
التّسريب :اغتيالٌ صامت لحرمة المؤسسة السياسية المدنية
لم يكن التسريب الصوتي الأخير للمسؤول الثالث في هرم الدولة داخل اجتماع مغلق للمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار مجرد سبْقٍ صحفي عابر ولا مجرد ورقة لينة في حرب تسويات ضيقة بين أجنحة ومراكز نفوذ.
ما حدث في جوهره هو جريمة ضد مفهوم المؤسسة السياسية وإعلان جلي عن بدء عصر سلوك عبثي خبيث يسعى لتلغيم المساحات الآمنة للنقاش وتكميم الأفواه من الداخل.
فسواء اتفقت مع مضمون ما قيل أو اختلفت معه وسواء صدمتك حرارة الانفعال أو نبرة التعبير فإن التركيز على المضمون وإغفال فعل الخيانة التنظيمية هو سذاجة سياسية تُعبّد الطريق نحو تدمير ما تبقى من نبل هذه الحياة السياسية المدنية.
إن الأحزاب السياسية في الديمقراطيات ليست مساجد ولا دُور عبادة بل هي فضاءات صراع فكري وانفعال إنساني وتقييم صريح للشأن العام. والاجتماعات المغلقة حسب الاعراف الديمقراطية هي الغرفة الآمنة التي يُفترض أن يخلع فيها السياسي قناع الدبلوماسية ليتحدث بوضوح وحرية. وعندما يُقدِم عضو في أعلى هيئة تقريرية لحزب على تسجيل زميله وسرقة صوته وتسريبه للخارج فهو لا يستهدف هذا الشخص بعينه بل يُرسل رسالة إرهاب فكري صريحة لكل الفاعلين…
رسالة مفادها أن الجدران لها آذان وأن زميلك في المكتب السياسي هو مخبرك القادم.
هذا السلوك الخسيس يؤسس لمرحلة مرعبة من تكميم الأفواه الذاتي حيث سيخشى القادة مستقبلاً من النطق بأي رأي جريء وسيتحدثون بلغة الخشب حتى داخل غرفهم المغلقة…كما أنه يقتل التدافع الفكري ويحول الأحزاب من فضاءات للنقاش الحي إلى سيرك للدمى والأقنعة مدمراً الثقة التنظيمية التي لا يمكن لأي بناء سياسي أن يصمد بدونها.
إن زرع التجسس داخل المؤسسات المدنية هو أقصى درجات الانحطاط السياسي فالمسرب لم يمارس دوراً نضالياً ولم يكشف جُرمًا ضد الوطن بل مارس فعل تجسس دنيء أجهز به على نبل الفكرة الحزبية..ابتداءً من هذه الواقعة سيفكر كل قيادي ألف مرة قبل أن ينطق بكلمة جريئة وسيخشى كل سياسي من انفعال صادق وستتحول الاجتماعات المغلقة إلى مسارح للرقابة الذاتية والهمس الخائف والنفاق المتبادل.
وإذا سمحنا لهذا السلوك بالتمدد ومرّ دون إدانة مجتمعية وأخلاقية وحزبية حازمة فلنقرأ الفاتحة على ما تبقى من جدوى الأحزاب وسنستيقظ غداً لنجد أنفسنا في مجتمع يخشى فيه الجميعُ الجميعَ وتُحتضر فيه الحرية على أعتاب “تسريب” خائن… عندها لا يعود الخطر مقتصراً على شخص أو حزب وإنما يصبح خطراً داثماً على الفكرة المؤسساتية نفسها.
يوسف غريب – كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



