
مئة حكاية وحكاية للتأريخ لقرن من الهجرات السوسية: مصطفى إدبيهي.. فاتح أبواب الأولمبيا أمام الفنانين المغاربيين (الحلقة الأولى)
- إعداد: خالد العيوض //
في تاريخ الهجرة المغربية إلى فرنسا، توجد حكايات كثيرة تشبه بعضها: شاب يغادر القرية، يبحث عن العمل، يستقر في مصنع، يرسل المال إلى أسرته، ثم يعود ذات يوم إلى الوطن. غير أن بعض المهاجرين لا تنطبق عليهم هذه القاعدة. فقد حملوا معهم، إلى جانب حاجتهم إلى العمل، فضولًا فكريًا وحسًا فنيًا ورغبة في اكتشاف عالم جديد، ثم تحولوا تدريجيًا إلى فاعلين في الحياة الاجتماعية والثقافية للمهاجرين.
من بين هؤلاء يبرز اسم مصطفى إدبيهي، واسمه الحقيقي عبد الله إدبيهي بن لحسن، وهو اسم لم يعد يعرف به أحد تقريبًا بعدما التصق به لقب مصطفى منذ طفولته. قصته ليست مجرد قصة مهاجر مغربي في فرنسا، بل قصة شاب تنقل بين عوالم متعددة: من حاحا إلى الدار البيضاء، ومن الدار البيضاء إلى فرنسا، ومن المصنع إلى النقابة، ومن النقابة إلى الثقافة والفن، حتى أصبح بالنسبة إلى كثير من العمال المغاربة أشبه بـ«وزير الثقافة المغاربي» داخل عالم الهجرة.
ولد مصطفى إدبيهي سنة 1949 في درب السلطان بالدار البيضاء، رغم أن جذوره تعود إلى قبيلة حاحا، وبالتحديد إلى دوار إد منصور، الذي يبعد بنحو خمسة وعشرين كيلومترًا عن الصويرة. وكانت ولادته في المدينة نتيجة هجرة سابقة عاشتها أسرته قبل أن يعرف هو الهجرة إلى أوروبا. فقد كان والده قد غادر الجبل في اتجاه الدار البيضاء، بحثًا عن حياة مختلفة، وهكذا كانت الهجرة الأولى في حياة مصطفى هي الهجرة من القرية إلى المدينة.
نشأ في بيئة حضرية، حتى إن لهجته أصبحت لهجة بيضاوية، رغم ارتباطه العميق بجذوره الحاحية. وفي المدرسة ظهر تفوقه الدراسي مبكرًا، فتابع دراسته في الإعدادي والثانوي بنجاح، وكان من الشباب الذين بدت أمامهم إمكانية بناء مستقبل مختلف.
وعندما كان في السابعة عشرة من عمره، راسل أحد المعاهد في بلجيكا، وتمكن من الحصول على منحة لمتابعة تكوين تقني في مجال النسيج. كانت الدار البيضاء آنذاك مدينة صناعية صاعدة، وكان قطاع النسيج في أوج نشاطه، وكانت الحاجة إلى التقنيين والعمال المؤهلين تتزايد. بدت أمام الشاب فرصة حقيقية لبناء مسار مهني مختلف.
لكن التاريخ كانت له ترتيبات أخرى.
وصل مصطفى إلى فرنسا مباشرة بعد أحداث ماي 1968، في لحظة كانت فيها البلاد تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا وتحولًا. كانت الجامعات تغلي بالنقاشات السياسية والفكرية، وكان اليسار، بما فيه التيارات الماوية، حاضرًا بقوة في أوساط الشباب. كانت أسماء جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وغيرهما من المثقفين حاضرة في النقاش العام، وكانت الجامعات فضاء لإعادة التفكير في السلطة والمجتمع والعمل والعلاقات الإنسانية.
وصل مصطفى إلى هذا العالم وهو يحمل في ذاكرته بدوره أثرًا سياسيًا واجتماعيًا من المغرب، وخصوصًا أحداث مارس 1965 في الدار البيضاء، التي تركت أثرًا عميقًا في جيل كامل من الشباب المغاربة.
كان عمه قد سبقه إلى فرنسا في الخمسينيات واستقر في باريس، حيث عمل نحو عشر سنوات، ثم عاد إلى المغرب بعدما استثمر أمواله في فندق ومطعم في قلب المدينة. ولزم مصطفى عمه في تلك المرحلة، فوجد نفسه داخل عالم مختلف تمامًا عن عالم القرية والأسرة والهجرة التقليدية.
في الفندق والمطعم، احتك بالفرنسيين والإيطاليين والإسبان، وانفتح على اللغات والثقافات وأنماط الحياة المختلفة. لم تعد فرنسا بالنسبة إليه مجرد بلد للعمل، بل أصبحت فضاءً لاكتشاف العالم.
وحين وصل إلى فرنسا، كان يحمل معه شبكة من المعارف التي بدأت منذ الدار البيضاء. لكنه، في بداية شبابه، لم يستطع الحفاظ على المسار الدراسي الذي كان قد فتحته له منحة بلجيكا. فقد فقد مكانه في السكن، واختار العودة إلى فرنسا، وانغمس فترة في حياة الشباب، قبل أن يبدأ البحث عن الاستقرار المهني.
كان مفتونًا بالتصوير، ويحضر دروسًا لتطوير مهاراته الفنية في هذا المجال. وكان لا يزال دون الحادية والعشرين عندما بدأ يبحث عن العمل، إلى أن لفت انتباهه إعلان عن حاجة مصانع رونو إلى العمال.
كان ذلك في قلب ما يعرف في التاريخ الاقتصادي الفرنسي بـ “الثلاثين المجيدة” Les Trente Glorieuses، وهي المرحلة التي شهدت ازدهارًا صناعيًا واقتصاديًا كبيرًا في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.
دخل مصطفى عالم رونو (Renault) بمدينة بولوني-بيلانكور (Boulogne-Billancourt)، أحد أكبر مجمعات صناعة السيارات في أوروبا آنذاك. كان المصنع أشبه بمدينة صناعية ضخمة: عشرات الآلاف من العمال، من بينهم آلاف العمال الأفارقة، وعلى مساحة شاسعة تقترب من ثمانين هكتارًا.
دخل مصطفى المصنع وهو مختلف عن كثير من العمال الجدد. كان متعلمًا، يتحدث لغات عدة، ومنفتحًا على الحياة الثقافية. لذلك سرعان ما اندمج في محيطه، ووجد احتضانًا من العمال، خصوصًا المهاجرين.
عمل في البداية مراقبًا يرتدي البدلة الخضراء. كانت ألوان الملابس داخل المصنع تعكس مواقع العمال: البدلة الزرقاء للعمال العاديين، والبيضاء لمن لهم مستوى مهني أعلى، والخضراء للمراقبين.
كان يمتلك مكتبًا صغيرًا، وكان لديه وقت فراغ نسبي. لكن ذلك الوقت لم يدفعه إلى الابتعاد عن العمال، بل جعله أكثر قربًا منهم.
بدأ يساعدهم في كتابة الرسائل، وتحويل الأموال إلى المغرب، وفهم الإجراءات الإدارية، والتعامل مع الصناديق الاجتماعية، وحل بعض المشكلات اليومية التي كان يواجهها العمال المهاجرون في بلد لم تكن لغته وإدارته مألوفتين بالنسبة إلى كثير منهم.
وهكذا، قبل أن يصبح مصطفى نقابيًا، أصبح شيئًا آخر أكثر أهمية: وسيطًا بين العامل المهاجر ومجتمع الاستقبال.
كانت المطالب الأولى للعمال بسيطة ومباشرة. طالبوا بفضاءات خاصة للصلاة، وبمراعاة ظروف الصيام خلال شهر رمضان، واستطاعوا تحقيق جزء من هذه المطالب. لكن مصطفى سرعان ما اكتشف أن القضية الأساسية تتجاوز هذه المطالب اليومية.
اكتشف أن العمال المغاربة كانوا يتقاضون أجورًا أقل من العمال الفرنسيين رغم قيامهم بالعمل نفسه.
ظهرت إذن المطالبة التي ستصبح شعارًا للحركة العمالية المهاجرة: “نفس العمل، نفس الأجر”.
ومن هنا بدأ الوعي النقابي يتشكل لديه. التحق بنقابة CGT، التي كانت آنذاك من أقوى النقابات الفرنسية، ومرتبطة تاريخيًا باليسار والحركة الشيوعية. وهناك بدأ يتعلم أبجديات العمل النقابي: التنظيم، التفاوض، المطالبة بالحقوق، قراءة القوانين، وتعبئة العمال.
لكن عالم مصطفى لم يكن محصورًا في المصنع. كانت رونو، بالنسبة إليه، جامعة أخرى.
داخل المصنع التقى بشباب فرنسيين ومغاربيين ذوي تكوين فكري، كثير منهم تأثروا بأجواء ماي 1968. كما ارتبط بعلاقات مع طلبة مغاربة كانوا يعيشون في فرنسا في مرحلة سياسية وثقافية مضطربة، وتحولت علاقاته إلى شبكة من المثقفين والفنانين والمناضلين.
كان منزله الصغير فضاءً للقاءات، وكانت اهتماماته تتجاوز النقابة إلى التصوير والفن والثقافة.
كان يحضر دروس التصوير، ويرتاد المسارح ودور الأوبرا، ويتابع العروض الفنية، ويستقبل المثقفين والطلبة. وكان العمال يعرفون هذا الجانب منه، حتى أطلق عليه بعضهم لقبًا ساخرًا لكنه يحمل الكثير من الدلالة: “وزير الثقافة المغاربي”.
لم يكن اللقب مجرد مزحة. فقد كان مصطفى يحاول أن يجعل الثقافة جزءًا من حياة المهاجر.
كان يرى أن العامل لا يحتاج فقط إلى أجر أفضل وظروف عمل أحسن، وإنما يحتاج أيضًا إلى المعرفة والفن والسينما والمسرح والكتاب، وإلى أن يشعر بأنه جزء من الحياة الثقافية للمجتمع الذي يعيش فيه.
وكان هذا التصور متأثرًا بالأجواء الفكرية والسياسية التي عاشتها فرنسا بعد ماي 1968. فقد كانت النقابات واليسار يستضيفون مثقفين وفنانين داخل أماكن العمل، وتُنظم عروض ومحاضرات في المقاصف والفضاءات العمالية.
ومن اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرته خطاب جان بول سارتر أمام عمال رونو سنة 1970. كان سارتر في أوج حضوره الفكري، وكان خطابه أمام العمال يعكس ذلك التقاطع النادر بين الفكر والنضال الاجتماعي.
كان مصطفى حاضرًا في هذا العالم، يتابع، يستمع، يشارك، ويكتشف أن المصنع ليس فقط مكانًا لإنتاج السيارات، وإنما يمكن أن يكون أيضًا فضاءً لإنتاج الوعي.
وهنا بدأت ملامح التحول الكبرى في شخصيته.
فالشاب الذي غادر حاحا إلى الدار البيضاء، ثم وصل إلى فرنسا باحثًا عن الدراسة والعمل، لم يعد مجرد مهاجر يحاول تحسين وضعه الاجتماعي. أصبح إنسانًا يعيش بين عوالم متعددة، ويجمع في تجربته بين الهوية المغربية، والخبرة العمالية، والوعي النقابي، والانفتاح الثقافي، وشغف الصورة والفن.
كانت تجربته داخل رونو مدرسة حقيقية. تعلّم فيها أن العمال المهاجرين ليسوا مجرد قوة عاملة، وإنما مجتمع له حاجاته وحقوقه وثقافته وذاكرته.
وتعلم أيضًا أن الدفاع عن العامل لا ينفصل عن الدفاع عن كرامته الإنسانية.
لكن التحول الأهم كان في اكتشافه أن الثقافة يمكن أن تكون أداة للاندماج، وأن الفن يمكن أن يفتح أبوابًا ظلت مغلقة أمام المهاجرين.
شيئًا فشيئًا، أخذ مصطفى ينتقل من موقع العامل النقابي إلى موقع جديد: متعهد ثقافي وفني داخل عالم الهجرة. وكان انفتاحه على الأوساط الفنية والشبابية، وعلاقاته بالمثقفين والطلبة والفنانين، وراء توسيع دائرة نشاطه.
لقد كان يحمل معه تجربة مزدوجة: تجربة العامل الذي يعرف المصنع من الداخل، وتجربة الشاب الذي اكتشف باريس وفرنسا من خلال الثقافة والفن.
ومن هنا يمكن فهم خصوصية مساره.
فالمهاجر التقليدي كان غالبًا يختزل علاقته بفرنسا في ثلاث كلمات: العمل، إرسال المال، والعودة.
أما مصطفى إدبيهي فقد فتح لنفسه ولغيره مسارًا رابعًا: الثقافة.
لم يعد المصنع بالنسبة إليه مجرد مكان لكسب الراتب، ولا النقابة مجرد وسيلة للحصول على زيادة في الأجر. أصبحا مدخلين إلى مجتمع أوسع، وإلى فضاء ثقافي يمكن للمهاجر أن يكون فيه فاعلًا لا مجرد متلقٍ.
وهكذا، من قلب رونو (Renault) بمدينة بولوني-بيلانكور (Boulogne-Billancourt) وسط آلاف العمال المغاربة والأفارقة والجزائريين والأتراك والتونسيين، بدأت تتشكل شخصية شاب مهاجر لا يشبه المهاجرين الآخرين.
شاب كان يمكن أن يصبح تقنيًا في النسيج ببلجيكا، لكنه اختار طريقًا آخر؛ وكان يمكن أن يظل عاملًا في مصنع رونو، لكنه فتح لنفسه أبواب النقابة والثقافة والفن؛ وكان يمكن أن يعيش الهجرة باعتبارها مجرد اغتراب، لكنه حولها إلى فضاء للتعارف والانفتاح وصناعة العلاقات.
ومن هنا تبدأ المرحلة الثانية من حكايته: مرحلة سيخرج فيها مصطفى إدبيهي من المصنع ليصبح أحد الوجوه التي ساهمت في فتح أبواب الثقافة والفن أمام المهاجرين المغاربة والمغاربيين، وصولًا إلى تنظيم العروض واللقاءات واستقدام الفنانين، وتحويل الثقافة إلى جزء من الحياة اليومية للجالية.
إنها حكاية شاب مهاجر لم يكتفِ بفتح باب المصنع وراءه، بل بدأ، خطوة بعد أخرى، في فتح أبواب أخرى: أبواب المسرح، والصورة، والموسيقى، والفن، والحوار بين الثقافات.
ولهذا، فإن لقب “فاتح أبواب الأولمبيا أمام الفنانين المغاربيين” لا يمكن فهمه إلا في سياق هذه الرحلة الطويلة؛ رحلة بدأت من درب السلطان وحاحا، مرورًا بفرنسا ورونو والنقابة، وانتهت إلى فضاء الفن والثقافة، حيث لم يعد مصطفى إدبيهي مجرد مهاجر يبحث عن مكان له في فرنسا، بل أصبح واحدًا ممن ساهموا في صناعة مكان للمهاجرين داخل المشهد الثقافي الفرنسي.
وهكذا تكتمل صورة أحد أبناء جيل الهجرة الذي لم يكتفِ بأن يعيش التاريخ، بل حاول أن يجعل من الهجرة نفسها جسرًا بين العمل والثقافة، وبين المغرب وفرنسا، وبين العمال والفنانين، وبين عالم المهاجرين والعالم الذي يعيشون فيه.
*خالد العيوض مدير مركز تاوسنا للدراسات والابحاث.. قرية اولاد ميمون شتوكة ايت باها المغرب
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News





