
تازروالت: من وحي زيارة الموكار سيدي أحمد أو موسى.. حكاية موسم بين المقدس والمدنس
- د.خالد ألعيوض //
أكادير اليوم – قبل أن نبدأ الحكاية، لا بد من توضيح معنى ثنائية “المقدس والمدنس” التي سترافقنا في هذا النص. فالعبارة مستعارة من الباحث وعالم الاجتماع بول باسكون في أعماله حول إليغ وتزروالت، والتي كانت ثمرة رحلة ثقافية وعلمية رافقه فيها مجموعة من الشباب الذين سيصبح عدد منهم لاحقًا من كبار المثقفين والباحثين في المغرب، وأفضت إلى عمل جماعي عُرف بكتاب “دار إليغ”.
أما كلمة “المدنس”، فلا أقصد بها هنا التدنيس بالمعنى الأخلاقي أو القضائي، ولا أستعملها للحكم على مظاهر معينة داخل الموسم. فمصطلحle profane أوسع من ذلك؛ إنه يحيل إلى ما هو خارج المجال المقدس، وإلى الحياة الدنيوية واليومية بما فيها من تجارة وفرجة وطعام ولعب وتواصل. لذلك فإن «المدنس» هنا مفهوم وصفي وتحليلي، وليس حكمًا قيميًا.
ففي موسم سيدي أحمد أو موسى، يتجاور المقدس والمدنس ويتداخلان في فضاء واحد: الضريح والمسجد والذكر والدعاء والزيارات والمزارات من جهة، والسوق والتجارة والطعام والغناء والفرجة وألعاب الحظ من جهة أخرى. وبينهما يتحرك الزائر في رحلة لا تفصل فيها الحدود بين عالم وآخر بقدر ما تكشف عن مجتمع كامل يعيش موسمه السنوي بكل تناقضاته وذاكرته.
حكاية بدأت قبل خمسة قرون
ولد سيدي أحمد أو موسى في قرية بومروان بإداوسملال سنة 1460 وتوفي سنة1563، عاش في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، تزامنت مع البدايات الأولى لبروز الدولة السعدية، وفي زمن كانت فيه أجزاء من السواحل المغربية واقعة تحت الاحتلال البرتغالي.
كان سيدي أحمد أو موسى من المساندين للحركة السعدية الناشئة، إلى جانب سيدي محمد بن مبارك الأقاوي، وساهم نفوذه الروحي في إقناع القبائل بالمبايعة والانخراط في بيعة الجهاد ضد الاحتلال البرتغالي.
وقد تأثر بشيخه محمد بن سليمان الجزولي، صاحب «دلائل الخيرات». وبعد أن طاف بالبلدان وأدى فريضة الحج، عاد إلى الجنوب، ليستقر بعيدًا عن مسقط رأسه في منطقة تازروالت، حيث أسس زاويته الشهيرة.
ومن تلك الزاوية بدأت الحكاية.
في البداية كان المكان فضاءً دينيًا وروحيًا، ثم أخذ يتحول شيئًا فشيئًا إلى موعد سنوي يستقطب الزوار، قبل أن يصبح موسمًا واسعًا تتداخل فيه العبادة والتجارة والثقافة والفرجة.
ولعل أقدم الشهادات التي تكشف لنا عن مكانة هذا الموسم تأتي من الحسن الوزان، المعروف بـليون الأفريقي، في كتابه وصف إفريقيا. فقد زار المنطقة سنة 1513 رفقة ابن الشريف السعدي، وقصد سيدي أحمد أوموسى في موسمه. ووصف الطريق المؤدية إليه مرورًا من ماسة، كما تحدث عن الموسم وحركته التجارية، وعن العلاقات التي كانت تربط المجال السوسي بمناطق السودان.
ولم تكن الزيارة مجرد رحلة عابرة؛ فقد حملت أبعادًا سياسية ودبلوماسية مرتبطة بمحاولة استمالة سيدي أحمد أو موسى والحفاظ على دعمه للحركة الجهادية التي كانت تتبلور في سوس لمواجهة الوجود البرتغالي على الساحل.
وبعد عقود، ستتوج هذه الحركة باسترجاع أكادير سنة 1541 على يد محمد الشيخ السعدي، وسقوط القلعة البرتغالية القائمة في الموقع المرتفع الذي كان يشرف على البحر وعلى المجال السوسي. وهكذا تبدو تازروالت جزءًا من تاريخ أكبر من حدود موسمها؛ تاريخ تداخل فيه التصوف والجهاد والسياسة والتجارة والدبلوماسية.
ثم ستعرف المنطقة، خصوصًا في عهد حفيد سيدي أحمد أو موسى، سيدي علي بودمعة، ازدهارًا كبيرًا، مع قيام إمارة إليغ وعلاقاتها الواسعة مع الجنوب والسودان، بل ومع عدد من الدول الأوروبية، وخاصة هولندا وإنجلترا. وكان مينائي أكادير وماسة آنذاك من المراكز التجارية المهمة، فكانت تازروالت جزءًا من شبكة تصل الجبل بالساحل، وسوس بالواحات والسودان.
الطريق إلى الموسم
بعد قرون، لا تزال الرحلة إلى سيدي أحمد أو موسى تحمل شيئًا من ذلك الإحساس القديم.
تبدأ الرحلة من تزنيت، عبر الطريق المؤدية إلى تافراوت. طريق صغيرة تتلوى بين الجبال، ثم تأتي منعرجات أساكا أوبلاغ، قبل أن تنحرف يمينًا نحو وادي تازروالت.
وفجأة يتغير المشهد.
يستقبلك الوادي وقد ارتدى حلة قشيبة من الألوان والبضائع والأصوات. آلاف البشر، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، وسيارات من مختلف الأنواع والأحجام، تحمل لوحات ترقيم محلية وجهوية ووطنية ودولية. بعضها يأتي من مناطق بعيدة، وبعض السيارات تبلغ قيمتها ملايين السنتيمات.
الجميع يتجه نحو المكان نفسه.
في أيام الموسم تبدو تازروالت وكأنها نقطة تلتقي عندها طرق المغرب كلها.
البداية من الضريح
لكن رحلة الموسم تبدأ من الضريح.
هناك، حيث يرقد الولي الصالح، يعود المكان إلى أصله الأول: الزيارة والذكر والدعاء.
نساء كثيرات يترددن على الضريح والمزارات، يحملن معهن أمنيات وانتظارات وحاجات. وعلى قمة جبل صغير توجد مزارات أخرى، حيث تستمر طقوس ومعتقدات شعبية قديمة؛ علامات تضعها النساء بحثًا عن غائب، أو أملًا في عودته، أو طلبًا للزواج.
إنها منطقة يختلط فيها الدعاء بالمعتقد، والزيارة بالرجاء، والذاكرة بالحاجة.
وهنا تبرز أشجار الأركان التي توقف عندها بول باسكون، لأنها لم تكن مجرد أشجار، بل علامات تحمل ذاكرة اجتماعية.
هناك ترگانت نتمغارين، شجرة النساء، التي كانت تعقد تحتها الزيجات، وترگانت إيسمگان التي ارتبطت بذاكرة بيع العبيد.
اليوم قد يمر الزائر بجانب هذه الأشجار ولا يرى سوى أركان عاديًا، لكن المكان لا يزال يحمل ذاكرة ما كان يحدث تحته.
وفي رحبة البهائم، حيث كانت تجارة الأنعام من جمال وخيول وأبقار جزءًا من الموسم، ارتبطت شجرة أخرى بالذاكرة المحلية، إذ كان يجلس تحتها سيدي هاشم، أحد أحفاد سيدي أحمد أو موسى عندما قتل برمية من بندقية أومحمود في قصة دفاع عن الكرامة.
حين تعبر القنطرة
بعد المزارات تعبر القنطرة.
وهنا يبدأ وجه آخر للموسم.
تظهر الأسواق: الحلويات المعبأة في أكياس ذات ألوان زاهية، والخزف، والعطارة، والبخور، ثم التمور القادمة من الواحات: تغجيجت، طاطا، أقا، فم الحصن، تمنارت، زاكورة وغيرها.
كل منطقة تأتي بما لديها، وكل تاجر يحمل معه جزءًا من جغرافية الجنوب.
وهكذا يتحول الموسم إلى سوق كبيرة تختصر في أيام قليلة شبكة واسعة من العلاقات التجارية القديمة.
طاجين على الفحم
ثم تظهر المقاهي.
مقاهٍ بسيطة، كثير منها مصنوع من متلاشيات زراعية، وفي داخلها أفران للخبز التقليدي أو خبز تفارنوت.
تدخل فتجد المئات جالسين فوق الحصير.
الفحم مشتعل، والطاجين فوق النار، والشاي حاضر، والخبز يخرج ساخنًا. الناس يعدون طعامهم بأيديهم، يأكلون جماعات ويتبادلون الحديث.
جلسات تبدو وكأنها بقيت على حالها منذ زمن بعيد.
والأجمل أن الشباب حاضرون أيضًا. أبناء البوادي يأتون جماعات، يشعلون الفحم ويعدون الطاجين ويجلسون حوله، بعيدًا عن التاكوس والهمبرغر.
في سنة 2026، تتجاور الحداثة مع هذه الطقوس القديمة دون أن يبدو الأمر غريبًا.
فالطاجين ما زال ينتصر على الوجبات السريعة، والحصير ما زال يحتفظ بمكانه وسط عالم تغير كثيرًا.
حين يصل البحر إلى الجبل
وفي مقاهي الأسماك تظهر علاقة أخرى: علاقة الجبل بالبحر.
كان روبير مونتاني قد تحدث عن علاقة سكان سوس بالساحل، وعن سمك «تاسركالت» الذي كان يصاد على الشواطئ السوسية، ثم يجفف ويحضر منه طعام يعرف ب “تغروست”.
وكان الاستعداد لموسم تازروالت يبدأ قبل أشهر، حيث تحمل كميات من السمك المجفف من الساحل نحو الجبال على ظهر الجمال لكي تباع خلال الموسم.
هكذا يصل البحر إلى الجبل، كما تصل تمور الواحات إلى تازروالت.
سمك الساحل، تمر الواحات، أركان الجبال، وخيرات السهل، كلها تجتمع في موسم واحد.
الوجه الآخر للموسم
ثم تبدأ مرحلة أخرى.
هنا ندخل إلى ما سماه باسكون، في ثنائية «المقدس والمدنس»، بالفضاء الخارج عن المجال المقدس.
تظهر ساحات الرهان والقمار وألعاب الحظ والورق وغيرها. أحيانًا يبدو المكان كأنه كازينو مفتوح وسط الجموع.
ثم تظهر فضاءات الفرجة، أو ما يسمى شعبيًا بـ«السيرك».
هنا الروايس والرايسات والمغنون.
بعضهم مشهور، وبعضهم مغمور، وبعضهم جاء ليختبر نفسه أمام الجمهور. تذكرة بسيطة، في حدود عشرين درهمًا، تفتح للزائر بابًا إلى عالم من الغناء والموسيقى والفرجة.
إنها تقاليد تعود إلى عقود بعيدة، خصوصًا إلى ستينيات القرن الماضي، لكنها لا تزال حاضرة في تازروالت.
موسم يصنع الفنانين
وللموسم وظيفة أخرى: صناعة الفنان.
يأتي بعض الفنانين من أجل ما يسمى محليًا “التشيخ”؛ أي اختبار الذات أمام جمهور الموسم.
يغني الفنان، ويراقب رد فعل الناس. فإذا نجح في استمالتهم، يمكن أن يعود بعد موسمين أو ثلاثة وقد أصبح اسمه معروفًا ومقبولًا لدى الجمهور. لذلك يتحول الموسم إلى طقس للعبور نحو عالم النجومية باستحضار بركة النجاح المستوحاة من بركة المكان. ومن بينها تاركانت الفوا، التي كان المايسترو أودادن يقدم تحتها سهرات مجانية لجمهور تازروالت إلى الأمس القريب..
وهكذا لم يكن الموسم فضاءً لاستهلاك الفن فقط، بل كان أيضًا مكانًا لصناعة الفنانين.
الخيام القادمة من كل المغرب
وبعيدًا عن هذه الفضاءات، وسط النخيل والحقول التي كانت إلى الأمس القريب تنتج الخضروات والذرة والبرسيم، تنتصب الخيام.
الحقول التي تظل فارغة خلال الصيف تتحول إلى مدينة مؤقتة.
يأتي الناس من مختلف مناطق المغرب. يحضر الهواريون بقوة بأهازيجهم ورقصاتهم وغنائهم، ويحضر أشتوكن وتيزنيت و المزار والدشيرة و أيت ملول ومناطق الأطلس الصغير وغيرها.
بعضهم يقضي أربعة أيام، وبعضهم ليلة واحدة.
لكن الجميع يدخل في إيقاع الموسم.
الخيام تصبح بيوتًا مؤقتة، والساحات مسارح، والممرات أسواقًا، والليل امتدادًا للنهار.
ليل لا يشبه النهار
ولعل أجمل ما في موسم سيدي أحمد أو موسى أن ليله لا يشبه نهاره.
حين تغيب الشمس لا ينتهي الموسم؛ بل يبدأ وجهه الآخر.
تزداد الأضواء، وتمتلئ المقاهي والخيام، وتستمر التجارة والطعام والغناء إلى ساعات متأخرة.
آلاف السيارات تأتي من مختلف أنحاء المغرب، ثم تعود في سلام.
واللافت هو الحضور الكبير للنساء والأسر حتى أثناء الليل. أسر المهاجرين تأتي أيضًا مع زوجاتهم وأبنائهم وأطفالهم، فيتحول الموسم إلى مناسبة عائلية تتجاوز حدود المنطقة.
المهاجر الذي يعيش بعيدًا يعود إلى تازروالت، والأطفال الذين ولدوا بعيدًا عن الجبل يكتشفون مكانًا ظل حاضرًا في ذاكرة آبائهم.
حتى الثالثة صباحًا قد تجد من يأكل، ومن يشتري، ومن يغني، ومن يتجول.
صحيح أن السنوات الأخيرة عرفت تنظيمًا أكبر ومحاولات لتحديد ساعات الأنشطة، لكن روح الليل لا تزال جزءًا من هوية الموسم.
موسم تختصر فيه سوس نفسها
هنا تكمن فرادة سيدي أحمد أو موسى.
في مساحة واحدة يستطيع الزائر أن يبدأ بالدعاء وقراءة القرآن، ثم ينتقل إلى المزارات والمعتقدات، ويعبر القنطرة إلى السوق والتجارة، ويجلس على حصير ليأكل الطاجين ويشرب الشاي، ثم يستمع إلى الروايس والرايسات، ويشاهد ألعاب الحظ، قبل أن ينتهي به المطاف وسط الخيام والأسر والزوار القادمين من مختلف جهات المغرب.
إنها رحلة من المقدس إلى المدنس، ومن الجبل إلى البحر، ومن الواحات إلى الساحل، ومن الذاكرة إلى الحاضر.
ولهذا لا يمكن اختزال الموسم في كونه موسمًا دينيًا، أو سوقًا تجاريًا، أو مهرجانًا فنيًا.
إنه ذاكرة جماعية حية.
كل سنة يعيد إنتاج نفسه.
السيارات تغيرت، والسلع تغيرت، وبعض مظاهر الفرجة تغيرت، لكن الحصير ما زال حاضرًا، والطاجين فوق الفحم، والخبز يخرج من الأفران التقليدية، والتمور تأتي من الواحات، والسمك يحمل ذاكرة الساحل، والخيام تملأ الحقول، والفنان يأتي ليختبر حظه أمام الجمهور.
وعلى مشارف ضريح سيدي أحمد أو موسى، تستمر حكاية تازروالت؛ حكاية ولي صالح ولد سنة 1460 وتوفي سنة 1563، وحكاية زاوية تحولت إلى موسم، وحكاية إليغ التي حفظها المختار السوسي في “إليغ قديمًا وحديثًا”، وحكاية مجتمع ظل يجد في هذا الموعد السنوي فرصة للعبادة والتجارة والفرجة واللقاء.
هنا، في جبال تزروالت، لا يبدو الماضي ميتًا.
إنه يجلس على حصير، يشعل الفحم، يضع الطاجين فوق النار، يبيع التمر والسمك، يغني تحت شجرة أركان، ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل.
ذلك هو موسم سيدي أحمد أو موسى: موسم لا يكتفي بأن يُزار، بل يُعاش؛ موسم تتجاور فيه القداسة والحياة اليومية، الذاكرة والفرجة، التجارة والمعتقد، في واحدة من أكثر الظواهر الثقافية والاجتماعية فرادة في جنوب المغرب.
الدكتور خالد ألعيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والابحاث أولاد ميمون أشتوكة أيت باها ..
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News








