، بدأ مصطفى يتعرف على أشخاص ودوائر جديدة، ويكتشف أن المعمل ليس فقط مكاناً للعمل وكسب الرزق، وإنما يمكن أن يكون أيضاً فضاءً للتفكير والتنظيم والمبادرة.
وكان لقاؤه ببرنار بيغو Bernard Pigouمحطة أساسية في حياته.
يذكر مصطفى برنار بكثير من الامتنان، ويعتبره معلمه الأول، لأنه فتح أمامه باباً لم يكن يعرفه. قربه منه وأدخله إلى لجنة المقاولة، ومنحه فرصة للتعرف على عالم الأنشطة الاجتماعية والثقافية التي كانت تنظم لفائدة العمال.
هناك اكتشف مصطفى شيئاً بسيطاً، لكنه كان في ذلك الوقت اكتشافاً مهماً.
فالعمال المهاجرون كانوا يؤدون، مثل غيرهم، الاقتطاعات المخصصة للأنشطة الاجتماعية، لكنهم لم يكونوا يستفيدون بالشكل نفسه من تلك الإمكانات. كانت اللجنة تنظم رحلات ومخيمات للأطفال، واحتفالات، وهدايا، وأنشطة ترفيهية وثقافية، بينما كان كثير من العمال المغاربة والأفارقة يقفون على هامش هذا المشهد.
طرح مصطفى السؤال: لماذا لا يستفيد هؤلاء العمال أيضاً؟
لم يكن السؤال مجرد احتجاج، بل تحول إلى مشروع.
كُلف بتنظيم أنشطة لفائدة المغاربة والمغاربيين، لكنه لم يرد أن يفرض عليهم ما يعتقد أنه مناسب. كان يقول لهم، في جوهر الفكرة: أنتم من يقرر ماذا تريدون أن تحتفلوا به، وماذا تريدون أن تشاهدوا، وما الذي تريدون أن تشاركوا فيه.
ومن هنا بدأت الحكاية.
كان مصطفى لا يزال شاباً عندما نظم، سنة 1971، واحدة من أولى حفلاته الكبرى. استدعى اسمين من كبار نجوم الأغنية العربية آنذاك: عبد الوهاب الدكالي، في أوج عطائه، والفنانة اللبنانية صباح.
كانت السهرة، كما يتذكر، حدثاً لا ينسى. قاعة باريسية كبيرة، جمهور من العمال المهاجرين، وفنانان من عالم عربي بعيد، يلتقيان في قلب باريس.
كانت تلك البداية بمثابة مفتاح.
بعدها توالت الحفلات، وبدأ عيد الأضحى يتحول إلى مناسبة جامعة للعمال المسلمين من مختلف الجنسيات. مغاربة وجزائريون وتونسيون وسنغاليون وماليون وغيرهم، يجتمعون في فضاء واحد، لا تجمعهم لغة واحدة دائماً، ولا تاريخ واحد، لكن تجمعهم الغربة والعمل والدين والرغبة في الاحتفال.
كان مصطفى يكتشف شيئاً فشيئاً أن الثقافة يمكن أن تكون لغة مشتركة بين المهاجرين.
ثم جاءت مرحلة ناس الغيوان.
كان يعرف المجموعة منذ مدة عن طريق عمر السيد وبوجميع، ويتابع مسارها. ويتذكر أن أول حفل نظم لها في فرنسا جاء بعد وفاة بوجميع، في وقت كانت فيه المجموعة تواجه صعوبات في السفر، ولم تكن تتوفر على جوازات سفر فردية، بل على جواز جماعي.
ومع ذلك نجح مصطفى في تنظيم حضورها، وكانت السهرة ناجحة، ثم جاء المرور من الأولمبيا، تلك القاعة الباريسية الأسطورية، التي ستصبح لاحقاً جزءاً من ذاكرة الأغنية المغربية في فرنسا.
لكن جمهور رونو لم يكن مغربياً عربيا فقط.
كان بين العمال مغاربة وجزائريون ناطقون بالأمازيغية، وكانوا يرغبون في أن يروا على المنصة أيضاً أصواتاً تحمل لغتهم وثقافتهم.
هنا بدأ مصطفى يبحث عن الموسيقى الأمازيغية.
علم بوجود مجموعة غنائية بارزة في أكادير: إزنزارن.
نزل رفقة عمر السيد للقاء المجموعة، وبدأت رحلة جديدة ستنقل صوت سوس إلى جمهور المهاجرين في فرنسا.
كان اللقاء الأول مع عبد العظيم الشناوي في برنامج «فواكه للإهداء»، ثم توالت الاتصالات والترتيبات إلى أن وصلت المجموعة إلى فرنسا.
ويتذكر مصطفى إحدى الصور الشهيرة التي رافقت تلك السهرة: برج إيفل يضع الطربوش المغربي على رأسه.
لم تكن الصورة مجرد ملصق لحفل موسيقي. كانت تختصر عالماً كاملاً: المغرب في باريس، والمهاجرون أمام رمز المدينة التي أصبحت وطنهم الثاني، والفن يتحول إلى وسيلة لاستعادة الوطن.
وكانت السهرة أيضاً لحظة مهمة في مسار الفنان القبائلي إيدير، الذي ظهر آنذاك في بداياته، قبل أن يصبح واحداً من أشهر الأصوات الأمازيغية في العالم.
ومع مرور الوقت، لم يعد مصطفى مجرد منظم للحفلات.
أصبح اسماً معروفاً في الوسط الثقافي المغربي والمغاربي في باريس.
كان يحجز القاعات، ويتفاوض مع الفنانين، ويسافر إلى البلدان، ويوقع العقود والاتفاقيات، ثم يعود إلى فرنسا ليشرف على التفاصيل. اشتغل مع عبد الوهاب الدكالي، وناس الغيوان، والمشاهب، وعموري مبارك، والحاجة الحمداوية، ونجاة عتابو ورابح درياسة والفنانة علية وفرحات مهني، وحاميد الزاهر، وعدد كبير من الفنانين المغاربة والأمازيغ والمغاربيين.
وكانت القاعات تتسع لمئات المتفرجين، وأحياناً لآلاف منهم، من نحو أربعمائة متفرج إلى خمسة آلاف. ومع ذلك كانت تمتلئ عن آخرها.
كان جمهورها جمهور العمال في الأساس، لكنه لم يكن جمهوراً فقيراً ثقافياً كما قد يتخيل البعض. كان جمهوراً متعطشاً للفن، ينتظر أسماءه المفضلة، ويعتبر الحفل مناسبة للقاء والاحتفال واستعادة جزء من الحياة التي تركها وراءه.
ومن بين الفنانين الذين يتذكرهم مصطفى بحب خاص حميد الزاهر، الذي كانت له شعبية واسعة لدى المغاربة والجزائريين والتونسيين، كما يتذكر المشاهب في أوج قوتها، والروايس، ومن بينهم أعراب أتيكي ورقية الدمسيرية وغيرهم من الأسماء التي مرت من تلك القاعات.
لكن عالم مصطفى لم يتوقف عند الموسيقى.
فقد اقترب أيضاً من المثقفين.
يتذكر لقاءه بمحمد خير الدين في إحدى الأمسيات التي جمعت مثقفين جزائريين ومغاربة وفنانين، ومن بينهم إيدير. تناولوا العشاء معاً، وتبادلوا الحديث، وكانت تلك اللقاءات جزءاً من فضاء ثقافي مغاربي واسع كانت باريس تحتضنه.
وكان عموري مبارك، في إحدى المراحل، حلقة وصل ساعدت مصطفى على الاقتراب أكثر من هذه الأوساط.
كما شارك في تنشيط برنامج «موزاييك» على القناة الثالثة، وهو برنامج منح مساحة للثقافة والغناء المغاربي، وساهم في التعريف بأصوات وتجارب مغاربية داخل المشهد الفرنسي.
وهكذا أصبح مصطفى، من حيث لا يدري، واحداً من صناع الجسر الثقافي بين المغرب وفرنسا.
لكن الثقافة لم تكن عنده مجرد فن.
كانت أيضاً وسيلة لحماية العلاقات الإنسانية.
بعد المسيرة الخضراء، توترت العلاقات بين المغرب والجزائر، وكان من الممكن أن ينعكس ذلك على العمال داخل معامل رونو ببلانكور، حيث كان آلاف العمال الجزائريين والمغاربة يعملون جنباً إلى جنب.
كان الخوف أن تنتقل الخلافات السياسية إلى أرض المعمل، وأن تتأثر الصداقات التي بنيت خلال سنوات العمل المشترك.
لكن مصطفى كان يرى أن العامل المغربي والجزائري ليسا مسؤولين عن الخلاف السياسي بين الدولتين.
لذلك نظم أمسية مغربية جزائرية مشتركة.
كان الهدف واضحاً: تنقية الأجواء، والتأكيد على أن العلاقات الإنسانية بين العمال أكبر من الخلافات السياسية.
وهكذا أصبحت السهرة الثقافية نوعاً من الدبلوماسية الشعبية؛ موسيقى وطعام ولقاء، في مواجهة التوتر والقطيعة.
وحين ننظر اليوم إلى هذه التجربة، ندرك أن مصطفى لم يكن ينظم حفلات فقط.
كان ينظم مساحات للقاء.
كان يجمع الناس حين كانت السياسة تفرقهم، ويعيد للمهاجرين شيئاً من وطنهم حين كانت الغربة تبعدهم عنه، ويفتح أمام الفنان المغربي طريقاً إلى جمهور لم يكن يصل إليه بسهولة.
ولهذا فإن مصطفى إدبهي اليوم يمثل أكثر من مجرد شاهد على تلك المرحلة.
إنه ذاكرة حية.
في ذاكرته أسماء، وتواريخ، وصور، وملصقات، وعقود، ورسائل، وقصص، ووجوه، ولقاءات. ويملك أرشيفاً كبيراً يوثق جانباً مهماً من تاريخ الثقافة العمالية والهجرة المغربية والمغاربية في فرنسا.
وهنا تبدأ حكاية أخرى، أكثر إلحاحاً.
ماذا سيحدث لهذا الأرشيف حين لا يعود صاحبه قادراً على الاعتناء به؟
وماذا سيحدث لهذه الذاكرة إذا لم تجد مؤسسة تحفظها؟
هناك مثل إفريقي عميق يقول إن موت الشيخ هو احتراق مكتبة.
وما أكثر المكتبات التي احترقت بصمت في تاريخ الهجرة!
رجال ونساء رحلوا، ومعهم قصصهم وصورهم ورسائلهم وأسماء الأشخاص الذين عرفوهم والأماكن التي اشتغلوا فيها والحفلات التي حضروها والوثائق التي احتفظوا بها.
لقد حاول مصطفى إدبهي أن يفعل شيئاً في هذا الاتجاه.
في مطلع الألفية الثالثة، نظم قافلة حملت جانباً من هذه الذاكرة، وجابت عدداً من المناطق. كانت تحمل صور العمال، وصور المعامل، ووثائق وأرشيفاً وشهادات. كان يريد أن يخرج الذاكرة من البيوت والعلب والخزائن إلى الناس، وأن يجعل تاريخ الهجرة مرئياً وقابلاً للقراءة.
لكن المشروع لم يجد، للأسف، ما يكفي من الاستمرارية والعناية.
واليوم، ونحن نستمع إلى مصطفى ونستعيد معه هذه الحكايات، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً:
أليس من حق أمثال هؤلاء أن يُكرّموا وهم على قيد الحياة؟
إن مصطفى إدبهي يستحق الاعتراف والتكريم باعتباره أحد الذين ساهموا في بناء قنطرة ثقافية بين المغرب وبلد المهجر، وساهموا في نشر الأغنية المغربية بكل تنوعها، من العيطة إلى الأغنية السوسية والأمازيغية والعربية، وفتحوا أمام الفنانين المغاربة أبواباً كبرى في فرنسا.
لكن الأهم من التكريم هو حفظ الذاكرة.
ولهذا يتجدد النداء من جديد من أجل إنشاء مركز لذاكرة الهجرة بمدينة أكادير، أو متحف يكون فضاءً لجمع أرشيف المهاجرين وتوثيق شهاداتهم وحفظ صورهم ورسائلهم وأشرطتهم وملصقاتهم ووثائقهم.
أكادير، وسوس عموماً، ليستا مكاناً اعتباطياً لهذا المشروع. فسوس كانت دائماً أرضاً للهجرة، ومئات الآلاف من قصص الهجرة بدأت من هنا وانطلقت نحو أوروبا وغيرها.
وإذا كان مصطفى إدبهي ينحدر من قبائل إحاحان، فإنه يمثل بدوره جزءاً من هذا الامتداد السوسي الذي حمل أبناءه إلى فرنسا، ثم أعاد بعضهم إلى وطنهم عبر الثقافة والفن والذاكرة.
إن ما يرويه مصطفى اليوم ليس ملكاً له وحده.
إنه جزء من تاريخ جيل.
وما يوجد في خزانته من وثائق وصور وملصقات ليس مجرد أوراق قديمة؛ إنه أرشيف يمكن أن يساعد الباحثين على كتابة تاريخ الهجرة من زاوية الإنسان الذي عاشها.
لقد علمتني هذه الحلقات التي أكتبها خلال هذا الصيف شيئاً مهماً: كم هائل من الوثائق والذكريات لا يزال موجوداً في بيوت المهاجرين وأسرهم.
كل صورة يمكن أن تخفي قصة.
كل رسالة يمكن أن تفتح فصلاً من تاريخ.
كل شريط كاسيت يمكن أن يعيد صوتاً من زمن مضى.
وكل مهاجر يحمل في ذاكرته جزءاً من تاريخ لم يُكتب بعد.
لذلك، فإن الوقت ليس مفتوحاً أمامنا.
علينا أن نوثق الآن، وأن نجمع الآن، وأن نحفظ الآن.
فالهجرة ليست أرقاماً في إحصائيات، ولا تحويلات مالية، ولا جوازات سفر وتأشيرات.
الهجرة ذاكرة حية.
وإذا لم نحمِ هذه الذاكرة وهي حية، فقد نستيقظ يوماً لنكتشف أن جزءاً من تاريخنا قد احترق… بصمت، مع رحيل أصحابه.
بقلم الدكتور خالد ألعيوض
الصور خير معبر عن حكاية الرجل وعن دوره في المهجر:
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News












