الثقافة

مجمع الوديان المشمس/أنامر سموكن: رحلة صيف إلى واحة..منظور تفسيري لمعطيات من الميدان

  • د.محمد همام * //

غادرنا بيوتنا في صباح باكر من يوم 21غشت2026، في اتجاه أنامر سموكن/ أو مجمع الوديان المشمس في إحدى واحات الأطلس الصغير بجماعة تمنارت، التابعة لدائرة أقا، في إقليم طاطا. توقفنا في ملتقى الطريق الوطنية أكادير-تزنيت ومنطقة أيت ميلك لنصحب دليلنا من أبناء الواحة، وهو فقيه وإمام وعالم يشارط في إحدى مساجد سوس. كان غرضنا اكتشاف هذه الربوع من بلدنا في جبال الأطلس الصغير. كنت أعرف أن التاريخ يدافع الجغرافيا في تقديم هذه المنطقة وفي التعبير عن ذاتها. منطقة تختزل فيها الواحة حوار القبيلة والعقيدة والغنيمة. وتتقاطع فيها الذاكرة والماء والكلام والأرض، أو ما سماه أحد أعضاء مجموعتنا الصغيرة أفكان وأكال وأوال. (الإنسان والأرض والكلام).

لذا قد يكون عنوان: أنامر سموكن: الأرض والذاكرة والتحولات الاجتماعية، مناسبا لبحث أكاديمي للمشتغلين في التاريخ أو في السوسيولوجيا أو في الدراسات العمرانية. وأما ما أقدمه في هذا الحكي فهو مجرد وصف لرحلة انكتبت في ذهني وأنا أتسلق جبال تمنارت الشماء، حيث ترى تفاعلات الثلاثي المذكور في كل بقعة وفي كل قمة وفي كل علو وفي كل منحدر، جبلا أو شعبا أو سهبا، أي: أفكان وأكال وأوال. فالرحلة، كما نعرف في الأدب الرحلي، تتيح الفرصة للرحالة ليرى الجغرافيا في خضم التاريخ والثقافة والعمران.

مجمع الوديان المشمس/أنامر سموكن: رحلة صيف إلى واحة..منظور تفسيري لمعطيات من الميدان - اكادير اليوم

يقدم رحلته كما تخلقت في ذهنه، ويقدمها كما ركبتها الذاكرة وتصرفت فيها حذفا وذكرا وتحيزا وتفاعلا. لذا أجد نفسي مدفوعا لأن أقدم الوصف في صيغة تركيبية، يتجادل فيها التوثيق والتأويل والتفسير، مع المقارنة والاستنتاج، وكذا التداعي والتذكر، وكل ذلك من وحي اللحظة؛ فكلما توقفنا للاستراحة أعدت ترتيب المعطيات في ذهني، فشيئا ذكرت وأشياء نسيت.

ولكن أحاول أن أكتب لكم نصا رحليا رقميا ومعاصرا، ومتخففا من قيود الكتابة الرحلية المتعارف عليها في مدونات الرحلة والرحالين، وليعذرني نقاد الأدب الرحلي ومؤرخو الرحلات في ذلك. ورغم ذلك فقد استحضرت ما تأتى لي وأنا بصدد الملاحظات الميدانية والوصف المباشر للأرض والمجال والإنسان والكلام، واستشارة الأصحاب، من المصادر التاريخية، العامة، والمحلية، مما يتعلق بالأدب والتاريخ والاجتماع في سوس، وكذا المعطيات الإحصائية الرسمية المتعلقة بالمنطقة.

مجمع الوديان المشمس/أنامر سموكن: رحلة صيف إلى واحة..منظور تفسيري لمعطيات من الميدان - اكادير اليوم

تشعرك المسافة بين أكادير وأنامر سموكن، مرورا بمدينة تزنيت، بأنك بصدد النظر في كتاب في التاريخ والتحولات الاجتماعية، تقلب صفحاته من منطقة إلى أخرى. تجد نفسك، في سيارة مسرعة، بصدد عرض بانورما التحولات الجغرافية والتاريخية والعمرانية بشكل متدرج من سهل سوس إلى مرتفعات الأطلس الصغير، من الأسفل إلى الأعلى، ومن الطريق المستقيم إلى المنعرجات الوعرة، والمرتفعات الصخرية، ومن مجال حضري وساحلي إلى مرتفعات جبال الأطلس الصغير إلى مجال شبه صحراوي بواحاته ومجاريه استقر بجوارها سكان أنامر سموكن.

لتشكل هذه المنطقة همزة وصل بين المجال السوسي بكل عناصره الثقافية واللغوية وبين المجال الصحراوي بخصوصياته كذلك. لذلك تعمدت أن أستعمل الترجمة العربية ل: أنامر سموكن: مجمع الوديان المشمس، من خلال بحث فيلولوجي محدود.

ففي أنامر سموكن لا تجتمع وتتداخل وديان المياه فقط بل وديان الثقافة واللغة والفن ومفردات الحياة الاجتماعية لبناء الهوية المغربية الجامعة ومتنوعة الروافد، وهو مارأيته رأي العين في واحة أنامر سموكن، لذلك كانت حقا مجمع وديان الهوية المغربية وليس المياه وحسب. لذلك وصفها عبد الرحمن التمنارتي(1060ه/1650م) صاحب كتاب: (الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة) بأنها: الحد الفاصل بين بلاد الصحراء وبلاد التل. وهذا ما أهلها أن تكون منارة شاهدة على تفاعل الروافد الثقافية لهوية السكان وكذا الروافد الطبيعية لحياتهم الاقتصادية التي تقوم على الجبل والماء والواحة.

مجمع الوديان المشمس/أنامر سموكن: رحلة صيف إلى واحة..منظور تفسيري لمعطيات من الميدان - اكادير اليوم

تقدر مسافة رحلة الصيف إلى أنامر سموكن بحوالي 300كلم ذهابا، أكثر من ثلثيها ذو طبيعة جبلية. كانت أكثر من ذلك بكثير وأصعب قبل تنفيذ بعض برامج فك العزلة عن المناطق الجبلية. وليست المسافة رقما وحسب، بل صورة لنمط طبيعي وجغرافي وحياة اجتماعية واقتصادية ترى قساوتها في كل المعالم والمظاهر والوجوه والحركات…

تنبئ بذلك الدواوير المتناثرة حول مياه الأنهار، ومحاطة بالجبال الصماء والعالية، كأنها معلقة في سقف العالم. تحتمي بالطبيعة وبخيراتها، رغم أن الطبيعة قست عليها في أكثر من مرة بظواهرها المرعبة، فيضانا أو زلزالا أو جفافا أو حرا أو حريقا…وترى علامات قساوة الطبيعة على سكان الدواوير الجبلية لتمنارت في أكثر من مكان.

وكانا واديا تمنارت وسموكن أكثر عطاء للسكان وأكثر قساوة عليهم في الوقت نفسه؛ هو النعمة في النقمة والحياة في الموت.

مجمع الوديان المشمس/أنامر سموكن: رحلة صيف إلى واحة..منظور تفسيري لمعطيات من الميدان - اكادير اليوم

ستلاحظ في الرحلة الجبلية أن الطبيعة المحيطة بأنامر سموكن شديدة الانغلاق؛ كأن الدواوير معتقلة طبيعيا على حافة نهر بين مرتفعات صخرية أحكمت سيطرتها على المجال السكاني، وقد تسمح بفتحات محدودة في اتجاه وادي درعة الكبير، وفي طريقه العيون والسواقي أو مناجم الذهب الأبيض للسكان. ( وجعلنا من الماء كل شيء حي/ الأنبياء30 )؛ فالماء هو بطل الحكاية الكبرى في سيرة هذه المناطق.

وفي هذا السياق الطبيعي القاسي تعيد الزراعة الواحية سيرتها وسط معتقل طبيعي، وفي وسط بيئة شبه جافة تتجاور فيها الجبال والواحات والشعاب والسهوب.

برغم هذه القساوة الطبيعية تستقبلك الواحات المعتقلة بين المرتفعات الصخرية بأشجار النخيل المثمرة والنباتات الذكية التي تكيفت مع قساوة الطبيعة والمجال؛ فلا تخطئ العين النباتات الشوكية، وأشجار اللوز والخروب والأركان في جنبات المرتفعات الصخرية الحادة.

مجمع الوديان المشمس/أنامر سموكن: رحلة صيف إلى واحة..منظور تفسيري لمعطيات من الميدان - اكادير اليوم

لم تتغير معالم دواوير تمنارت، ومن ضمنهم أنامر سموكن، كثيرا؛ إذ الطريق الرئيسة في المرتفعات مازالت من النوع الضعيف والمتهالك والضيق. مع قلة التشوير الطرقي إلا في مداخل الجماعات السهلية وفي المنعرجات الخطيرة في المرتفعات.

كما تعاني الكثير من محاور الطريق بسبب انكسارات وانجرافات الأمطار والسيول، ولم تتم صيانتها، خصوصا في محاور وديان جارفة وخطيرة يمر الطريق من قلبها بل يسكن السكان وسطها، مما عرضهم لمخاطر ذهب ضحيتها كثير من الأبرياء؛ أخرها سنوات 2023-2024 كما حكى لي الكثير من سكان الدواوير التي عرجنا عليها في طريقنا إلى أنامر سموكن.

حضرت تمنارت في كتب التاريخ المحلي لسوس؛ في طبقات الحضيكي، في الجزء الأول والثاني، وفي معسول المختار السوسي، في الأجزاء 1و9و11 وفي كتاب (إليغ قديما وحديثا)، وخصتها (معلمة المغرب) بمادة علمية مهمة في الجزء15.

أوردت هذه المراجع النقاش حول الطبيعة والسكان وأصول الأسر وأنسابها، خصوصا الأسرة الحضيكية، وكذا الأعلام والمدارس. ويمكن أن نستخلص من هذه المادة التاريخية أن قبيلة سموكن مثلها مثل العديد من قبائل سوس؛ هي تاريخ من التنوع التاريخي؛ تنوع الأنساب والأصول، وتنوع التحالفات، والانتقالات، والمصاهرات، والصداقات، والعداء، والترابطات، والنزوح، والهجرات…

وعندما كنت أسأل عن أصول السكان في أنامر سموكن كانت أغلب الإجابات، وليست كلها، تربطهم بمدينة تامدولت التاريخية والتجارية، وهي إجابات تحتاج إلى تدقيق وبحث ومقارنة.

كما أوردت المراجع التاريخية ما وقفت عليه ورأيته رأي العين وهو أن الدين الإسلامي يشكل الرابط الجامع لكل القبائل، وبجواره اللغة العربية باعتبارها لغة علم وعبادة، والأمازيغية لغة تواصل يومي، بما يجعل أنامر سموكن قطعة من المنظومة الدينية الواسعة التي تخيط الهوية المغربية بتنوع روافدها؛ كما تظهر هذه المناطق بشكل لافت جدا، وبشكل يومي، على أنها جزء من شبكة الذاكرة الدينية السوسية القديمة والحديثة والمعاصرة؛ فالمسجد جامع، والمدرسة القرآنية جامعة، وإمام المسجد جامع.

مع تنوع في الزوايا وفي أنماط التدين. وقد ارتبط التاريخ الثقافي والاجتماعي لأنامر سموكن بالولي الصالح سيدي أحمد أوداود السمكوني وقد وجدنا الاستعدادات جارية للاحتفال بموسمه. وهو المدفون بأنامر سموكن؛ ذكره الحضيكي(1775م) في الجزء الأول من طبقاته، وهو أقدم المترجمين له.

وذكر المختار السوسي عددا من العلماء السمكونيين في المعسول في المجلدات 1و9و11، من أبرزهم العربي بن محمد السمكوني، كما ذكرعددا منهم ضمن الأسرة العلمية السموكنية في كتاب (رجالات العلم العربي في سوس) ؛

ذكر: الفقيه علي بن عبد الرحمن السمكوني، جد آل إغير، والمفتي محمد بن عبد الله بن عمر السموكني(1091ه)، والمتصوف الناسك والمفتي مسعود بن أحمد بن عبد الله السموكني، ودفين تمنارت العالم إبراهيم بن إبراهيم السموكني، والفقيه يحيا السموكني ( بعد1214ه)، والعالم الخطاط محمد بن محمد (بعد 1238ه) جد آل بوازي الأسرة العلمية السموكنية، والفقيه الخطاط أحمد بن الطيفور السموكني وأخوه العالم الحسن بن الطيفور؛ قال عن هذا الأخير المختار السوسي في كتاب ( رجالات العلم العربي في سوس): ” علامة فطحل لا يشق له غبار” وهم من أبناء الأسرة العلمية الطيفورية.

كان أغلب علماء سموكن يدرس في المدارس العتيقة ويشارط في المساجد في طاطا وتزنيت وتارودانت. فرحلة العلم كانت توجههم إلى الجنوب، أما هجرات السكان اليوم من أنامر سوكن فتوجههم من أجل الرزق إلى الشمال في الرباط وسلا والدار البيضاء وطنجة وتطوان وأكادير، وهي أكثر المدن استقطابا لسكان أنامر سموكن.

ونفتقد اليوم إلى إحصائات سوسيولوجية دقيقة عن نخبة أنامر سموكن، من الطلبة والباحثين والأطر والأساتذة والأطباء والمهندسين… وقد يأتي من يبحث هذا الموضوع من أبناء المنطقة لإضاءة المنتوج البشري والرمزي لهذه المنطقة المباركة.

وعنما تخالط سكان الدوار القادمين من (الشمال والغرب) المغربيين، وقد خالطتهم، خصوصا تجمعات الأطفال والشباب، تتخيل نفسك في إحدى أحياء العكاري بالرباط، أو الرحمة بالدارالبيضاء، أو في إحدى أحياء مدن سلا أو الشمال… تسمع دارجة مغربية جهوية ومحلية تنبئ بمسقط الرأس. وتسمع بالمقابل الأمازيغية بين الآباء وكبار السن، وتلك قصة أخرى سأعود إليها في خضم الحكي والوصف.

من طرائف رحلة الطريق أن لا وجود للدرك في المرتفعات الجبلية. وبقدر الارتفاع في الجبل بقدر قلة رؤية الإنسان أو الحيوان. وفي خضم هذا الصمت تجد لغة تواصل تضامني صامتة وعجيبة؛ ففي أماكن كثيرة ربما معروفة عند مستعملي الطريق وعند الرحالة والمهاجرين تجد أماكن لشرب الماء في قنينات كبيرة معدة لذلك الغرض بعناية كبيرة، بل وجدنا مقاهي وبيوتا يعرضون الضيافة مجانا على القادمين من وإلى هذه المنطقة الجبلية المرتفعة.

وعلى مشارف الدواوير ترى لوحات السيارات الكثيرة للقادمين إلى جذورهم. وأغلب الأرقام كما ذكرت، من: الرباط، وسلا، والدار البيضاء، ومدن الشمال، وبني ملال، وأكادير. ولا ترى لوحات السيارات الأجنبية إلا ناذرا. وعنما تسائلت عن السر في ذلك أخبرت بأن هذه المنطقة عرفت الهجرات الداخلية فقط.

وهي بذلك (هجرة دائرية)؛ تتكون من محور موضوعي هو الهجرة من أجل المهنة ومدارس الأطفال، في الرباط وسلا وتطوان… ومحور ذاتي وجداني هو الهجرة/ الرجوع إلى الأرض و(الدار القديمة) والمسجد والمقبرة والضريح والواحة في أنامر سموكن.

فالمهاجر الدائري عقله في المدينة التي هاجر إليها مكرها وقلبه في الدوار الذي غادره وهو يحن إليه كل الوقت. ويستثمر فرصة عطلة الصيف أو الأعياد الدينية ليصل الرحم الباطنية الكبرى بين عقله وقلبه على أرض الأجداد في الدوار. وكانت رحلة الصيف إلى أنامر سموكن فرصة سانحة لي لاختبار هذه المقولة التفسيرية التي ستتكشف لنا من خلالها الكثير من المعطيات والحقائق التي تحجبها عنا أيديولوجيا المدينة وغشاوتها ومصالحنا فيها، بما يحجب عنا ليس الحقيقة الموضوعية على الأرض بل حقيقة أنفسنا، والعوامل المؤثرة في شخصياتنا وفي مواقفنا.

فكلما استمعت إلى نقاش أو إلى ادعاءات في المدن بصدد قضية من القضايا، فاذهب إلى البادية لترتوي بالحقيقة، ولتعرف جدية الادعاءات وقيمتها العلمية والتاريخية والاجتماعية التي تتردد في أزقة المدن.

ولجنا القرية الجبيلة الطيبة/ واحة أنامر سموكن في وقت صلاة الجمعة بالضبط، وكان الجامع خير بقعة مباركة تطؤها أقدامنا عند الدخول. أول ما تلاحظه أن المسجد مبني بطراز عمراني رفيع، قيل لنا بناه ثلاثة أغنياء في الدار البيضاء من أبناء المنطقة.

عندما تدخل إلى فنائه لن تتصور أنك في قرية جبلية معزولة؛ مسجد فخم وأفرشة عالية الجودة، ودورات مياه نظيفة، فيها أحذية بلاستيكية، ومراحيض، وحمامات مريحة، وفي الطابق تحت أرضي للمسجد توجد مكتبة وقاعة ضيوف ودورات مياه وفناء واسع. وجدنا الخطيب الحاج احماد يتلو خطبة من ورقة في يده تعرف من نبرة صوته أنها ليست من تحريره الخاص.

يحيط رأسه برابط لمكبر صوتي عصري Headset Microphone. الإمام الحاج احماد مشارط في المسجد منذ سنة1975. يحمل في ذاكرته تاريخ أنامر سموكن، والسير العلمية والتعليمية لأغلب الرجال والنساء الذين يحجون إلى الواحة في العطل والمناسبات الدينية لصلة الرحم الباطنية الكبرى. علمهم القرآن الكريم واللغة العربية.

وعلم أهل العزم وأولات العزم منهم ومنهن العلوم التي يهتم بها عادة السوسيون كما ذكرها المختار السوسي في كتاب (سوس العالمة) . فقد كان الحاج احماد هو المعلم الأول في الدوار منذ أكثر من نصف قرن، مع أنه يظهر متماسكا بدنيا ومعافى صحيا وهيئته رياضية، ربما ساعد في ذلك، وهي خاصية أهل الدوار، الطبيعة المرتفعة للأزقة والمسالك؛ فالتنقل العادي بين البيوت أو إلى السوق أو إلى المسجد هو تمرين رياضي في حد ذاته.

يوجد في الواحة ثلاثة مساجد بما فيها المسجد العتيق الذي سأذكر قصتي معه، لكن الجمعة تقام في مسجد الحاج احماد. المسجد ممتلئ عن آخره بالرجال والنساء والأطفال والشباب؛ يرتدي أغلب الشباب والأطفال (الفوقية) و(الكندورة) ويلبسون البلغة الصفراء.

ويرافق أغلب الشباب هواتفهم الذكية معهم إلى المسجد، يسترقون إليها النظر بين الفينة والأخرى في غفلة من الكبار الذين ينتبهون إلى الخطيب وكأن على رؤسهم الطير. أنهى الخطيب الخطبة وصلى بالناس بصوت رقيق ودافئ وبنبرة أمازيغية وبتمكن دقيق من عربية القرآن.

اكتشفت عندها أن المسجد هو الفضاء الرئيس بالواحة ليس للصلاة وحسب بل للتواصل وتبادل التهاني والتداول في الشؤن الخاصة والعامة بالواحة. تلاحظ العناق الحار بين رواد المسجد من أبناء المنطقة، وتسابق الأطفال والشباب لتقبيل يد الإمام ورأسه.

وتلمح في تقاسيم وجه الحاج احماد الخطيب الارتياح والسعادة، كأنه يسترجع تلامذته/ أبناءه وأحفاده في التربية والتعليم. وبمجرد الانتهاء من الصلاة تحول المسجد إذن إلى منتدى للتواصل والكلام والعناق والتذكر.

لماذا قلت إن المسجد فضاء عمومي للتواصل، لأن الأرض المستوية في دوار/ واحة أنامر سوكن نادرة؛ فالمنطقة عبارة عن مرتفعات، بل هي معلقة في جبال حجرية شاهقة. لذا فعند دخولنا إلى الدوار فوجئت بصعوبة الولوج بالسيارة أما ضيق الممرات بين البيوت المعلقة في المرتفعات، وتذكرك أزقتها بأزقة المدن القديمة في تزنيت ومراكش والرباط ومكناس… وبعض الأزقة تضيق حتى على الراجلين.

يتعايش في الدوار البناء العتيق والبناء الحديث بما يعبر عن التحولات الاجتماعية في إمكانيات الأسر المادية والاقتصادية. فنجد بيوتا أقرب إلى كهوف تجاور بيوتا من الصنف الحديث في الشكل وفي مواد البناء. والعمران يتوسع في الدوار عموديا وليس أفقيا بسبب البنية الجبلية للمجال. كما لن تخطئ عينك تفاوتات طبقية بين السكان مقيمين ومهاجرين عائدين؛ يظهر ذلك في البنايات، وفي السيارات، وفي ألبسة الأطفال، وفي أنواع الهواتف التي يحملها الشباب.

خرجت من المسجد وأنا محمل بالأسئلة؛ كيف لأسر تترك المنتجعات في المدن، وتغامر بمجيئها إلى الدوار، مجرد الوصول إليه، عبر المسالك الوعرة والطرق المكسرة، دونه خرط القتاد. دوار ليس فيه إلا الجبل الأصم، والطقس شبه الصحراوي، والحرارة المفرطة، والبيت العتيق؟ فماذا يقدم لسكانه الأصليين حتى يعودون إليه بشوق أكثر من مرة في السنة؟

الجواب تقرأه في محيا الأطفال والشباب، وهم عادة الأكثر نفورا من التقليد ومن (البلاد) ومن سيرة الآباء القديمة؛ فحيوية الشباب وحركية الأطفال وضجيجهم يوحي بسعادتهم وفرحهم. يوجد بجوار مسجد الحاج احماد جمعية شبابية مثل خلية نحل، تغص بالشباب وهو يتهيؤون لتنظيم حفل ختامي لنشاط ثقافي ورياضي وفني؛ فيه مسابقات في القرآن الكريم، ودوري في كرة القدم للفتيان والفتيات، ومعرض تقليدي للمنتوجات المحلية من الألبسة والعطور والزيوت، وتداريب وتكوينات، وسهرة فنية، وتقديم جوائز للناجحين من أبناء الدوار، وليس للمتفوقين وحسب.

فهمت من هذه الدينامية الشبابية في واحة أنامر سموكن، بين الشباب الوافد والشباب المقيم، أن الهجرة الدائرية لم تقتل واحة أنامر سموكن بل أعادت توزيعها الرمزي جغرافيا في المغرب، فهي موجودة في نفسها وموجودة في مدن أخرى، لكن الدوار/ الواحة مازالت هي الأرض المناسبة والمريحة لاجتماع شمل الهوية العاطفية والموضوعية، يخيطها الدين ويحفظها الكلام الأمازيغي وتظفي عليها العربية بعدا عالما في العبادة والتعليم.

إن القيمة الكبرى لأنامر سموكن ليست في تقديم واحة صغيرة في الجغرافيا وفي عدد السكان ، بل باعتبارها نموذجا تفسيريا وتدليليا على تشكل مفردات الهوية المغربية في العمق، وتجاوز إكراهات التنقل والهجرة، تحت أي ظرف.

فالبنيات القديمة عميقة ولا تختفي بمجرد الهجرة بل تظل تحفر في صاحبها الذي ابتلعته المدينة والحداثة التسويقية، وتحثه تلك البنية العميقة على العودة تحت مبررات أخرى مناسبة؛ مثل: ترميم (الدار القديمة)، والمشاركة في الموسم السنوي، ودعم بناء المسجد، ودعم الجمعية المحلية، وزيارة المقابر والترحم على موتى الأسرة من الآباء والأجداد…

كلها مبررات تصطنعها النفس الداخلية لتدفع المهاجر في الرباط وسلا والدار البيضاء وتطوان وبني ملال ليشد الرحال إلى أنامر سوكن. وهي في الحقيقة آليات دفع نفسية تستعملها البنية النفسية العميقة التي لم تختف ولم تندثر بفعل الهجرة القسرية أو الإرادية، تحن إلى مكوناتها الأصيلة، ويوجد بعضها في الدوار، وبعضها في ذاكرة الآباء، وبعضها في حكايات الأمهات، وبعضها في المسجد، وبعضها في كل ربوع الدوار؛ على الطرقات الضيقة، وعلى ضفاف السواقي ومجاري المياه، لقاءات لحفظ القرآن الكريم بين طلبة المدرسة العتيقة، أو لقاءات عاطفية بين العشاق على حواف الوديان وتحت جذوع النخل، أو لقاءات نميمة النساء، ولقاءات فوضوية الذكور…

هذه الذاكرة المكثفة والساخنة هي التي يصعب على الإنسان مقاومتها، وهي التي تفسر أن يغامر رب أسرة في تطوان وطنجة، والشمال هو وجهة الهجرات الداخلية الرأسمالية الرخوة اليوم في المتداول الاجتماعي وفي سوسيولوجيا العطل، يغامر بأسرته ليقطع أكثر من ألف كيلومتر ليعانق مسقط رأسه أو مسقط رأس زوجته، أو مسقط رأس آبائهما، ويرفق معه أبناءه محملين بما يحتاجون من غذاء وغطاء وحاجيات…

لأن الدوار يصنف ضمن المجالات المهمشة ذات السرعة المنخفضة في الطريق التنموي، وبسبب من سياسات عمومية عرجاء لا تتذكر الجبل وأهله، وهو على كل حال لا يبالي بهم ولا بسياساتهم ولا يتذكرهم هو الآخر. يعول على الأوفياء الأصلاء ممن سكنوه وجاوروه وهو حماهم وحصنهم وأكسبهم جلادة في الحياة، ويحنون إليه ويحن إليهم، ويحبونه ويحبهم.

استقبلنا الإمام الحاج احماد في بيته العامر. وحكى لنا على مائدة الغداء نتفا من التاريخ الديني لواحة أنامر سموكن؛ مساجدها، ومدرستها القرآنية، وطلبة العلم فيها، وتفرق طلبتها في المناطق الجنوبية للتعليم وللمشارطة، وكانت سموكن تسمى (وادي الطلبة)؛ إذ يعز أن تجد شابا لا يحفظ القرآن الكريم.

الحاج احماد الإمام (بين السبعين والثمانين) رجل لطيف، وكثير التبسم، له ثلاثة أبناء، اثنان يشتغلان في الحق الديني في مؤسسات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وواحد هاجر إلى سلا، وعاد في العطلة الصيفية لصلة الرحم الباطنية الكبرى. يسلم أهل الواحة رجالا ونساء وصغارا على الحاج احماد الإمام حيثما وجدوه، وتراه يحاورهم ويتفقد أحوالهم.

تلحظ على مائدة الغداء تنوع مرجعيات الحاضرين في مناقشة المواضيع بحسب الأماكن التي هاجروا إليها أو أتوا منها إلى أنامر سموكن. وتستطيع أن تفرق بسهولة بين مرجعيات المدينة ومرجعيات البادية، وبين مرجعيات الجنوب ومرجعيات الشمال.

والتصنيف ليس تفاضليا بالضرورة بل لغرض منهجي لتنظيم الوصف والحكي. وجبة الغداء قروية بامتياز؛ الطاجين بلحم المعز(وربما هو الذي يلائم المرتفعات) وكسكس الجمعة بلحم البقر، وطابق من (فواكه المدينة، أو قل: السهل)، وطقس أتاي المغربي بنكهة شبه صحراوية.

تتداول على الموائد الموضوعات العامة الآنية التي يناقشها المغاربة جميعا في القرى والمدن، فقط تختلف زوايا النظر، ومقدار المعلومات المتوفرة في الموضوع عند كل محاور، ولكن الذي يصدم أن القرية مبدأ والمدينة مصلحة؛ رأي القرويين متحصن في حزمة من القيم والمبادئ والأصول وقلة المعطيات، بها ينظرون إلى القضايا موضوع النقاش، ورأي المدنيين منغمس في كيس من المصالح والحسابات والتلونات والمبررات والتنازلات وكثرة المعلومات…

وغالبا ما تكون موضوعات النقاش: الهروب الكبير إلى سبتة المحتلة، وفلسطين، والحرب على إيران، والفريق الوطني لكرة القدم، وأحوال الطقس، والمشاكل الاجتماعية وزيادة الأسعار، وقضايا التنمية في الجبل… مازال الحوار الجماعي محافظا على طقسه في أنامر سموكن بين الكبار خصوصا برغم تحديات ثورات التواصل الاجتماعي.

تفسحنا بعد وجبة الغداء ومشينا طويلا في أزقة وطرق واحة أنامر سموكن؛ زرت المسجد الثاني وشربنا بجواره من ماء السواقي البارد والنقي، وفوجئت أن إمامه الفقيه الإمام أحمد من طلبتي في شعبة اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير.

وقصة لقاء الطلبة خارج الفصل ملهمة، وخاصة عندما تقتحم عليهم دواويرهم. فالتقينا بالكثير منهم ممن درستهم أو ممن درسهم أصحابي من رفقتي. لذا أعتقد أن معرفة مسقط رؤوس الطلبة ودواويرهم وظروفهم الاجتماعية والمجالية مهم بالنسبة لكل أستاذ جامعي يريد أن يكون خطابه العلمي متواصلا ومؤثرا في طلبته.

فلا يعقل أن نضخ كميات من المعلومات على طلبة في مدرج لا نعرف أصولهم الاجتماعية. عندما تقطع الطريق الوعر، وخصوصا في المرتفعات الخطيرة، بين أكادير وأنامر سموكن ستعرف أي صنف من الناس/ الطلبة أمامك في المدرج، وأية مخاطر وفيافي قطعوها ليجلسوا أمامك في القسم والمدرج؛ فمجرد أصول طلبة الجبل إلى الجامعة فهو إنجاز في حد ذاته، وهو تحية منهم لنا، يقتضي الأمر أن نردها بأحسن منها، وأن نغشى عليهم دواويرهم وأن نخالطهم.

تمشينا وسط الواحة في ملتقى/ مجمع الوديان، ولم نكن نشعر بأنا نهبط إلى أسافل الأرض، وكان النزول يسيرا، ولكن عندما اقترب وقت أذان المغرب، والأذان في أنامر سوكن ليس إعلانا عن وقت الصلاة وحسب، بل عن التجمع التواصلي في فنائه، لاستكمال تفاوضات الفضاء العمومي سابقة الذكر بعد الصلاة والقراءات والأذكار الراتبة. وقد ذكرتني هذه الوضعية بصلواتي في بعض مساجد استانبول؛ إذ زمن لواحق الصلاة قبلا وبعدا أطول بكثير من زمن الصلاة المفروضة ذاتها.

سنصلي المغرب في المسجد الثالث وهو المسجد العتيق، وهو الأقدم في الدوار. عندما قصدناه وجدنا أنفسنا ملزمين بتسلق مرتفعات عبر درج أرضي فيه المصنوع وفيه الطبيعي بين البيوت المعلقة بدورها في المرتفعات.

وصلنا المسجد في الأعلى ووجدناه عتيقا بالفعل هندسة وشكلا وتجهيزات. وصلينا في سطحه على عادة أهل البادية في الصيف، يصلون على سطح المسجد، وينامون على سطوح البيوت بسبب حرارة الغرف. وقد نمنا بالفعل على سطح بيت الإمام الحاج احماد. وبعد صلاة المغرب قرأنا ورد الحزب الجماعي، سورة طه كاملة، وورد البردة، ثم الأذكار، وتفرغ المصلون للتواصل والحوار في انتظار آذان العشاء. صلينا العشاء وغادرنا إلى بيت مضيفنا، لنتعشى ونخرج لحضور الحفل.

ليل أنامر سموكن هو محطة من استيقاظ الواحة. هو أكثر حيوية من نهارها، بفعل الحرارة وظروف الطقس في النهار. فمع اقتراب الغروب الذي يظهر في أفق أنامر سموكن ترى لوحة جمالية تجسدها الشمس عند وداعها جبال سموكن بلون فضي يلامس في وداعه الأخير أطراف أشجار النخيل وأطراف البيوت وأعالي المرتفعات.

يعوض الشمس نفس بارد لطيف تنفخه الجبال في فضاء الواحة وتتنفس به الأرض، وتقترب السماء من الرؤوس مع نجومها المعلقة في سقف لا حدود لأفقه، والقمر يعيد رسم صورة أنامر سموكن في لوحة جمالية تنعش الذاكرة والوجدان.

ثم يخرج الناس إلى الطرقات الضيقة، يمشون على هوامش المجاري، ويقفون على الشرفات الطبيعية التي يطلون منها على السواقي وعلى حوار الماء والأشجار. يصبح الفضاء الليلي لأنامر سموكن مجالا للعبور والتعارف وتبادل الأخبار. تكشف لك الواحة عن مقيميها وعن ضيوفها الذين أخفتهم من الحر في الظهيرة.

تتجول في فضاءات الواحة؛ في الأزقة والممرات والمسالك، فترى حركية الناس كأنهم يقرؤون في صحيفة كبرى واحدة ومتنوعة. يغلب على الخارجين من بيوتهم الشباب والشابات والنساء والأطفال الذين يركضون في كل اتجاه، يضيئون المسالك والأزقة بالركض والكلام والقهقهات وبالخطى في الممرات وبالشجارات اللطيفة والتنافسات البريئة بين الشباب والشابات.

يتبادلون الأحاديث وربما المواعيد والهواتف في جو عفوي أمام الجميع. ففي أنامر سموكن يوجد عالم بشري واحد يحضر فيه النساء والرجال من دون حدود مصطنعة ومن دون التفريط في مسافات المسؤلية؛ يجمعهم المسجد، والطرقات، والجمعية، والاحتفالات، وتجمعهم الذاكرة الجماعية… ليل سموكن طور من أطوار الحياة تسترد فيه الواحة أنفاسها التي خنقها الطقس الحار في الظهيرة. فالليل في سموكن فسحة للحركة والاجتماع والاحتفال.

في واحة أنامر سموكن تغطية شبه كاملة بالكهرباء والماء، لذا يكون الليل في أنامر سموكن المركز أشبه بالنهار. ترى من الأسفل أضواء السيارات التي تعبر مسالك المرتفعات فتعتقدها طائرة تستعد للتحليق أو هي بصدد الهبوط في مدرج. بالمناسبة تقل الدراجات النارية وتنعدم الهوائية في أزقة أنامر سموكن، ويبدو أن طبيعة المجال غير متسامحة مع مختلف وسائل التنقل. لذا فالدراجة الهوائية غريبة في هذا السياق المجالي. فالمرتفع أو الجبل يفرض على السكان نوعا خاصا من التجهيزات والوسائل وحتى الألبسة وبقية أمور الحياة اليومية.

تلحظ في سلوك الشباب وكذا الكبار قلة المدخنين، وربما انعدامهم، وقد يتأكد لك ذلك من سحناتهم البيضاء التي يخالطها احمرار، علامة عافية وسلامة، وهي سحنة أهل الجبل، تمتاز بجمالها ونظارتها. يحمل الشباب والشابات هواتفهم الذكية، ونادرا ما تجد من لا يحمل هاتفا. وتظهر على ظهور الشباب اختياراتهم الرياضية والفنية واللغوية من خلال القمصان التي يغلب عليها قمصان المنتخب الوطني لكرة القدم، وقمصان الرجاء الرياضي والوداد الرياضي وقمصان ريال مدريد وبرشلونة.

وتجد اليافعات يلبسن قمصان لاعبي المنتخب الذكور مع أن المغرب عنده فريق وطني لكرة القدم محترم. كما يحملون قمصان ممثلين ومغنين، وكتابات على صدورهم بالإنجليزية.
وكان فئة من الشباب يهيئون للحفل الفني الذي تعرفه الواحة. يقام على أرضية ملعب لكرة القدم أرضيته اسمنتية. ولا وجود لملعب معشوشب من ملاعب القرب كما نجد في المدن وفي بعض القرى المحظوظة.

وعلمت أن أنامر سموكن تتوفر على فريق لكرة القدم فيه لاعبون بإمكانيات تقنية مهمة. والحقيقة أني أود أن أعود لهذه البقاع المباركة لاستكمال عملية الوصف من الميدان واللقاء بالسكان وبالشباب الرياضي، فكرة القدم في أنامر سموكن تذكرني بفترة لعبي في البطولة الوطنية في القسم الثالث مع فريق أولمبيك تافراوت في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، وتلك قصة عائد إليها لا محالة.

تكشف أنامر سموكن في الليل عن روحها وعن هويتها الرمزية؛ فبعد أن ينتهي السكان من صلاة العشاء ومن صلاة النوافل، وبعد تناول العشاء، يتوجهون إلى مكان الحفل، وكأننا في تجربة جديدة وأصيلة لاحتفالات ديونيسوس في المسرح اليوناني.

فالملعب الذي أقيم فيه الحفل يذكرني بما قرأته في الجامعة عن الأوركسترا اليونانية، باعتباره فضاء مفتوحا؛ يتجمع سكان الواحة في فضاء شبه دائري، في سفح جبل بما يتيح للجمهور رؤية واضحة بسبب طابعه الانحداري. فقد تحول الملعب إلى فضاء للفرجة، وهو بالمناسبة فضاء متعدد الاستعمالات، وفضاء منبسط نادر في مجال طبيعي جبلي.
يلحظ المقبل على هذا اللقاء الفرجوي في هذا المكان أن التنظيم يتكلف به شباب وشابات يتحركون بسرعة في كل مكان. يحملون على صدورهم بطاقات (Badges).

مجموعة تنظم الكراسي الكثيرة، وأخرى تنظم منصة التكريمات وإلقاء الكلمات، ومجموعة تنسق مع قائد الفرقة الفنية التي ستنشط الحفل، ومجموعة توزع قننيات الماء على المشاركين، ومجموعة مكلفة بتأطير الأطفال واسيعاب شغبهم في مثل هكذا مناسبات.

ويبدو أن شباب اللجن التنظيمية خليط من المقيمين ومن الوافدين من خرج الواحة. ويقف في مدخل الحفل/ الملعب مجموعة من رجال القوات المساعدة بهواتفهم فقط. لا يحملون عصيا ولا هراوات. قدموا من الدائرة على متن سيارة كبيرة كتب عليها: القوات المساعدة.

يتبادلون التحيا مع السكان، ويتابعون المهام التنظيمية التي يقوم بها الشباب من بعيد. اقتربت منهم فوجدت أغلبهم منهمكا في هاتفه الذكي، بما يعني أنه في مهمة أمنية سهلة جدا في واحة هي أقرب إلى أسرة واحدة، علاقات أهلها تراحمية وأخلاقية أكثر مما هي تعاقد ومهام إدارية.

يحيط بالملعب/ ربع مدرج شبه دائري معلق في سفح الجبل المطل على الواحة خصص للنساء، وهو أجمل زاوية رؤية في الحفل. وعلى الجزء الأرضي من الملعب وضعت الكراسي المخصصة للرجال والأطفال والشباب.

علقت في الملعب/ مكان الحفل في الجهة المقابلة للحضور وللمنصة لافتات وملصقات مكتوبة باللغة العربية، وصورة رسمية كبيرة للملك والأعلام الوطنية. تم تقديم الحفل باللغة العربية وقد تتخلله الأمازيغية بالتناوب بين شاب وشابة. ونشط الحفل فرقة أهياض إمجاض القادمة من منطقة قروية جدا هي بوطروش التابعة لإقليم سيدي إيفني.

لم تكن فرقة عادية بل صوتا صداحا بمعاني التلاقح واللقاء بين فنون بلاد السهل وبلاد الصحراء وبلاد الجبل في مجمع الوديان بأنامر سموكن. رسمت هذه الفرقة بالصوت والنظم والحركة والضرب على (البنادر) والعواد (الناي) من خلال شكل هندسي يجسده صف متراص من الرجال يلبسون الجلابيب البيضاء وأقدام تضرب على الأرض بتناسق رهيب رسمت مشهدا فنيا وإنسانيا تتجسد فيه ذاكرة جماعية تسمع أصواتها من بعيد مرة في قوة الجبل وأخرى في رقة الواحة وأصوات فردية ومرة في طول الوادي وانسيابه.

أكيد لم تأت فرقة أهياض بطروش لتقديم عرض فني وحسب بل لتغذية ذاكرة وتراث حي وجعله يتنفس ويستمر ويتحرك ولو عبر حركة الأقدام على الأرض وعبر دق الدفوف والتصفيق المتناسق. كان الجمهور يستمع ويتابع بهدوء ويردد ويتفاعل بانتظام، لا يقطع استمرار النظم إلا زغاريد النساء من مدرجات السفح وهي الأعلى موقعا في المشهد.

ولم يشاهد شباب مراهق يرقص أمام المنصة ويحجب الرؤية ويزعج الحاضرين كما نرى في مهرجات المدينة في إطار صناعة ثقافية رأسمالية تسويقية تستهدف الكثرة وليس الجودة. وتحس بأن الحفل في البادية وفي واحة أنامر سموكن مازال يحافظ على جذوره ليس باعتباره ثقافة جماهيرية متحكم فيها بل باعتباره ثقافة شعبية مقاومة ومضادة للاستلاب وتعرية الذاكرة وتجريف الوعي.

فالناس يستمعون بهدوء وتشعر بأنهم يعرفون قيمة اللوحات الفنية التي تنسج أمامهم بحركاتها وايقاعاتها وكلامها.
لم تقدم فرقة أهياض إمجاض لوحة فنية واحدة بل قدمت فسيفساء فنية متداخلة الجذور؛ عندما تتعمق في أصواتها وإيقاعاتها ونظمها وحركيتها تكتشف أنها مسكونة بأحواش وفن الراويس وفن المجموعات والغناء الحساني وفنون إلقاء النظم…؛ بمعنى أن هذه المناطق هي (مجمع)، أي مناطق تماس ثقافي محلي تجسد مجالات العبور والتبادل بين المكونات الجزئية للهوية المغربية الكلية في الثقافة والفنون والسلوك الاجتماعي؛ هذه الهوية المخبأة عناصرها العميقة في الفنون وفي الأمكنة وفي الناس أنفسهم.

استمر الحفل إلى ما بعد الثالثة صباحا، وانتهى بشكل سلس، وانسحب الجميع في هدوء. ورجعنا إلى البيت الذي يستضيفنا لننام على سطحه، وهي عادة بدوية قديمة لمقاومة الحرارة. عدنا لنستكمل حوارنا الليلي مع نجوم سماء أنامر سموكن حتى مطلع الفجر.

كانت جلستنا الصباحية والأخيرة مع الحاج احماد إمام المسجد مع أبنائه الثلاثة. تناولنا وجبة الفطور، وختم الحاج احماد اللقاء بالدعاء والنصيحة وقراءة القرآن، على أمل أن تتكرر الزيارة.

أحسست في طريق العودة أني أنهيت زيارتي لأنامر سموكن ليس باعتبارها رحلة إلى مكان وحسب، بل إلى فضاء تاريخي وثقافي واجتماعي لا يدرك من عل، ولا تكفي الوثائق والإحصائيات وحدها لسبر منطقه الداخلي العميق. كما تأكدت من أن البادية الجبلية ليست هامشا من التاريخ الصامت، بل هي عالم مفعم بالحيوية والعلاقات والرموز والثقافة المضادة لمقاومة (التحولات) والاستلابات والتعرية الطبيعية والثقافية. فالبحث في المكتب شيء، وعندما تطأ قدمك التراب وتغشى يومي الناس، في الطرقات وفي المجالس وفي المساجد وفي الاحتفالات، شيء آخر مخالف.

قدمت هذا الوصف الرحلي بتوظيف مفاهيم تفسيرية لمجموعة من العلاقات الاجتماعية؛ مثل: مفهوم (المجمع) لتفسير العلاقات والتلاقي وتبادل المعاني، ومفهوم (الهجرة الدائرية) لتفسير الوضعية النفسية للإنسان الجبلي المعلق بين موطنه الأصلي (البلاد/ الجبل) وبين فضاءات العمل البعيدة في المدن في شكل دائري، وحرصه على مد الجسور مع الجذور وعلى تجذيرها، ومفهوم (التضامن الصامت)، لتفسير الأعمال التعاونية الكبرى في البادية/ الجبل مما لا يحتاج إلى الخطابات الكبرى والادعاءات المغالطة للسياسات العمومية العرجاء، ومفهوم ( الثقافة الشعبية المقاومة والمضادة) لوصف مضمون عمل واحة أنامر سموكن لحفظ حقها في الذاكرة وفي التعبير وفي مقاومة التهميش، ومفهوم ( الرحم الباطنية الكبرى) لتفسير البعد النفسي لعودة المهاجرين إلى الأصل في الواحة.

أغادر هذه المنطقة الطيبة المباركة، وأنا مدرك أنني لم أحط بها بما يكفي، لكن عذري أنني إن غادرت هذا المكان بجسدي، وأنهيت رحلتي إليه، فقد تكون هذه المغادرة بداية رحلة عميقة في الفكر والبحث والذاكرة.

ويكفي أن الدرس الذي تعلمته في واحة أنامر سموكن هو أن البادية/ الجبل لا تقرأ من بعيد، وإنما عن قرب؛ حين ننزل الوادي ونطأ أرضها المباركة، ونخلع نعل الغشاوة الذي تضعه المدينة والمكتب والكتاب على عقولنا، ثم ننصت إلى الجبل فهو متكلم مفوه لمن يعرف الانصات إليه أو ألقى السمع وهو شهيد وإلى تبين ما يخفيه في صمته.

*أستاذ التعليم العالي/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ جامعة ابن زهر

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto