الرأيالسياسة

حرائق «الأغلبية» تندلع مبكراً: حين يتحول الاستقطاب الانتخابي إلى «تصفية حسابات» سياسية

  • حسن كرياط //

​لم تعد حرارة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تُقاس بالقرب من تاريخ الاقتراع، بل بمدى اتساع الشروخ التي أصابت جدار التوافق الحزبي من الداخل. فالبلاغ الصادر مؤخراً عن المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن مجرد توضيح تنظيمي عابر، بل مثّل «ضربة استباقية» كشفت عن حجم الهشاشة التي باتت تطبع علاقة حليفي الأغلبية الحكومية (الأحرار والأصالة والمعاصرة)، محوّلاً التنافس المفترض حول البرامج إلى معركة استنزاف واستقطاب علني.
​تتجلى خطورة هذا التحول السياسي في انتقال الخطاب الحزبي من نقد الخصوم في المعارضة إلى تصويب السهام نحو شريك الأمس. فقد وضع التجمع الوطني للأحرار ما وصفه بـ«المفارقة الصارخة» في قلب النقاش، معتبراً أن هناك هوة سحيقة بين شعارات تخليق الحياة السياسية ونزاهة المنافسة، وبين ممارسات ميدانية تتوسل ضغوطاً وعمليات استمالة منظمة. غير أن لغة النقد هنا لم تقف عند حدود التشخيص السياسي العام، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر إشهار قائمة بأسماء برلمانيين ومنتخبين وقيادات جهوية، أصبحت محط تجاذب بين الطرفين، بل ووصل هذا الاستهداف إلى حدود التأثير على أعضاء في القيادة التنفيذية للحزب نفسه، كما حدث في التفاعلات المتواترة بجهة الداخلة.
​هذه التطورات تضع الممارسة السياسية برمتها أمام مساءلة نقدية دقيقة: هل يخوض الفاعلون السياسيون معركة إقناع الناخبين وفوز الأفكار، أم أننا أمام مرحلة إعادة هندسة الخريطة الانتخابية عبر «حرب اللوائح» ونقل الولاءات؟ إن إصرار الأحرار على التلويح باللجوء إلى القواعد القانونية والمساطر القضائية يشير إلى أن سقف المواجهة ارتفع بشكل غير مسبوق، وأن قواعد اللعبة السياسية أضحت تحت مجهر التشكيك من داخل بيت الأغلبية نفسه.
​إن الخطورة الحقيقية في هذا التصعيد لا تكمن فقط في ارتباك التحالفات الحاكمة، بل في إزاحة الناخب المغربي وحصيلة الأداء الحكومي عن صدارة الاهتمام، لصالح حسابات التموقع الاستباقي. فالرهان على حجم الاستقطاب أو قوة النفوذ التنظيمي قد يحقق مكاسب مرحلية للأحزاب، لكنه يصدم في النهاية بالحقيقة الديمقراطية الثابتة: أن صندوق الاقتراع هو الفيصل الوحيد الذي لا يمكن مصادرة إرادته أو نقل ملكيته. وإلى أن تبوح الصناديق بأسرارها، سيبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة الأحزاب على التوفيق بين أدبيات التحالف الحكومي وطموحات الهيمنة الانتخابية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto