الثقافة

هل تحتاج جامعاتنا إلى إصلاح المناهج أم إلى إصلاح ثقافة البحث؟ (5)

أكادير اليوم – كلما تحدثنا عن إصلاح الجامعة، سرعان ما تتجه الأنظار إلى المناهج نراجع البرامج، نعيد ترتيب الوحدات، نضيف مواد جديدة، نحذف أخرى، ونبحث عن صيغ أكثر ملاءمة للتحولات التي يعرفها العالم. وكأن المشكلة تبدأ من محتوى الدرس وتنتهي عنده.
لكن ماذا لو كانت المشكلة أعمق من ذلك؟ ماذا لو لم يكن السؤال الحقيقي هو : ماذا ندرس؟
بل: كيف نعلّم الطالب أن يفكر، وأن يسأل، وأن يبحث، وأن يشك في الإجابة الجاهزة؟
فالمنهج يمكن أن يتغير في وثيقة رسمية، بينما تبقى ثقافة البحث على حالها داخل القاعات والمختبرات ومراكز البحث وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
حين يتغير المنهج ولا تتغير طريقة التفكير ليس من الصعب أ، نغير مقررا جامعيا . ممكن أن نضيف موضوعًا جديدًا، ونحدّث قائمة المراجع، وندخل التكنولوجيا إلى العملية التعليمية، ونضع توصيفًا جديدًا للوحدات ,
لكن تغيير ثقافة البحث أكثر تعقيدا, لأن الثقافة لا توجد في المقرر وحده إنها توجد في علاقة الأستاذ بالطالب، وفي طريقة طرح الأسئلة، وفي مساحة الاختلاف، وفي نظرة المؤسسة إلى الخطأ، وفي قيمة السؤال غير المألوف، وفي الطريقة التي يُقيّم بها العمل العلمي . يمكن ان نملك احدث المناهج,لكننا لاننتج بالضرورة باحثاجديدا فالطالب الذي يتعلم أن الإجابة الصحيحة هي تلك التي يوافق عليها الأستاذ، قد ينجح في الامتحان، لكنه قد لا يتعلم كيف يبني سؤالًا علميًا مستقلا
والباحث الذي يخشى مخالفة الرأي السائد قد يكتب نصا سليما، لكنه لن يذهب بالضرورة إلى منطقة جديدة في المعرفة
الجامعة التي تعلم الإجابة… هل تعلم البحث؟ هناك فرق كبير بين أن يتعلم الطالب المعلومة وأن يتعلم كيف يصل إليها
الأولى يمكن أن تنتهي بانتهاء الامتحان. البحث العلمي يبدأ عندما لاتكون الإجابة جاهزة.
ولهذا، فإن الجامعة التي تريد إنتاج المعرفة لا يكفيها أن تملك مكتبات ومقررات وشهادات؛ عليها أن تخلق بيئة تسمح بالسؤال أن يكون من حق الطالب أن يقول: لا أقتنع
وأن يكون من حق الباحث أن يقول: هذه الفرضية تحتاج إلى مراجعة, وأن يكون من حق الأستاذ نفسه أن يعيد النظر في فكرة كان يعتقد بصحتها.
فالعلم لا يتقدم لأن الجميع يتفقون، بل لأنه توجد مساحة آمنة للاختلاف والمراجعة والنقد.ثقافة البحث تبدأ من السؤال ربما يكون السؤال أبسط أدوات البحث, لكن ايظا أكثرها أهمية. لماذا؟
لأن السؤال الجيد لا يبحث فقط عن معلومة، بل يكشف أحيانا أن ما نعتقد أننا نعرفه يحتاج إلى إعادة نظرومع ذلك، لا تزال بعض الممارسات التعليمية تجعل الطالب يبحث عن الإجابة قبل أن يتعلم كيف يصوغ السؤال.
يُطلب منه إنجاز بحث، لكنه قد ينشغل بالشكل أكثر من المشكلة التي يريد فهمها . يُطلب منه جمع المراجع، لكنه لا يدرب دائما بما يكفي على مساءلتها,ويطلب منه كتابة نص, لكن القيمة العلمية للنص لاتقاس بعدد الصفحات.
هنا لا تكمن المشكلة في الطالب وحده, انها مسؤولية ثقافة كاملة حول معنى البحث.
من ثقافة إعادة الإنتاج إلى ثقافة إنتاج المعرفة يمكن للجامعة أن تخرج أعدادا كبيرة من الطلبة، وأن تمنح شهادات كثيرة، وأن تنتج عددا مهما من البحوث، ومع ذلك يبقى السؤال قائما:
هل نحن نعيد إنتاج المعرفة الموجودة أم نضيف إليها؟ فإعادة قراءة المعرفة ضروريةوالإطلاع على ماسبق شرط لأي بحث جاد. لكن الجامعة لا يمكن أن تكتفي بإعادة تدوير الأفكار نفسها، ولا أن يتحول البحث إلى عملية تجميع لما قاله الآخرون ثم إعادة ترتيبه بلغة مختلفة.
البحث يبدأ حين يستطيع الباحث أن يرى في المعرفة القائمة فجوة، أو تناقضا، أو سؤالا لم يطرح بما يكفي وهذا النوع من الباحثين لا تصنعه المناهج وحدها بل تصنعه ثقافة تقول له إن السؤال ليس إزعاجا، وإن النقد ليس تمردا، وإن الاعتراف بعدم المعرفة ليس ضعفا ,الأستاذ ليس ناقلًا للمعرفة فقط في هذا النقاش، لا يمكن تجاهل دور الأستتاذ الجامع فالأستاذ لا يعلّم الطالب من خلال ما يقوله فقط، وإنما من خلال الطريقة التي يمارس بها المعرفة أمامه.
حين يرى الطالب أستاذا يناقش، ويستمع، ويعترف بحدود معرفته، ويستند إلى الدليل، ويقبل الاختلاف، فإنه يتعلم البحث حتى دون أن يكون ذلك مكتوبا في توصيف الوحدة.
أما حين يرى المعرفة تقدم باعتبارها حقيقة مغلقة لا تقبل النقاش، فقد يتعلم شيئا آخر تماما: إن وظيفة الباحث هي الوصول إلى الإجابة التي ينتظرها منه الآخرون.وهنا تصبح العلاقة بين الأستاذ والطالب جزءا من ثقافة البحث نفسها.
وهل تكفي التكنولوجيا؟
في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي حاضرا بقوة في الجامعة وهذا ضروري.
لكن إدخال أدوات جديدة لا يعني تلقائيا تغيير طريقة التفكير.
يمكن للباحث أن يمتلك أفضل أدوات البحث الرقمي، وأن يستخدم الذكاء الاصطناعي، وأن يصل إلى آلاف المراجع في ثوانٍ، ومع ذلك يظل أسير السؤال التقليدي وطريقة التفكير التقليدية.
الأداة تستطيع أن تساعد في الوصول إلى المعرفة, لكنها لا تستطيع أن تمنح الباحث بالضرورة الرغبة في مساءلة المعرفة.
وهنا نعود إلى أصل المسألة: التكنولوجيا يمكن أن تغير سرعة البحث، لكنها لا تغير وحدها ثقافة الباحث.
الإصلاح الذي يبدأ من الداخل
ربما لهذا السبب لا ينبغي أن نضع إصلاح المناهج وإصلاح ثقافة البحث في مواجهة بعضهما نحن بحاجة إلى الاثنين, لكن ترتيب الأولويات مهم .فالمنهج الجديد الذي يُدرس بعقلية قديمة قد لا ينتج تغييرا حقيقيا , والمختبر الحديث الذي يعمل داخل ثقافة تخشى التجربة لن يصبح بمجرد تجهيزه فضاءً للابتكار,والبرنامج الذي يتحدث عن التفكير النقدي، إذا كان الطالب لا يجد مساحة لممارسة النقد، سيظل مجرد كلمات جميلة في وثيقة جامعية.
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتطابق لغة الجامعة مع ممارستها.
حين تقول للطالب: فكر، ثم تسمح له بالتفكير,
حين تقول له: ناقش، ثم لا تعاقبه على الاختلاف حين تطلب منه البحث، ثم تمنحه الوقت والموارد والبيئة التي تمكنه من البحث. الجامعة لا تحتاج فقط إلى مناهج جديدة .
ربما يكون السؤال الذي بدأنا به قد أصبح أكثر وضوحا الآن
هل تحتاج جامعاتنا إلى إصلاح المناهج؟ نعم
لكنها تحتاج، بالقدر نفسه وربما أكثر، إلى مراجعة الثقافة التي تحيط بالبحث العلمي
لأن المنهج يحدد جزءًا مما يتعلمه الطالب، بينما الثقافة تحدد في كثير من الأحيان كيف يتعلم، وكيف يفكر، وما الذي يجرؤ على السؤال عنه.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة الجامعة فقط بعدد برامجها الجديدة، ولا بعدد شهاداتها، ولا حتى بعدد أبحاثها
قد يكون المؤشر الأهم هو سؤال أبسط
هل تخرج الجامعة طالبا يعرف الإجابات، أم إنسانا يعرف كيف يسأل؟ فالأول يستطيع أن ينجح في امتحان,أما الثاني، فقد يكون قادرا على أن يضيف شيئا جديدا إلى المعرفة.
وربما هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي
ليس عندما نكتب منهجا جديدا فحسب، بل عندما ننجح في بناء ثقافة تجعل السؤال بداية للمعرفة، لا نهاية لها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto